في التكوين البنائي للسينما المصرية علامات ودلالات، فهناك من المُعطيات ما يُشير إلى الابتعاد المقصود عن الأجواء السياسية وإثارة القضايا الحساسة في بعض الأفلام التي تُسمى بالتجارية، وهي المعنية بذوق الطبقة الشعبية من الجمهور واهتماماتها الترفيهية، وهذه النوعية تعبر عنها الأفلام الكوميدية التي تحقق رواجاً أعلى وتصل بمعدلات الإيراد إلى الحدود القصوى، لذا فهي دائماً المأمونة والمرغوبة حيث احتمالات الخطر فيها نادرة وتكاد تكون معدومة.
ويُستثنى من الأفلام الكوميدية التقليدية عينات خاصة لنجوم اعتادوا على تضمين أفلامهم بعض المفاهيم والمعاني الرامية إلى النقد السياسي والاجتماعي في الكثير من الأحيان، ومن هؤلاء عادل إمام الذي قدم وجهات نظر معارضة في أفلام كوميدية صريحة مثل «كراكون في الشارع» و«المتسول» و«شعبان تحت الصفر» و«الإرهاب والكباب» و«الواد محروس بتاع الوزير» و«رسالة إلى الوالي» و«المنسي وعصابة حمادة وتوتو» و«الأفوكاتو» وغيرها.
كذلك قدم أحمد عيد، نماذج مهمة من نفس الفصيل تمثلت في فيلم ثقافي و«ليلة سقوط بغداد» و«أنا مش معاهم». ولم تقتصر التجارب الكوميدية السياسية بشكل عام على هذه العناوين فقط، بل أضيف إليها نوعيات وعناوين أخرى مُعززة يجدر منها بالذكر فيلم «طلق صناعي» على سبيل المثال وهو نوع فريد امتزجت فيه الكوميديا بالسياسة على نحو مُثير ومُلفت وكان له وقع خاص على الجمهور من مُختلف الطبقات والفئات.
أما النوعيات السينمائية المغايرة والمختلفة التي وضحت فيها الرؤى السياسية الناقدة فهي كثيرة للغاية، وربما تكون الغالبة لدى بعض المخرجين الذين اهتموا بإشكالية التوازي بين السياسة والثقافة داخل الإطار السينمائي، ومن أبرز هؤلاء المخرجين الذين شكلت أفلامهم وعياً جماهيرياً خاصاً في المراحل القريبة نسبياً للسينما المصرية، المخرج دواد عبد السيد المشغول دائماً بواقع الفقراء والمهموم بطرح القضايا الاجتماعية المُشتبكة بطبيعتها مع السياسة بحكم الظروف والمُشتركات الأساسية بينهما. فمنذ فيلمه الأول «الصعاليك» وهو لا يزال مُتمسكاً بنظرية الربط بين السياسة كسياج عام والقضايا الإنسانية والاجتماعية، ولم يحد عبد السيد عن هذا الخط الإبداعي طوال مسيرته الفنية ولعل أفلامه الشهيرة، «سارق الفرح» و«رسائل البحر» و«الكيت كات» و«أرض الأحلام» تعكس ذلك بوضوح، فكثيراً ما أثارت الجدل وخلفت عواصف من ردود الأفعال المؤيدة والرافضة.
ومن بين البارزين أيضاً في تطبيق نظرية الثقافة والسياسة المخرج خيري بشارة صاحب الأفلام المهمة، «يوم مر ويوم حلو» و«إشارة مرور» و«آيس كريم في جليم». فبرغم بساطة الأفكار وعفوية التناول، إلا أن هناك عمقا في الرؤية والطرح والتركيز على التفاصيل الصغيرة الدالة على الحالة الإبداعية بكل أبعادها، فهكذا يتسم الأسلوب الإخراجي عند بشارة بين مُنتهى البساطة ومُنتهى العمق في آن واحد، وهو ما يجعل أفلامه صالحة لكل الأعمار والفئات والمستويات.
المخرج الراحل محمد خان يعد واحداً من أميز المبدعين في هذا الخصوص، كونه صاحب مدرسة في التعبير بالصورة إلى أبعد مما يتوقعه المشاهد، فالرمزية عنده ليست فقط في الجملة الحوارية المكتوبة، وإنما الصورة أيضاً لها دلالة قوية في تأكيد المعنى المقصود، وكثيراً ما راهن خان على بلاغة الصورة وحدها في استبيان المفهوم وإيضاح القصد، ولأن الهاجس السياسي حاضر في معظم أفلامه فهو شريك ضالع في تدبيج الثنائية الثقافية السياسية، حتى وإن بدت أدواته ناعمة الملمس، فـ»ضربة شمس» و«أحلام هند وكاميليا» و«بنات وسط البلد» و«الغرقانة» و«شقة مصر الجديدة» و«زوجة رجل مهم» و«ملك وكتابة» كلها أفلام ليست خارجة عن إطار الاشتباك الحتمي بين الثقافة والسياسة والفن، حيث كل ما هو متصل بهموم المواطن يقترب من خط التماس في المعادلة الثلاثية المُشار إليها.
ولا يمكن استبعاد المخرج يسري نصر الله عن منطقة الألغام بحيز السينما السياسية، فأفلامه تشي بمضامينها، «سرقات صيفية» و«المدينة» و«باب الشمس» فكل فيلم من هذه الأفلام يعرض جانباً من جوانب الأزمة، سواء على المستوى الشخصي أو المستوى العام، فلا فرق عنده بين ما يؤرق الفرد وما يؤرق المجموع، الكل داخل دائرة الأزمة. بيد أن الفارق في طرح المُشكلات والأزمات بين نصر الله وغيره من المخرجين، هو الخطاب واللغة، فهو يستخدم خطاباً فلسفياً غير دارج، لكنه يحمل ذات المضمون وينبئ بما يهم المواطن البسيط.
الأفلام القليلة التي أخرجها المخرج محمد أمين يمكن اعتبارها نوعية خاصة جداً تتوافر فيها كل المُعطيات المؤدية إلى إثارة النقاش والجدل حول القضايا الشائكة، ولعلنا أشرنا إلى بعضها في السطور السابقة، فأفلامه التي تتميز بنبرة النقد العالية برغم فكاهتها، كان لها الصدى الأقوى في الساحة الثقافية والاعتبار الأكبر من الناحية النقدية، علماً بأنها لم تستمر طويلاً في دور العرض.
لكن الغاية المنشودة من الأفلام قد تحققت بصور شتى فمعظم ما عُرض منها أسفر عن نتائج إيجابية، فيلم ثقافي «ليلة سقوط بغداد» و«بنتين من مصر» و«فبراير الأسود» مجموعة استثنائية لسينما لعبت على وتر التأثير الذهني والثقافي وابتعدت عن المُتكرر والمُتشابه والتقليدي فنجحت بامتياز وظهر تأثيرها في محيط جمهورها المُستهدف، فلم تكن تلك الأفلام موجهة لعوام الناس بقدر ما كانت تخاطب شريحة معينة من المثقفين والمهتمين بالشأن العام.
ما عرضناه ليس سوى ملمح دال على ثنائية الثقافة والسياسة في السينما المصرية المُعاصرة وفق ما أشرنا إلية وما حاولنا أن نُبرزه في تحليل موجز وتمييز خاص.