القاهرة ـ «القدس العربي»: «هلك مَن لم يعمل على شاكلته. أنا رب النظام والجدية، تلك شاكلتي، فاعرفها، واعرف غيري من الأرباب، واعمل على شاكلتك تسلم». (من قصة موقف نجيب محفوظ)
بداية من رواية «قف على قبري شويّا» 2002 ووصولاً إلى رواية «صخرة بيتهوفن» 2017 لم يتخل الكاتب محمد داود عن أسلوب السخرية من شخصياته والتأسي لها في آن، هناك سوء فهم دائم تعيشه هذه الشخصيات بين إمكاناتها وطموحاتها، وهم أشباه لنا في في معظم الأحوال. لم يختلف الأمر في أعمال أخرى بين هذه العملين.. «السما والعمى» 2004 «فؤاد فؤاد» 2008 «أمنا الغولة» 2010 «بار أم الخير» 2015. وتأتي المجموعة القصصية الأولى للكاتب «نصف كيلو عدس أصفر» الصادرة هذا العام عن دار ميريت للنشر. ومن خلال نصوص المجموعة 18 قصة يواصل داود رؤيته إلى الشخصيات وعوالمهم الغرائبية، والأهم نفسياتهم ورؤيتهم لهذا العالم. هناك سذاجة يقينية تحرك هؤلاء، دون الوقوف على الأسباب الحقيقية للمآسي التي يعيشونها، هناك تسليم متصالح ومتسامح مع قوة قدرية ترتجي الخير دوماً، لكن الأسباب السياسية والاقتصادية والاجتماعية لا يعرفون شيئاً عنها، ولا يدركون في رحلة حياتهم وعذابهم أن هناك سلطة سياسية مسؤولة عن كل المصائب التي تحيق بهم.
أساليب السرد
الملاحظ على نصوص المجموعة هو تباين الأساليب السردية، ودون نسيان أن النغمة العليا التي تغلف الحكايات هي السخرية السوداء، والمفارقة التي تعد من أهم سمات هذه السخرية. ففي قصة «غسيل بريتوني» نطالع الحكاية من خلال دفتر يوميات الممرضات، ويقتصر الأمر على حالة مرضية واحدة لشاب جاء لإجراء غسيل كُلوي، شاب تصاحبه أمه العجوز المريضة أيضاً، ونتعرف على تفاصيل حياة الممرضات، وإهمال الأطباء الذين يعيشون كآلهة أمام المرضى والممرضات، لكن هل سيخرج المريض متعافياً؟ لا، الموت سيكون نصيب الأم. كل هذا من خلال لغة تقريرية من سجلات دفتر أحوال وحدة الغسيل الكُلوي. ثم تتواتر أساليب السرد، ما بين حكايات تبدو بها سمات الحكاية الخرافية كألف ليلة وليلة، وروح القصص الشعبي، كما في قصص «حسن ونعيم» و«رجل لأرملة المرحوم المسكين» وصولاً إلى لغة أقرب من لغة الرمز، كما في قصص «الشيطان» و«الدبدوب البني» وكذلك الأحلام، وهو ما يُذكّر فوراً بكتابات نجيب محفوظ الأخيرة «أصداء السيرة الذاتية» و«أحلام فترة النقاهة».
وبالفعل يُهدي داود القصة التي تحمل عنوانها المجموعة «نصف كيلو عدس أصفر» إلى .. الولد في قصة نجيب محفوظ «الحاوي سرق الطبق». وصولاً إلى تبني أسلوب محفوظ نفسه، واستحضاره في نص المجموعة الأخير (المواقف والمخاطبات .. موقف نجيب محفوظ) وفيه يتلو محفوظ وصاياه على الكاتب، في لغة تتشابه ولغة تراثية مقدسة.. «وقال لي: أرأيت القائل بتجاوزي، إعلم أنه لا ينشغل أحد بتجاوز غيره إلا الصغير في نفسه. وأما الكبير في نفسه، فإنه ينشغل بذاته، قد أفلح إن وصل إليها، ناهيك من تجاوزها. ألا أنها حرب ذاتية، يخطئ مَن يظنها حرباً أهلية». وهكذا تتوإلى الوصايا عن الناس ودنياهم وأحوالهم للكاتب الواقف في حضرة محفوظ.
عوالم مختلفة
ووفق نهج هذه الأساليب تمكّن الكاتب من استعراض عوالم مختلفة، ما بين حكايات الريف أو المدينة، كما تنوعت النصوص ما بين نصوص طويلة وأخرى مكثفة لا تتعدى النصف صفحة، وهي النصوص ذات اللغة الرمزية. وهناك نصوص تحمل حسّاً روائياً، كما في قصة «غسيل بريتوني» ذات الشخصيات المتعددة والحكايات الكثيرة التي تكشف حيوات الممرضات وطبيعة مهنتهن وما يحيطها من علاقات اجتماعية وبيئات مختلفة. ومن خلال النصوص نستكشف جانباً خفياً في شكل غير مباشر لحالة الفساد العامة التي تحيط بالجميع، وتسيطر على أفعالهم وبالضرورة أفكارهم، فساد سياسي وديني وأخلاقي. وتأتي قصة «النار حرقت الأعمى» لتجسد حالة من التخبّط وعدم التصديق لما هو كائن، هناك يقين كاذب ومُضلِل بأن كل شيء على ما يرام، فالرجل الذي يستيقظ دون أن يرى شيئاً، لا يريد الاعتراف بأنه أصبح أعمى، ويُرجع كل ما يحدث له لأسباب خارجية، كانقطاع التيار الكهربائي، أو أن الوقت لم يزل منتصف الليل، رغم سماعه صوت العصافير في الخارج، حتى عند إشعاله سيجارة، ورغم أنه لا يرى نيران عود الثقاب، وفي الوقت نفسه يُشم رائحة الثقاب المُطفئ هكذا عطّل حواسه الأخرى عمداً ليصبح سبيله هو يقين النظر المُنعدم، وبالتالي يصبح ضحية أو قرباناً ليقينه الزائف، والخوف من مواجهة الحقيقة.
وفي الأخير.. حاول داود استعراض أساليب كتابية تتواصل وتاريخ الرواية العربية، من التراثي إلى الرمزي وحتى لغة الحياة اليومية.