ليست الترجمة الأدبية متاحة لأي أحد يتقن اللغة الإنكليزية، إذ لا بد للمترجم من أن يكون ذا ذائقة وهو ينتقي هذه اللفظة دون تلك، أو هذا التعبير دون سواه. وعلى الرغم من أن للأدب ونقده جهازا لغويا له سياقاته التي يعي المتخصص أهميتها، فإن كثيراً من المفاهيم الأدبية والمصطلحات النقدية التي تُرجمت إلى العربية لم يُتفق فيها على تداولية موحدة بشأنها باستثناء قليل مما اتَفق عليه وبشكل غير مباشر الباحثون والمهتمون بالشأن الأدبي والنقدي.
ولعل من مقتضيات الترجمة الأدبية أن يُراعى في تعريب أي مفهوم أدبي الدقة الاصطلاحية، ومن ثم لا بد للمترجم من ذخيرة لغوية وخبرة معرفية، تعينه على انتقاء المفردة الأنجع في التعبير عن المعطى الدلالي للمفهوم المترجم، ومن دون ذلك لا تقدر الترجمة الحرفية على تأدية مهمتها بأي حال من الأحوال. وكم أعجبتنا روايات، والسبب دقة ترجمتها الناجم عن مهارة لغوية في انتقاء الأساليب اللغوية التي تماثل الأصل المترجم. وهو أمر لا يتوفر إلا لمترجم ثقَّف ذائقته بالقراءة الأدبية، وكان على صلة وثيقة بالأدب وحركاته. وكثير من مترجمينا المعروفين هم نقاد وأدباء مثل عبد الرحمن أيوب ومحمد عناني وسعد البازعي وفخري صالح وشكري المبخوت وغيرهم.
وعلى طول تاريخ الترجمة إلى العربية لم يدّعِ مترجم أن ما يُعرِّبه من مفاهيم الأدب والنقد هي حق له، مدعياً أنه الأول في استعمالها، ناسبا إياها إلى نفسه وكأنها من عنديات أفكاره، فذلك بالطبع يُعد انتهاكاً لملكية أصحابها الأصليين. بيد أن هذا يحصل أحيانا بقصد أو من دون قصد، ومن ذلك ما صرنا نشهده من ادعاءات بعض باحثينا بابتكار وليس ترجمة مفاهيم نظرية، ومنها مفاهيم السرد المعرفي ونقده التي دشن أبعادها المنظر الأمريكي ديفيد هيرمان بدءاً من مقالته المهمة (narratology as cognitive science) ومن بعدها كتبه التي كرّس فيها جهده لدراسة تلاقي السرد بالعقل، فطرح مفاهيم علم السرد ما بعد الكلاسيكي، والسرد المعرفي، ومنطق القصة، وتوظيف الوسائط الافتراضية في السرد وغير ذلك كثير مما طبّقه على الروايات والقصص الخيالية القديمة والحديثة، التي فيها يمكن لما هو غير بشري أن يمارس اللعبة السردية من منظور إدراكي مقارن وتطوري. وقد انضم إلى مشروع هيرمان مجموعة باحثين، ومن هؤلاء خمسة أسسوا لمصطلح (السرد غير الطبيعي) وهم ستيفان إيفرسون وهنريك سكوف نيلسون وبراين ريتشاردسون وجان البير، واشتركوا في تأليف كتاب «السرديات غير الطبيعية، علم السرد: ما وراء النماذج التقليدية» (Unnatural Narratives, Unnatural Narratology: Beyond Mimetic Models )2010.
وسبق أن تناولنا مفاهيم ( السرد غير الطبيعي أو المضاد Unnatural Narratives ) لبراين ريتشاردسون في مقالات كثيرة مثل (ديفيد هيرمان والسرد المعرفي/ علمية السرد ما بعد الكلاسيكي /نظرية السرد وتداول مفاهيمها/ علم السرد اللاطبيعي/الحكي بطريقة السرد غير الطبيعي/ السرد غير الطبيعي في خرابة ميشو..) وهنا أقف عند مفهوم (السرد المستحيل impossible narrative) الذي تناوله الألماني جان البير Jan Alber في كتابه «السرد غير الطبيعي: عوالم مستحيلة في التخييل والدراما»
Unnatural Narrative: Impossible Worlds in Fiction and Drama الصادر عن جامعة بنراسكا 2016.
وعلى الرغم من أن هذا المفهوم كسابقه السرد غير الطبيعي، لم يختمر بعد، وما زال الباحثان يواصلان الكتابة فيهما، فإن بعض كتاّبنا أخذوا يغيرون على المفهومين، ناسبين إياهما لأنفسهم كاصطلاحين مفروغ منهما، وهم فيه( الأوائل عربيا). وفي هذا بالطبع سطو على ملكية الآخر الفكرية، فضلا عن طبيعة الترجمة وما ينجم عنها من تغاير في إدراك المفهوم واستيعاب أبعاده.
وقد فسَّر البير حالة الذهول والدهشة التي صار عليها السارد، بسبب حرف الألف الذي بدا هو (الكون الذي لا يمكن تصوره) بما سماه «الرؤية الكلية» التي تجعل السارد على صلة بما حوله، وهو يتعرف على نفسه في الألف الذي يراه يبعث بشكل خاص رسائل غير معقولة وفاحشة، فيحاول التفكير في ما لا يمكن تصوره، معتقداً أن الألف مزيف وأن الكون هو نفسه غير طبيعي.
ومن المهم أولا أن نؤكد أن جان البير لم يطرح (السرد المستحيل) مصطلحا قارا، بل إن فكرة الاستحالة في السرد هي استراتيجية من استراتيجيات السرد غير الطبيعي، طرحها في دراسته (عوالم القصص المستحيلة: ماذا تفعل معها) المنشورة بالإنكليزية في مجلة «الدراسات السردية» المجلد الأول 2009. وفي هذه الدراسة اهتم البير بتفحص العناصر السردية في مجموعة من القصص القصيرة والروايات والمسرحيات، التي فيها يغدو جزء من الجسد ناطقا، أو شخصية تنطق وهي ميتة، مما هو شائع في الحكاية الخرافية والملحمة البطولية والرومانسية، وشاع أيضا في آداب القرن الثامن عشر كالرواية القوطية ومسرحيات الأشباح والسرد الخيالي، وما عُرف في سرديات ما بعد الحداثة عن السفر عبر الزمن، وتوظيف الذكاء الصناعي وتكنولوجيا المعلومات والوسائط الافتراضية وغيرها من الموضوعات التي يستحيل حصولها في العالم الواقعي. وقد وجد البير أن لاستراتيجية السرد المستحيل خمس صور ينتج عنها السرد غير الطبيعي ومن هذه الاستراتيجيات:
1 ) تفسير بعض العناصر المستحيلة على أنها أحلام أو تعصب أو هلوسة.
2 ) التغييرات المستحيلة في طبيعة الطقس والأثاث، وما إلى ذلك من الجوامد والمتحركات غير المعقولة.
3 ) توظيف الرموز التي تقرأ مجازيا عن العالم، كبديل عن وجود أفراد ناطقين وعنها تنشأ سيناريوهات مستحيلة.
4) السيناريوهات المستحيلة التي فيها يكون الراوي حيواناً أو جثة أو كائناً غير حي.
5) دمج النقاط السابقة في ما سماه البير (البرامج النصية) التي توسع أطرنا في فهم المستحيل وإعادة التفكير في ما هو ممكن.
وعلق جان البير على هذه الصور الاستحالية للسرد غير الطبيعي بالقول: (على الرغم من أن استراتيجياتي الخمس هذه قد تتداخل أحيانا، فإنني أحاول تحديد خمس عمليات عقلية فيها: أولا/ إننا نفسر المستحيل على أنه غير معقول وغير مقبول. ثانيا/ نقرأ السرد غير الطبيعي كسيناريو وليس كأحداث ذات دوافع محاكاتية. ثالثا/ القراءة المجازية هي الأكثر تقبلا لعناصر الأحداث السردية المستحيلة. رابعا/ التعامل مع السرد غير الطبيعي من خلال دمج استراتيجيتين موجودتين سابقا لإنشاء استراتيجيات جديدة. خامسا/ إن إضفاء الطبيعية على ما هو غير طبيعي هي طريقة لتنويع العوالم الخيالية داخل العالم الواقعي.
وبهذه الطريقة تصبح السرديات غير الطبيعية اعتيادية، ليس فيها غرابة ولا تتولد عن قراءتها مشاعر الانزعاج أو الخوف أو القلق. وقد طبق جان البير هذه الاستراتيجيات الخمس للسرد المستحيل على أعمال مسرحية وروائية وقصصية باحثا فيها عن سيناريوهات سردية مستحيلة زمانيا ومكانيا وجسدياً. فبدأ بمسرحية «رغبة قلب» ( Heart’s Desire) لكاريل تشرشل 1997 ثم رواية «سهم الوقت» ( Time’s Arrow) لمارتن أميس 1991 فقصة «الألف» من مجموعة «The Aleph» لخورخي لويس بورخيس، محللا أحداثها، وفيها ينزل السارد بضمير المتكلم إلى قبو فيرى الحرف الأول في العربية (الألف) فيقول: (كيف بوسعي أن أنقل للآخرين لانهائية الألف الذي لا تكاد ذاكرتي الجزعة ان تحيط به؟ بيد أن الحيز الكوني جميعه كان هناك بلا اختصار في حجمه كل شيء (صفحة المرآة مثلا) لأنني بالطبع كنت أراه من أنحاء الكون كافة (قصص الألف، بترجمة محمد أبو العطا).
وقد فسَّر البير حالة الذهول والدهشة التي صار عليها السارد، بسبب حرف الألف الذي بدا هو (الكون الذي لا يمكن تصوره) بما سماه «الرؤية الكلية» التي تجعل السارد على صلة بما حوله، وهو يتعرف على نفسه في الألف الذي يراه يبعث بشكل خاص رسائل غير معقولة وفاحشة، فيحاول التفكير في ما لا يمكن تصوره، معتقداً أن الألف مزيف وأن الكون هو نفسه غير طبيعي.. وبعد سيناريوهات غير طبيعية نكتشف في النهاية أننا لا بد من أن نركن إلى طبيعة العقل البشري.
ومن الروايات التي حللها البير ووجد فيها سيناريوهات مستحيلة رواية جون هوكس (Sweet William: A Memoir of Old Horse ) 1993 وبطلها حصان متمرد يسرد أحداث حياته متخوفا بحساسية مفرطة وشديدة من العالم، أكثر من تخوف البشر منه، محاكيا محاكاة ساخرة طرائق البشر في فهم الذات. وقد استدل البير من تحليل هذه الرواية على أن الهدف من جعل الحيوان سارداً، هو نقد اللامبالاة والغطرسة التي بها يتعامل البشر مع الحيوانات. وأكد البير وهو يحلل رواية أليس سيبولدThe Lovely Bones بأن السرد المستحيل يدعونا إلى توسيع نطاق تصوراتنا المعرفية، كي ندرك كيف يستمر السارد الميت في التفاعل مع العالم الذي كان قد غادره، وهو الآن جثة أسرد قصتها، مكذبة حقيقة أن الموتى لا يستطيعون الكلام، في إشارة إلى أن الموت ليس نهاية محددة لوجودنا، وأن الموتى بطريقة ما يستمرون في الوجود.. وقد افتتحت الرواية على النحو التالي: (كان اسمي السلمون. كنت في الرابعة عشرة من عمري عندما قُتلت في 6 ديسمبر/كانون الأول 1973). أما السارد الذاتي في قصة لريك مودي القصيرة «The Grid « 1995 فيحكي بالضبط ما الذي يحدث في غرفة فوق رأسه، وما الذي سيحدث له في المستقبل عارفا ما يعتقده الآخرون ويشعرون به تجاهه.
هذه التطبيقات وغيرها هي نماذج سردية تخالف نماذج السرد الطبيعي، وفيها يتجاوز السارد إمكانيات العالم الواقعي، إلى ما وراء الواقعي والمألوف، مختبرا فكريا قدرات المتلقين الفكرية، مثيرا اهتمامهم نحو رؤية الأحداث البشرية، من خلال سيناريوهات لم يسبق لهم أن لاحظوها أو حتى حلموا بها من قبل. ومن الاستنتاجات التي توصل إليها البير أن الساردين غير الطبيعيين ليسوا دائما بشراً، بل هم مجموعات هجينة من السمات البشرية وغير البشرية. ويمكن قراءة هذه المجموعات على أنها تقول شيئاً عنا وعن العالم الذي نعيش فيه وعن وجودنا في هذا العالم أيضا.
وليس جان البير في طرحه هذا بمنفصل عن مشروع ديفيد هيرمان الفكري وما تبناه تلاميذه الذين طوروا مفاهيم السرد المعرفي ومنها سيناريوهات السرد غير الطبيعية، التي فيها السرد المستحيل عبارة عن استراتيجية ذات صور.
كاتبة عراقية