هل تصبح الألعاب البارالمبية أهم من الأولمبياد التقليدية؟

جواد صيدم
حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»:  تختلف الاهتمامات عند الحديث عن المسابقات الرياضية الأوسع انتشاراً في العالم، إذ يتشوق الناظرون والمشجعون لمتابعة منافسات رياضاتهم المختلفة في الألعاب الأولمبياد التي ينتظرونها بفارغ الصبر مرة واحدة كل أربعة أعوام.

فمن تنس الطاولة والتنس الأرضي وركوب الخيل، إلى السباحة والمبارزة والتجديف والمصارعة الرومانية تختلف أذواق واهتمامات المتابعين. وتكمن أهمية الاولمبياد كونها مسرحاً للعديد من الرياضات التي لا تملك منصةً معينةً وقوية لتسليط الضوء عليها كما الفيفا في حال كرة القدم. وما يجعل هذه المنافسات فريدة من نوعها، وما يزيد من نسب تشويق المتابعين إليها، هي فكرة إقامتها في فترات متباعدة كل أربعة أعوام، ما يزيد من نسب الاهتمام فيها خصوصاً مع إضافة وتقديم رياضاتٍ جديدة مع كل دورة.
ومع تطور عالم وسائل التواصل الاجتماعي وإدراج رياضاتٍ جديدة على الساحة الأولمبية، يزداد عدد المشاهدين للمسابقة كل أربعة أعوام. لكن المسابقة الأهم بالنسبة للعديد من الفئات في مجتمعاتنا هي الألعاب البارالمبية الخاصة بأصحاب القصور، إذ تكمن أهميتها بكونها منصةً لأصحاب الهمم لإظهار مواهبهم والتي عادةً ما تأتي بعد انتهاء الألعاب الأولمبية وفي ذات المدن المضيفة لها. لكن الحقيقة المرة تكمن أن الألعاب البارالمبية لا تحصل على الزخم المطلوب ولا تصل لمستوى مشاهدات الألعاب الأولمبية التي تسبقها، إذ لا يتم الترويج لها بذات القوة والصخب الإعلامي المعهود في الألعاب الأولمبية. فبينما اجتذب حفل افتتاح أولمبياد ريو أكثر من 30 مليون مشاهد، بلغت ذروة مشاهدات الألعاب البارالمبية في ريو عام 2016 أكثر من مليوني مشاهد تقريباً. علاوة على ذلك، لا يحصل الرياضيون البارالمبيون على نفس القدر من التمويل مثل الرياضيين الأولمبيين، إذ تقدم اللجنة الأولمبية الأمريكية تمويلا أقل في الموافقات الرياضية البارالمبية على سبيل المثال. كما يكسب الرياضيون البارالمبيون أيضا أقل في الجوائز المالية للميداليات ويكسبون رواتب أقل طوال حياتهم المهنية. فبشكل عام يتم منح هؤلاء الرياضيين قدرا أقل من الزخم الإعلامي والاعتراف العالمي والوطني في دولهم.
أما اليوم، وفي المجتمعات والدول الأوروبية والغربية، فقد تطور الاهتمام نحو هذه المنافسات بدرجةٍ تصل أو قد تفوق الألعاب الأولمبية. إذ تطورت مستويات الترويج والتحضير والتجهيز للبطولة بكافة رياضاتها، كما يتم تسليط الضوء على الألعاب البارالمبية الجارية حالياً في طوكيو بشكلٍ كبير. وهو تطور مهم جداً، على أمل أن تتصدر دولنا العربية ترتيب الميداليات الذهبية في السنوات القليلة المقبلة. ومع ازدياد شهرة الألعاب الرياضية لذوي الاحتياجات الخاصة لا بد من الاطلاع على تاريخ تلك المنافسات.
فما لا يعرفه الكثيرون هو أن المنافسات الرياضية لذوي الاحتياجات الخاصة يفوق عمرها المئة عام. فرياضات العمال يعود تاريخها لعام 1888 تقريباً، لكن النشاطات والرياضات لذوي الاحتياجات الخاصة تطورت وتوسعت بعد الحرب العالمية الثانية بشكلٍ أكبر. إذ تطورت رياضات التأهيل إلى رياضات ترفيه، ومن ثم إلى رياضاتٍ تنافسية. اليوم، تتبع الألعاب البارالمبية الألعاب الأولمبية للأشخاص الذين يعانون من مجموعة واسعة من الإعاقات، بما في ذلك ضعف قوة العضلات أو حركة العضلات، ونقص الأطراف، وفرق طول الساقين، وقصر القامة، وفرط التوتر، والرنح، والكنع، وإعاقات الرؤية أو الإعاقات الذهنية.
ولأن الألعاب البارالمبية تعد جزءاً لا يتجزأ من التقويم الرياضي العالمي، فإنها تلعب دورا مهما في إلهام الآخرين للتفكير بشكل مختلف حول الإعاقة باعتبارها أكبر حدث عالمي لقيادة التغيير الاجتماعي. فرسالتها هي إلهام الأجيال المقبلة ولفت أنظارهم نحو أهمية التعامل مع هذه الفئة من المجتمع. فالألعاب البارالمبية جزء من حركة أوسع تساعد في تغيير حياة الآخرين، وتساعد على تغيير المواقف اتجاه الأشخاص ذوي الإعاقة. فاليوم، هناك حاجة ماسّة إلى الاعتراف بهؤلاء الرياضيين والاحتفاء بهم على نطاق أوسع. فهؤلاء الأشخاص ليسوا فقط من ذوي الهمم والمهارات العالية في مجالاتهم، لكنهم وبممارستهم لرياضاتهم نجحوا في هزم إعاقاتهم. إذ أنهم يظهرون شجاعةٍ كبيرة دائماً للتغلب على العقبات العقلية والجسدية. إذ تعمل الألعاب البارالمبية أيضا على زيادة الوعي بالإعاقات العقلية والجسدية على أمل خلق حياة أفضل لتلك الفئات في مجتمعاتهم وحول العالم. ولذلك فإن لجنة الألعاب البارالمبية العالمية تعمل على تغيير التصور العام للإعاقات من أجل تزويد ألعابها بمرافق أفضل من شأنها تحسين نوعية الألعاب بشكل كبير.
وفي دورة الألعاب البارالمبية الماضية في ريو 2016، فازت الصين بإجمالي 239 ميدالية، بينما حصدت المملكة المتحدة وأوكرانيا والولايات المتحدة وأستراليا على 147 و117 و115 و81 ميدالية، على التوالي. إذ حصدت معظم هذه الدول على ميداليات بارالمبية أكثر من الميداليات الأولمبية. فنحن بحاجة إلى الاعتراف بهؤلاء الأبطال وتحيتهم على شجاعتهم المعهودة بقدر الاهتمام بالأولمبيين.
وبعد رؤية دولٍ كالصين والمملكة المتحدة وأستراليا وهولندا تتصدر قائمة الميداليات في الألعاب البارالمبية الحالية في طوكيو، لا بد من دولنا العربية أن تحذوا حذوهم وأن تتجه نحو صب الإمكانيات والجهود باتجاه الاستثمار في مواهب أصحاب الهمم. فهم بوابة الإبداع والتمييز في عالمٍ يفتقد للسلام والحرية، فالرياضة أكبر راية للسلام، وذو الهمم هم أصحاب الرسالة الأقوى في هذا السياق.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية