خطاب سياسي أم بذاءة وابتذال

فجرَ السادس والعشرين من تموز (يوليو)، كان التونسيّون تحت وقع الإجراءات الاستثنائيّة التي اتخذها رئيس الجمهوريّة (إعفاء رئيس الحكومة وتعليق عمل البرلمان، ورفع الحصانة عن كلّ النواب من دون استثناء، وقد مدّد فيها هذا الأسبوع حتى إشعار جديد)، بعد يوم حافل خرجت فيه أفواج غفيرة من الشباب والكهول احتجاجا على منظومة الحكم (حركة النهضة والحكومة والبرلمان تحديدا)، وما آلت إليه أوضاع عامّة الناس الاجتماعيّة والاقتصادية خاصّة. ولا يعنيني هنا الخوض في المسوّغات التي ساقها الرئيس في قراءته أو تأويله للفصل 80 من الدستور، وفي اعتراض خصومه عليها، وقد عدّوها انقلابا؛ ولا في مختلف الحجج الواهية المتكلّفة أو «الرصينة» التي يدفع بها كلّ طرف حجج الطرف الآخر. فهذا موضوع له أهله من رجالات القانون والسياسيّين، وقد سلكوا إليه مسالك، ارتضاها من ارتضى، واعترض عليها من اعترض، في خضمّ من «هياط المديح ومياط الخلاف» حيث تونس اليوم في»مفترق طريق» أو هي تقول لنا:
أمامك فانظرْ أيّ نهجيكَ تنهجُ/// طريقان شتّى مستقيمٌ وأعوجُ
أقول هذا «متفائما» أو أقرب ما يكون إلى «التفاؤل» لا «متشائلا»؛ وأنا ممّن يحبّ الفأل، ويكره الطيرة. وثمّة اليوم، ونحن نعيش حالة غموض وترقّب، أو في فترة أشبه بالتي تلي الإجهاض، أو الحزّة في جذع الشجرة، من أجل استخراج الصمغ؛ «سيناريوهات» ممكنة؛ لعلّ منها الجنوح إلى ما يسمّيه عالم الاجتماع البريطاني كولين كروش «ما بعد الديمقراطيّة» (مترجم إلى الفرنسيّة) أي إلى نظام محكوم، رغما عن واجهته الديمقراطيّة؛ بأرباب مهن ومصالح وأقطاب، وقد تخلّى عن مقدرته القراريّة، لفائدة هيئات أوليغارشيّة أو لحكم قلّة ظاهرة معروفة، أو هي تشتغل وتفعل تحت جنح الظلام؛ وكأنّها كائنات لا مرئيّة. ويخشى البعض جنوحا آخر إلى نوع من «الاستبداد» في ظلّ عزوف ثلثي الناخبين وأكثر (آخر سبر للآراء)، عن المشاركة في الانتخابات؛ وهو ما يرى فيه «أعداء الديمقراطيّة» نوعا من «حكمة الشعب» وقد خاب ظنّه في الطبقة السياسيّة كلّها أو جلّها؛ فهو في تقديرهم، لا يولي أيّة أهميّة إلاّ للانتخابات التي لها معنى، أو التي تحسّن من ظروف حياته ومسالك عيشه. وقد يكون لهذه الخشية ما يسوّغها، إذا قُيّض لـ»الابلوتوقراطيّة» أو تسلّطيّات الأثرياء والمتنفّذين، أن توظّف هذا «الحشد» الحائر من التونسيّات والتونسيّين فريسة المشاعر المختلفة، وتتحكّم في النظام الاجتماعي، بواسطة الجهاز الأمني. وأستحضر في هذا السياق، ما كان يقوله أورويل من أنّ الجماهير لا تثور من تلقاء نفسها، أو بمبادرة شخصيّة؛ أو لأنّها مضطهدة مظلومة، بل قد لا تعي أحيانا ذلك. بل قد تكون ضحيّة «جحيم» أو «كابوس» أو «يوتوبيا» مروّعة، أو»ديستوبيا» أي مجتمع خيالي تحكمه سلطة شموليّة، أو هو منظّم بطريقة تجعل من المستحيل الخلاص منه؛ إذ يمكن لحكّامه ممارسة سلطاتهم كاملة؛ بلا رقيب وبدون قيود الفصل بين السلطات، على المواطنين الذين لم يعد بإمكانهم ممارسة حرّيتهم. وهذا يشهد في تونس اليوم، لنوع من «وهَن» في استشراف آفاق التوقّع؛ لكن من دون أن يعني ذلك بالضرورة، نهاية الانتظار؛ أو لعلّه انتظار بدون أفق حقيقي، أو «انتظار الانتظار» حتّى إشعار آخر.
ما يعنيني في خضمّ هذا كلّه، هو هذا «الخطاب البذيء» وكلّه ثرثرة وهذر وقوقأة دجاج، أو «المبتذل» الذي كنّا نستمع إليه، ونرى أصحابه من «الشباب» في الفيديوهات صبيحة السادس والعشرين، يتوجّهون به إلى السيّد راشد الغنّوشي وهو في سيّارته أمام البرلمان؛ وقد منع من دخوله. ومهما يكن الموقف من الرجل، وهو الذي يتحمّل بحكم حجم حركة النهضة في البرلمان وفي مؤسّسات الدولة، الوزر الأكبر في أوضاع تونس المتردّية على كافّة الأصعدة؛ فلا شيء يبرّر أو يسوّغ مثل هذا الخطاب. ولا أخفي أنّ استعمال العبارات «الجنسيّة النابية» ليس جديدا في مجتمعنا؛ بل لعلّه ظاهرة لغويّة لم نحسن دراستها بعد. وأذكر أنّ أحد أصدقائي وهو عميد سابق بالجيش وشاعر، كان أسرّ لي قبيل «الثورة» وقبيل تقاعده، أنّ الرئيس بن علي طلب من بعض علماء الاجتماع المعروفين عندنا أن يدرسوا هذه الظاهرة، وأسبابها ودوافعها؛ سواء عند عامّة الناس، أو عند الذين تتركّز في أيديهم الثروة والقوّة السياسيّة؛ وأن يمدّوه برأيهم فيها، وفي علاجها أو كيفيّة الحدّ منها. ولا أظنّهم فعلوا، إذ أطاحت ثورة 14 يناير ببن علي؛ وعاد هذا الخطاب اليوم، بقوّة غير منتظرة، سواء في الشارع أو في وسائل التواصل الاجتماعي.
ما الذي يضفي تأثيرا وقوّة على لغة «تافهة» وأفكار خشبيّة، وأشياء «جسديّة» مخصوصة، وإيماءات «مبتذلة» دون أخرى، فتغنم مساحات اجتماعيّة مختلفة حيث «التفاهة» تتعدّى ابتذال المعنى وخشونته المعتادة، إلى الثقافة وفضاءاتها الاجتماعيّة المختلفة وشتّى سماتها التحويليّة والإبداعيّة في سياق من «إعادة صياغة» الناس ثانية؟ لو كان الأمر يتعلّق بإعادة كتابة خطاب لتجويده أو جعله في مستوى خطاب آخر أو قارئ مخصوص؛ لكان ذلك من السائغ المقبول، حيث الوجود الثقافي على ما يُفترض، مجموعة الأفكار والقيم التي تتمثّل موضوع الثقافة في المجتمع فيما هي تتحوّل باستمرار تداولا للنصوص والأشياء والعلامات… من أجل تحديد كيفية استيلاء مختلف الفاعلين الاجتماعيّين السياسيّين على كل هذه العمليّات لإنتاج القوّة والقيمة.
لكنّ المسألة ليست من حسن النيّة أو الطويّة. والغريب حقّا أن يرحّب البعض بهذا الخطاب «المستقبح»، ولا يستشعر فيه إثما ولا حرجا. وأقصد هذا المعجم الجنسيّ، وما إليه من الألفاظ الحاطّة التي يمكن نعتها بلا تحيّف بـ»الفاحشة»، بدون أن يكون من مقاصدنا تنقّصها أو الحطّ من قيمتها؛ لو كانت في سياق غير الذي نحن به، أي سياق فنيّ مناسب مثلا. والحقّ هي من «السوقي» و»الشّعبيّ المألوف» الشائع في أوساط غير قليلة عندنا. وهو الذي يتمثّل بوضوح مستوى أدنى من اللّغة المحكيّة. وأكثر من ذلك فإنّ عناصر الكلام المألوف يمكن أن تجري في الكلام الشّعبي وليس العكس. و»الشّعبي» أقلّ صحّة وضبطا من «المألوف» إذ يجري عادة على ألسنة العوّام الذين لم يرزقوا حظّا وافرا من المعرفة أو الثقافة. والغريب أنّ أكثر هؤلاء من حملة الشهادات الجامعيّة.
وهو يتّخذ أحيانا ميزة خاصّة مردّها إلى استعمال الكلمات «البذيئة». ولا نملك في هذا السياق إلاّ أن نسلّم بالتّفسير الذي يذهب إلى أنّ العوّام يأنفون من التّعبير عن المشاعر النّزيهة المترفّعة ومن إظهارها إذ يرون فيها علامة أنوثة وصبيانيّة، ويتّقون انفعالهم بأنواع من العنف والفحش يعتاضون بها عن شعور بالضّعف. والميزة الأسمى لديهم هي أن تكون فضّا غليظ القلب.
هذا الكلام الشّعبي الشّائع بين النّاس الذي يتّخذ وسيلة للنّيل من الخصم السياسي والغضّ من شأنه وإذاعة مثالب ليست فيه بالضرورة؛ وحتى لو كانت فيه، لا شيء يبرّره كما تقدّم. ومن الملاحظ أنّ اللفظ فيه يرد عامّا فضفاضا ممّا أترفّع شخصيّا عن ذكره في هذا المنبر المحترم، أو «وضيعا» يجري من أصحابه مجرى «بديل انفعاليّ» ذي ميزة شفهيّة مستقبحة.
على أنّه ليس بالمستغرب أن نسم هذه الألفاظ بالرّكاكة والسّوقيّة، وأن نلحظ في الكلمةَ التي» تنكتب» في وسائل الاتصال الاجتماعيّة، وفي عناوين هذه الفيديوهات، الكلمة َالتي «تنقال»، فالأمر راجع إلى استهانة بأوضاع الخطاب السياسي وأعرافه.
ثمّة عبارات كثيرة تتأدّى في حيّز هذا السّجلّ الموسوم بـ»الكلام السوقي». والملحظ الأوّل الذي أسوقه على حذر، أنّ هذه العبارات تتعارض وإكراهات السياسة، وتتصرّف تصرّف الكلام الشّفهيّ المبتذل، بما يمكن أن يمثّل قطيعة وفسخ عقد وتصدّعا في التواصل السياسي، وأسلوبا «خلاسيّا» في الخطاب؛ وهو ما حدث أيضا من تعريض غير لائق برئيس الدولة وعائلته، وكأنّ الأمر يتعلّق بردّ فعل من هذه الجهة أو تلك.
ولكنّ هذا الوصف على «رجاحته»، لا يسلم من التّناقض: فالخطاب الموسوم بالابتذال والهراء والسّخف والرّكاكة وما إليها من الأوصاف السّالبة الحاطّة، ينزع افتراضا إلى مناسبة «أفق التّوقع» لدى المتلقّي (جمهور هذا الطرف أو ذاك) ما دام يأخذ بـ»المشترك» اللّغويّ أو بالكلام اليوميّ الجاري على ألسنة الناس. وفي ذلك دلالة على أنّ الخطاب «السياسي» يمكن أن يقترب من هذا الكلام، مثلما يمكن أن يبتعد. فإذا اقترب وأفرط في استخدام هذا المشترك ولبّى حاجة الجمهور أو مالق تطلّعه، فقد ينحدر به ذلك إلى التكلّف والحذلقة والسّماجة، ويجرّده من قيمته السياسيّة. أمّا إذا ابتعد، فإنّ العدول قد يسوق إلى عزوف المستمع أو المتلقّي «المحافظ» أخلاقيّا ودينيّا، عن الفعل السياسي، أو إلى صدّه ورفضه. ولعلّ هذا ما يفسّر «استبشار» تونسيّين كثْر، بالإجراءات الاستثنائيّة التي اتّخذها رئيس الدولة؛ مثلما يفسّر إدانتهم لكلّ الفصائل السياسيّة دون تمييز.
كاتب من تونس

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية