قوارب الموت في ليبيا بين سندان الرغبة في الحياة ومطرقة الواقع المرير

نسرين سليمان
حجم الخط
0

طرابلس-»القدس العربي»: عندما يكون أفضل الخيارات مرا وقاسيا ويقع الإنسان بين سندان الرغبة في الحياة والعمل ومطرقة الواقع المرير الذي شوهت السياسة والحروب معالمه كليا، ولا يجد أمامه إلا ورقة الحظ التي لربما توصله لضفة الأمان والنجاة والحياة، أو تغرقه جثة هامدة في البحر الذي وصف من الكتاب والأدباء بالغدار الذي لا يؤتمن فيه .
قوارب الموت كانت وما زالت خيارا قاسيا أمام من لم تضحك لهم الحياة ومن أرتهم بتجاربها ومواقفها وجهها المر، ورغم أنها لا تعدو كونها قوارب حظ إلا أن المغامرة كانت بالنسبة لأولئك الذين يستقلونها هربا أفضل بمئات المرات من البقاء في دول لم توفر لهم أبسط حقوقهم، والمتمثلة في الأمن والغذاء والماء والملبس .
ورغم أن ليبيا تعتبر مقصدا رئيسيا للاجئين والمهاجرين إلا أنها لا تعد خيارا جيدا نظرا لوقوع العديد منهم كضحية لتردي الأوضاع الأمنية والخطف والسرقة والابتزاز والانقسام، خاصة مع قدومهم لليبيا بطرق غير نظامية الأمر الذي يجعلهم أكثر عرضة من أهلها للاستغلال والإخفاء القسري .

البحر المميت

وخلال محاولات الوصول إلى بر الأمان من خلال شق البحر الأبيض المتوسط، لقي ما لا يقل عن 360 مهاجرا حتفهم هذا العام في أثناء محاولتهم عبور الطريق البحري إلى أوروبا، فيما لا يزال 570 في عداد المفقودين.
العدد المسجل هذا العام وحتى هذا الشهر يساوي ما سجل في عام 2020 بشكل كامل، والتي لقي فيها حوالي 381 شخصا مصرعهم في وسط البحر الأبيض المتوسط، وتم الإبلاغ عن 597 آخرين في عداد المفقودين، وفقا للمنظمة الدولية للهجرة.
وإشارة إلى تضاعف أعداد المهاجرين قالت المنظمة الدولية للهجرة، إن الأسبوع الأخير من شهر تموز/يوليو شهد إنقاذ 1111 مهاجرا في وسط البحر الأبيض المتوسط وإعادتهم إلى ليبيا.
وذكرت المنظمة الدولية للهجرة عبر «تويتر»: «في الفترة من 25 إلى 31 تموز/يوليو، تم إنقاذ 1111 مهاجرا أو اعتراضهم في البحر وإعادتهم إلى ليبيا».
وأضافت المنظمة الدولية للهجرة أنه في عام 2021 أعيد إجمالي 19393 مهاجرا إلى ليبيا حتى الآن، مقارنة بعدد أقل بلغ 11891 من الذين تم اعتراضهم في البحر طوال العام الماضي.

سياسات أوروبية

وفي مخالفة صريحة لنص القانون الدولي اتهمت مجموعة من الدول الأوروبية بوضع سياسات احتواء وصد قاسية، ضد المهاجرين غير النظاميين، حيث ألغوا عمليات البحث والإنقاذ في البحر، وقاموا بتمويل خفر السواحل الليبي لاعتراض اللاجئين والمهاجرين في المياه الدولية وإعادتهم قسراً إلى ليبيا .
كما شكل الاتحاد الأوروبي مع الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة فريق عمل لتسريع العودة الطوعية بمساعدة المنظمة الدولية للهجرة، ولإجراء إجلاء إنساني للاجئين من قبل مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين.
كما أن ظروف الاحتواء غير الإنسانية المدعومة أوروبيا والتي تمارس ضد المهجرين لمنعهم من حق التقدم بطلب للجوء باتت تتوسع بشكل أكبر بكثير .
ورغم أن المتتبع للمشهد يؤكد بأن خيار الرجوع للوطن يعتبر الأسهل والأكثر أمانا إلا أن الواقع مغاير للأسف، فسياسة الإعادة كانت وما زالت الأبطأ نظرا للقيود والضغوط الممارسة، ومضاعفة الإجراءات المفروضة .

الحرب والموت

في حزيران/يونيو من عام 2019 وأثناء الحرب على العاصمة طرابلس أدت غارة جوية استهدفت مركزا لاحتجاز المهاجرين في تاجوراء التي تقع في الضاحية الشرقية لطرابلس في ليبيا، إلى مقتل نحو 40 مهاجرا وإصابة أكثر من 70 آخرين.
أدانت حكومة الوفاق العملية واتهمت حفتر بتنفيذها، فيما أعربت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين عن «قلقها العميق» إزاء الوضع في ليبيا، بينما اعتبرت منظمات أخرى هذا القصف انتهاكا صارخا لحقوق الإنسان ودعت لمسائلة مرتكبيه .
لم تكن هذه الضريبة الوحيدة التي لقيها المهاجرون نظير تواجدهم في بلد كليبيا، فقد قتل في عام 2020 وتحديدا في ايار/مايو 30 مهاجرا في بلدة مزدة جنوب غرب العاصمة طرابلس وذلك في عملية ثأر على ما يبدو لمقتل أحد المشتبه بضلوعهم في عمليات الإتجار بالبشر على يد مهاجرين غير قانونيين.
وقالت حكومة الوفاق الوطني في ذلك الوقت أن 30 مهاجرا قتلوا في بلدة مزدة جنوب غرب طرابلس، وأوضحت وزارة الداخلية في حكومة الوفاق الوطني في بيان، أن «أحد المشتبه بضلوعهم في عمليات الإتجار بالبشر مقيم في مزدة، وقد تعرض للقتل (على يد) مهاجرين غير شرعيين أثناء عملية تهريبهم».
وتابعت «قام أهالي المجني عليه برد فعل انتقامي، حيث قاموا بقتل 26 مهاجرا من بنغلادش و4 أفارقة، إلى جانب جرح 11 مهاجرا آخرين نقلوا إلى المستشفى». وأشارت وزارة الداخلية إلى قيامها بتعميم أسماء الجناة لملاحقتهم وتقديمهم إلى العدالة.

تهريب البشر

وراء رحلة الموت التي يخوضها أولئك المهاجرون تكمن قصص ومراحل طويلة على أيدي من يوصفون بمهربي البشر، حيث يقسم هؤلاء المهربين المهاجرين إلى قسمين قسم يعتبر من الأكثر حظا ويوضع في استراحات مخصصة لمن يملكون أكثر أموالا، أما القسم الفقير فيوضع في «هناجر» تمتص أشعة الشمس والبرد والحر ولا يطاق الجلوس فيها .
هذه الأماكن تتواجد في مدينة زوارة والتي اعتبرت على مدار سنوات المسلك الأول للمهربين والمتاجرين بأرواح البشر نظرا لوقوعها على البحر وابتعادها عن أعين الرقابة والمحاسبة .
وعقب أن يقوم المهربون بتجميع المهاجرين في الأماكن المخصصة في المدينة ينطلقون لتجهيز المراكب والتي غالبا ما تصنف هي الأخرى إلى مهترئة لا تحتمل ولا تملك القدرة على الوصول وأخرى قوية لا يحظى بها إلا من يدفع أضعاف المبلغ المطلوب .
يلجأ المهربون إلى اقتناء خط هاتف الثريا المربوط بالأقمار الصناعية فضلا عن جهاز تحديد المواقع حتى يتمكنوا من ايصال المهاجرين إلى المكان المطلوب بطرق ملتوية من دون القبض عليهم .
القوارب التي يعتليها هؤلاء المهاجرون معظمها تصنع في ورش خاصة وبطريقة بدائية ورديئة بينما يقومون باستيراد المحركات أو تهريبها من دول الجوار وأبرزها تونس، بينما يبيع المهربون ستر النجاة التي يرتديها المهاجرون خوفا على حياتهم بمبالغ تتجاوز 25 دولارا أمريكيا، رغم سرقتهم لها من أجهزة الدولة في الكثير من الأحيان .
إلا أن معظم المهربين بدأوا بالتعاون مع السلطات الدولية بالكذب على المهاجرين وتسليمهم بعد دقائق من الانطلاق إلى حرس السواحل الذي يتولى وفورا إعادتهم إلى ليبيا والقبض عليهم ووضعهم في مراكز لايواء المهاجرين .
مبالغ طائلة تؤخد من المهاجرين للانضمام إلى رحلة الموت هذه تصل إلى 3000 دولار امريكي ولا تقل عن 1500 دولار، بينما تمنح شبكات التهريب للسائق راتبا مماثلا في سبيل التضحية وايصال المهاجرين إلى المكان المقصود .

مسارات التهريب

أشار تقرير نشرته «سكاي نيوز» عن مصدر مسؤول ليبي أن سبعة مسارات رئيسية يستخدمها المهربون، أهمها من من السودان عبر الحدود المصرية ومنها إلى ليبيا عبر جبل عبد المالك شرق ليبيا إلى منطقة السرير وصولا إلى منطقة أجدابيا والبريقة، ومن ثمة إلى الشمال وصولا إلى أوروبا.
كما يوجد مسار من السودان إلى المرماك إلى منطقة سليمة جنوب العوينات، ثم إلى جبل عبد المالك، ومنه إلى بوزريق، وإلى منطقة تازربو التي تبعد بحوالي 280 كلم عن الكفرة، ومن ثم إلى منطقة أجدابيا والبريقة وصولا إلى أوروبا.
ويوجد مسار آخر من السودان إلى المرماك إلى منطقة سليمة جنوب العوينات بحوالي 70 كلم، ومنه إلى سيف البرلي بحوالي 80 كلم من العوينات ومنه إلى جبل الشريف وصولا إلى منطقة ريبانة التي عن الكفرة بحوالي 135 كلم.
والمسار الرابع من السودان إلى المرماك رجوعا إلى السودان بالقرب من قلع التوم بحوالي 100 كلم مرورا عبر الأراضي التشادية، ويتجه بالقرب من منفذ السارة البري، وصولا إلى منطقة ريبانة، ثم إلى منطقة السرير، متجهين إلى مدينة أجدابيا للذهاب شمالا.
ويوجد يوجد مسار خامس من دارفور بالسودان مرورا على القلع الغربي بالسودان، ثم عبور ليبيا بالقرب من منفذ السارة إلى خط الأربعمئة، ومن ثم إلى جبل كلمنجة ومنطقة واو الناموس، إلى سبها، ثم إلى طرابلس.
كما يوجد مسارين من تشاد، الأول بالقرب من منفذ السارة البري ومنه إلى منطقة ريبانة أو جبل كلنجة، والآخر وهو خط جديد نشأ بعد سيطرة قوات الجيش الليبي على مدينة أجدابيا، حيث يبدأ من مدينة زلة ثم الجفرة، فالقطرون، ثم إلى مرزق، وأدري، وسبها، مرورا بالكفرة.

تقارير دولية

منظمة العفو الدولية قالت في تقرير لها نشرته في عام 2020 إن عشرات الآلاف من اللاجئين والمهاجرين في ليبيا محاصرون في حلقة مفرغة من القسوة من دون أدنى أمل في إيجاد مسارات آمنة وقانونية للخروج. فبعد المعاناة المفرطة في ليبيا، يجازف اللاجئون والمهاجرون بحياتهم في البحر طلباً للأمن والأمان في أوروبا، حتى يتم اعتراضهم، ويُعادون إلى ليبيا، ويُسلَّمون لمواجهة نفس الانتهاكات التي سعوا إلى الفرار منها.
ونقل التقرير ما وصفه بالروايات المروعة للاجئين والمهاجرين الذين عانوا، أو شهدوا سلسلة من الانتهاكات في ليبيا، بما في ذلك: القتل غير المشروع، والاختفاء القسري والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة، والاغتصاب وغيره من أشكال العنف الجنسي، والاعتقال التعسفي؛ والعمل القسري، والاستغلال على أيدي الأطراف والجهات الحكومية وغير الحكومية في مناخ من الإفلات شبه التام من العقاب.
وقالت ديانا الطحاوي، نائبة مديرة المكتب الإقليمي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا في منظمة العفو الدولية: «إن ليبيا، الدولة التي مزقتها سنوات من الحرب، أصبحت بيئة تتسم بعداء أشدّ للاجئين والمهاجرين الذين يبحثون عن حياة أفضل. فبدلاً من توفير الحماية لهم، فإنهم يُقابلون بمجموعة من الانتهاكات المروعة لحقوق الإنسان، ويلقى عليهم اللوم بشكل جائر الآن عن انتشار وباء فيروس كوفيد-19 بناء على آراء عنصرية للغاية وكارهة للأجانب ورغم هذا، فحتى في عام 2020 يواصل الاتحاد الأوروبي وبلدانه الأعضاء تنفيذ السياسات التي تحاصر عشرات الآلاف من الرجال والنساء والأطفال في حلقة مفرغة من الانتهاكات، الأمر الذي يُظهِر استخفافاً صارخاً بحياة الناس وكرامتهم».
واضاف التقرير «يُعاد اللاجئون والمهاجرون الذين تم اعتراضهم في البحر على أيدي خفر السواحل الليبي إلى ليبيا، حيث يتعرضون للاختفاء القسري والاحتجاز التعسفي إلى أجل غير مسمى، والتعذيب، والابتزاز، وينتهي بهم المطاف بوضعهم في مراكز الاحتجاز الرسمية التابعة لجهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية، تحت سلطة وزارة الداخلية في حكومة الوفاق الوطني المدعومة من الأمم المتحدة، والتي تسيطر على غرب ليبيا. لكن آلافاً غيرهم تعرضوا للاختفاء القسري في 2020».

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية