معرض «براح» للمصري عبد العزيز الجندي: القليل من الهدوء في عالم صاخب

القاهرة ـ «القدس العربي»: أقيم مؤخراً في قاعة (الباب) في دار الأوبرا المصرية في القاهرة معرض «براح» للفنان عبد العزيز الجندي ـ مواليد عام 1968 ـ الذي يأتي استكمالاً لمشروعه الفني، من خلال معارضه الشخصية السابقة، ومنها.. وجوه، مشاهد مصرية، عن الأحياء الشعبية، مراكب، عربات، كراكيب، شخوص محفورة، يوم الجمعة، وملامح مبعثرة. ومنه نجد اهتمام الفنان بالطبيعة والبيئة المصرية وناسها، رغم تطور التقنيات والأساليب الفنية منذ معرضه الأول عام 1993. يحاول الجندي الاقتراب أكثر أو العودة بمعنى أدق إلى زمن فائت، باحثاً عن إيقاع زمني غاب كثيراً عن الحياة المصرية، فمظاهر التمدن الزائف والزمن المتسارع الذي صاغته التكنولوجيا، وما استجد على الشعب المصري من عادات وسلوك غريب، يتعمّد الفنان نسيانه، ويحاول إحياء تفاصيل غابت بدورها، تفاصيل تساعد على إيصال الحالة التي يريدها.

المكان وناسه

تتنوع لوحات المعرض ـ حوالي 30 لوحة ـ بين العديد من الأماكن في القاهرة والإسكندرية، كالكورنيش والبحر والمراكب المتمايلة أو المستقرة، كذلك بعض البنايات الشهيرة كقصر المانسترلي، على سبيل المثال. هنا لا نجد نقلاً حرفياً للمكان، ولكن هناك ظلال لبعض من التأثيرية والتعبيرية والتجريد، حتى تتناغم العلاقة، بين الطبيعة كالأشجار وما شابه، والمبنى نفسه، إضافة إلى المساحات التي تظهر في اللوحة، لتجسد حالة الهدوء أو البراح الذي حاول الفنان التعبير عنه من خلال لوحاته. الأمر نفسه ينطبق على الشخوص، أو اللوحات التي تحمل أسماء وصفات أبطالها، مثل.. عم مدبولي، بائعة الفجل، ورجل معمم من الأقصر، هؤلاء بدورهم يبدون من وجهة نظر الفنان، في لحظة متآلفة مع الطبيعة، وما يحيطهم ـ بخلاف بورتريه رجل الأقصر ـ هنا يظهر الجانب التعبيري أكثر، حتى على مستوى الشخوص، فلا داع لتجسيد الملامح بدقة، بل يبدو الاكتفاء بالحالة هو الأهم، حالة التآلف أو التناغم مع ما يحيطهم ـ ربما يراهم الفنان كذلك، وربما هم مُجبرون ـ عناصر اللوحة وتوزيعها يوحيان بإحساس السكينة والهدوء، وهو ما يناقض المشاهد الحياتية الواقعية في مصر، حيث الزحام والزخم والصخب، فلحظة هدوء في الشارع تبدو مُختَلَسة ومُنفلتة من يوم أصحابها، لكن الفنان يُصر على تجسيدها واستمرارها، وكأنه يرجو ويُعايش زمناً آخر. فكرة الزمن الآخر هذه تتواصل حتى مع الجمادات، كالمراكب والأشجار، وحتى زمن العرائس الخشبية المُعلّقة في الفراغ، التي أصبحت جزءاً من التراث الفني المصري، مثلما في لوحة عرائس الليلة الكبيرة، وكأن مجموعة العرائس بدورها مخلوقات سعيدة في عالمها، تماماً مثل الشخوص الحقيقية التي تظهر في لوحات أخرى، أو أن هذه الشخوص بدورها أصبحت جزءاً من ذاكرة المصريين البصرية، التي تغيب بدورها شيئاً فشيئا.

التقنية

جاءت خبرة الفنان في استخدام العديد من المواد لتتجسد فكرة اللوحات، كتقنية ورق الذهب كسطح لجميع اللوحات، وعليه تتشكل مفردات وتكوين العمل الفني، وهي تقنية تحتاج إلى حرفية وقدرة عالية على التحكم وإظهار مناخ وطبيعة العمل، من حيث أفكاره وما يوحي به للمتلقي. كما أنها تجعل من اللوحات وكأنها أشبه بالأيقونات القديمة، التي تحمل صور القديسين، وهي سمة فنية غير مباشرة لتمجيد الموضوع والاحتفاء به، سواء الشخوص أو الأماكن. إضافة إلى ذلك تتنوع الخامات، ما بين الألوان المائية، الأكريليك، الجواش، والأحبار، وصولاً إلى الكولاج في بعض اللوحات. وما يهم هنا أنه رغم كل هذا التنوع لم ينجرف الفنان إلى أساليب تغريبية بعيدة عن الهدف من اللوحات وحالاتها، بل أصبحت كجزء ضروري من هذه الحالة، فلا يوجد استعراض فارغ من المعنى كالكثير من الأعمال التي نطالعها من سنوات، كما لا تنفصم المادة والخامة عن الموضوع المراد التعبير عنه.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية