لندن – «القدس العربي»: لم يتخيل البلجيكي جان مارك بوسمان، أن يتسبب قانونه يوما ما، في إثارة هذا الكم من الضجيج والجدل في سوق انتقالات 2021 الصيفية «الاستثنائية»، التي كان يُعتقد في البداية أنها لن تختلف كثيرا عن نافذة 2020 الخجولة، لعدم تعافي الأندية الأوروبية من أضرار وخسائر وباء كورونا الفادحة، حتى أن أغلب المصادر ومن يُعرفون بـ«الموثوقين»، كانوا يعتقدون أن الصفقات الكبرى لن تعود لا هذا الصيف ولا في المستقبل القريب، إلى أن أوقد باريس سان جيرمان الشرارة الأولى، بسلسلة من التعاقدات السينمائية، التي فتحت الباب على مصراعيه للتنبؤ بحدوث أشياء تفوق الخيال والاشاعات غير المنطقية، وفي الأخير، جاء الواقع أكثر جنونا من دراما «الشيرنغيتو» وقصص الإعلام الإسباني والروايات الفرنسية، في ما يعتبره الكثير من النقاد والمتابعين الميركاتو الأفضل والأكثر تشويقا هذا القرن.
هدوء ما قبل العاصفة
بدا الأمر وكأنه صيف هادئ حتى منتصف يوليو/تموز، لما كان يتردد عن معاناة الأندية ماديا، لأسباب تتعلق بانخفاض المداخيل والأرباح، كأغلب المؤسسات والعلامات التجارية، التي ما زالت تكافح للعودة إلى حياة ما قبل كورونا، بخلاف ارتباط أغلب اللاعبين بالحدثين الأهم في بداية فصل الاستجمام، والحديث عن بطولة الأمم الأوروبية وكوبا أميريكا، في ما اتضح بعد ذلك أنه كان «هدوء ما قبل العاصفة»، تلك العاصفة التي انطلقت من عاصمة الحب، بنشاط تجاري لن يمحى من الذاكرة لسنوات وسنوات، وكانت البداية بتجديد الضربات الموجعة للمنافس الكتالوني برشلونة، بخطف لاعب ليفربول السابق جورجينيو فينالدوم في صفقة انتقال حر، بعدما كان قاب قوسين أو أدنى من التوقيع للبلوغرانا، وتبعه بأيام قليلة إلى «حديقة الأمراء»، أفضل مدافع أيمن في العالم أشرف حكيمي، في صفقة كبدت الخزينة الباريسية نحو 60 مليون يورو لإطلاق سراح أسد أطلس من قلعة الإنتر «جوزيبي مياتزا»، وبلغت الإثارة ذروتها آنذاك، بضم قائد ريال مدريد التاريخي سيرخيو راموس ومعه أفضل حارس في كأس الأمم الأوروبية جيجي دوناروما، بنفس الكيفية التي جاء بها القلب النابض الهولندي، قانون بوسمان، هنا أيقن عالم المركولة المجنونة أن حرارة الميركاتو لن تقل عن لهيب الصيف الحارق.
وما عزز هذا الاعتقاد ما حدث في الأسبوع الأول لأغسطس/آب، بالتحول المفاجئ في مصير الأسطورة ليونيل ميسي مع ناديه السابق برشلونة، لعدم قدرة النادي على تحمل راتبه السنوي، حتى بعد تنازله عن نصف القيمة المادية في عقده، وذلك لقيود قانون اللعب المالي النظيف التابع لرابطة الليغا، التي تسببت بشكل أو بآخر في وصول المفاوضات مع ميسي الأب إلى طريق مسدود، على عكس ما تم الترويج له في الإعلام الكتالوني طوال فترة وجود البرغوث في وطن التانغو بعد فوزه بكوبا أميريكا على حساب العدو القاري البرازيلي في عقر داره، بأن الرئيس جوان لابورتا نجح بالفعل في إقناع الرمز الخالد بالبقاء في «كامب نو» لخمس سنوات، قبل أن يختلط الحابل بالنابل فور إعلان بيان الانفصال من النادي في مثل هذه الساعات من الشهر الماضي، كآخر وأسوأ سيناريو انتظره عشاق النادي، خاصة بعد تضحيات العام الماضي، التي وصلت لحد عزل الرئيس السابق جوزيب ماريا بارتوميو من منصبه، فقط لإرضاء أسطورة النادي، مع ذلك، جاءت النهاية صادمة لملايين من مشجعي الكيان، والعكس بالنسبة للعملاق الباريسي ومجلس إدارته وجماهيره، بعد اقتناء «فضائي» بحجم ميسي، من شأنه أن يعطي الإضافة المطلوبة لفريق الأحلام، لكسر عقدة كأس دوري أبطال أوروبا هذا الموسم.
انفجار البريميرليغ
لا شك أبدا، أن أندية البريميرليغ كانت وما زالت مسيطرة على جُل الصفقات الكبيرة في الميركاتو، لكن كان واضحا أن هناك سقفاً معيناً للإنفاق، وذلك منذ أن فعلها مانشستر يونايتد في صيف 2016، بإنفاق حوالي 90 مليون جنيه إسترليني (105 ملايين يورو)، والدليل على ذلك تقارب المبالغ المدفوعة في أهم وأكبر الصفقات التي أعقبت عودة بطل العالم إلى بيته القديم في «أولد ترافورد»، والحديث عن زميله في الفريق هاري ماغواير، وأيضا الهولندي فيرجيل فان دايك، وأسماء أخرى مثل كاي هافيرتز وروبن دياش ونيكولاس بيبي وباقي القائمة الذهبية للصفقات العشر الأغلى في الدوري الإنكليزي. أما هذا الصيف، فكان شاهدا على تحطيم الرقم القياسي للصفقة الأغلى، بفضل سخاء خزينة مانشستر سيتي، التي ضخت 100 مليون بعملة المملكة، للحصول على خدمات مبدع أستون فيلا جاك غريليش، ولولا تعنت رئيس توتنهام دانيال ليفي في مفاوضاته مع أثرياء عاصمة إنكلترا الثانية في صفقة القائد الأمير هاري كاين، لتحطم الرقم القياسي أكثر من مرة قبل أن يُسدل الستار على النافذة في آخر ساعات الثلاثاء الماضي، ولا ننسى أن تشلسي كان قريبا من تجاوز رقم غريليش، بعد إعادة الابن الضال روميلو لوكاكو من الإنتر، في الصفقة الأغلى في تاريخ البلوز، بحوالي مليوني ونصف المليون إسترليني أقل من المبلغ المدفوع في قائد الفيلانس السابق، وذلك من أصل ما يزيد على مليار و300 مليون أنفقتها الأندية الإنكليزية لتدعيم صفوفها هذا الصيف، منها سبع صفقات ضمن قائمة الأغلى في الدوريات الكبرى، كيف لا وحجم الإنفاق تجاوز ضعفي أقرب المنافسين، والإشارة إلى أندية السيريا آه، التي لم تتخط حاجز النصف مليار، ثم فرق البوندسليغا بحوالي 400 مليون. أما المفاجأة الصادمة، فكانت في تراجع أندية الليغا إلى المرتبة الخامسة من حيث الصرف، بحجم إنفاق بلغ 300 مليون، مقابل 390 مليونا لفرق الدوري الفرنسي، وهذا يرجع إلى نشاط عملاقي المسابقة ريال مدريد وبرشلونة الخجول، الذي ارتكز على استقطاب الصفقات المجانية، كما فعل البلوغرانا بضم سيرخيو أغويرو وإيريك غارسيا وممفيس ديباي بدون مقابل، وبالمثل انتقل ديفيد ألابا إلى ريال مدريد. الاستثناء الوحيد، ما فعله فلورينتينو بيريز في آخر 24 ساعة، بتحويل وجهة الجوهرة الفرنسية إدواردو كامافينغا من باريس سان جيرمان إلى اللوس بلانكوس، مقابل رسوم لم تتجاوز الـ31 مليون يورو، كنوع من أنواع الرد على الرئيس ناصر الخليفي، بعد تجاهل طلب الملكي بنقل كيليان مبابي إلى «سانتياغو بيرنابيو» بأكثر من 200 مليون بدون المتغيرات!
ملك الميركاتو واللغز
بإلقاء نظرة محايدة على النادي الأكثر إنفاقا، لكن بحكمة وذكاء، سنجد أنه نادي حامل لقب دوري أبطال أوروبا، تشلسي، الذي أعطى خصومه درسا مجانيا في كيفية استثمار موارده بدون تدخل أموال الرئيس الثري رومان آبراموفيتش، بفضل خطط وتوجيهات الجميلة الحديدية مارينا غرانوفسكايا، التي أبدعت في إرضاء ومكافأة المدرب توماس توخيل بعد إنجاز التتويج بذات الأذنين الثانية في تاريخ الأسود، وفي نفس الوقت، لم تسحب كثيرا من الخزينة، ولنا أن نتخيل أن الفارق في مجموع الإنفاق والمداخيل من بيع الفائضين عن الحاجة لم يزد على مليونين ونصف مليون يورو، بعد جمع 122.5 مليون من عمليات بيع وإعارة بعض القدامى والشباب غير المؤثرين في قوام المدرب الألماني الرئيسي، مثل أوليفيه جيرو وتامي آبراهام وفيكتور موزيس وكيرت زوما وفيكوي توموري وتيمو بكايوكو. في المقابل عزز قوته الضاربة بوحش كاسر يعيش أعظم لحظاته كمهاجم ولاعب كرة قدم مثل روميلو لوكاكو، آملا في حل عقدة البلوز مع مهاجم هداف. وفي اليوم الأخير، جاء الإسباني ساؤول نيغيز، كبديل إستراتيجي لثنائي محور الارتكاز، الأفضل في العالم، نغولو كانتي وجورجينيو، مع باقي الخيارات المتاحة في نفس المركز، متمثلة في مواهب من نوعية ماتيو كوفاشيتش، كريستيان بوليشيتش وماسون ماونت وغيرهم ممن يجيدون اللعب في أكثر من مركز في الوسط عموما، ما يعكس ويجسد ما يُعرف بـ«فن وذكاء» الإدارة، سواء على المستوى الاقتصادي أو الفني داخل المستطيل الأخضر، على النقيض تماما مما ارتكبته إدارة آرسنال من جرائم في حق الفريق وعشاقه، بفارق في الإنفاق والمداخيل كسر حاجز الـ130 مليوناً، بعد الاكتفاء بجمع 30 مليوناً فقط من بيع وإعارة اللاعبين، في المقابل دفع النادي نحو 134 مليوناً لتدعيم المدرب ميكيل آرتيتا بدماء جديدة، منها قرابة الـ50 مليوناً للتوقيع مع مدافع مجهول، جماهيريا، مثل بين وايت من برايتون، ما يعادل تقريبا مجموع ما دفعه الغريم الشمالي مانشستر يونايتد للم شمل كريستيانو رونالدو ورفاييل فاران بالقميص الأحمر، والأكثر غرابة، كانت صفقة إعادة المدريدي مارتن أوديغارد بـ35 مليوناً، وصفقات أخرى لم تدرس بعناية، أو على الأقل كان من الممكن استغلال أموالها في صفقات أخرى لتحسين مستوى وجودة مشروع مساعد بيب غوارديولا السابق، بدلا من النسخة المأساوية التي بدأ بها المدفعجية الموسم، بالتجرع من مرارة الهزيمة في أول 3 مواجهات، آخرها ليلة الإذلال الكبير على يد أستاذه الفيلسوف بالخمسة في ملعب «الإمارات» قبل عطلة الفيفا الحالية.
سوق الصخب والبروباغندا
ربما بلغة المال والأرقام، لا يعتبر ميركاتو 2021 الأكثر إنفاقا في المطلق، خاصة بالنسبة للبريميرليغ الذي تراجع إنفاقه بنسبة 11% عن نافذة 2019، لكن في المقابل، كانت هناك طفرة في الصفقات المجانية، التي سجلت ارتفاعا بنسبة تتراوح بين 20 إلى 22% في أوروبا بوجه عام، وهذا بالطبع أثر بشكل سلبي على حجم الإنفاق، فيما كان الجانب الإيجابي، في حالة الصخب والبروباغندا، التي سيطرت على وسائل الإعلام والسوشيال ميديا في أغلب أوقات السوق، وبالأخص بعد الضجة غير المسبوقة في تاريخ أي صفقة في السنوات الماضية، أو بدون مبالغة في التاريخ، بعد المشاهدات التاريخية التي حصدها ميسي في خطاب وداع برشلونة الأخير، ثم الساعات التي سبقت سفره من برشلونة إلى عاصمة النجوم حاليا، بتركيز إعلامي وصل صداه لجل سكان الأرض لحظة التقاط صورة البرغوث الأولى المدون عليها «هنا باريس»، وسبقه بفترة وجيزة، هالة إعلامية ضخمة على وداع مشابه لعدو الأمس وصديق الأمس، سيرجيو راموس بعد إجباره على الخروج من «سانتياغو بيرنابيو»، كعقاب على تأخره في الرد على تجديد عقده، ليفاجأ العالم بخطوة انتقاله إلى فريق الأحلام جنبا إلى جنب مع نيمار وكيليان مبابي وباقي النجوم الجدد والقدامى، وما أبقى الحالة الإعلامية غير المعهودة في السنوات الماضية، ما حدث مع صاحب الكرات الذهبية الخمس كريستيانو رونالدو في آخر أيام الميركاتو، بإعلان راية التمرد والعصيان على يوفنتوس، لعدم قدرته على الاستمرار في مشروع ماكس أليغري الغامض، وبمجرد أن بصم الأخير على صحة ما كان يتردد على نطاق واسع في الصحف الإيطالية عن رغبة الدون في الرحيل، اتفق الإعلام البريطاني على أنه عائد إلى البريميرليغ، لكن عبر بوابة مانشستر سيتي، لدرجة أن الكثير من المصادر التي تحظى بمصداقية لا بأس بها، أجمعت على أن وكيله جورج مينديش، بالكاد وضع اللمسات الأخيرة على العقد، قبل أن يستيقظ العالم في الصباح على خبر عودته إلى منزله القديم في الجزء الأحمر من مانشستر، بعد اتصال عاطفي مع الأب الروحي سير أليكس فيرغسون، وعمل جماعي بين القادة السابقين والنجوم الحاليين، لممارسة كل أنواع الضغط على كريستيانو، لإقناعه بالحفاظ على أسطورته مع النادي، بدلا من شراء عداء المشجعين بالذهاب إلى الجار السماوي، ضمن القصص الصيفية الخيالية، التي فاقت توقعات وأحلام أعتى العرافين، والرابح الأكبر من هذه البروباغندا، كان الإعلام الرياضي الكروي، الذي عاش أوج أسابيع على الإطلاق، بقفزات مجنونة في حجم القراءات ومستوى التفاعل، مثل تغريدة إعلان عودة رونالدو إلى مانشستر يونايتد، التي تجاوزت المليون إعجاب في غضون ساعة، كأكثر منشور رياضي حصد إعجاب المشجعين عبر «تويتر» وكذلك «انستغرام».
مسلسل الصيف
يبقى ما سلطنا عليه الضوء في كفة، وما قيل في الإعلام المدريدي عن صفقة مبابي في كفة أخرى، صحيح الرئيس فلورينتينو بيريز لم يحقق هدفه، بإنقاذ الصيف بالتوقيع مع كيليان مبابي، لكننا تابعنا حجم الهالة الإعلامية والضغوط الغريبة التي مارسها المحيط الإعلامي الأبيض، على أمل أن يرفع رجل الأعمال القطري ناصر الخليفي الراية البيضاء، وفي الأخير، صدق الأخير في ما قاله في أكثر من مناسبة إن «موقف باريس سان جيرمان اتجاه مبابي لم ولن يتغير»، ولنا أن نتخيل لو سارت الأمور كما يراهن جوسيب بيدريرول منذ 12 شهرا، بأن العشريني الفرنسي سيلتقط الصور السيلفي في «فالديبيباس» قبل أن يسدل الستار على نافذة 2021 الصيفية، بالطبع كانت الهالة ستكون أضعاف مضاعفة لما أثير في الصحافة الإسبانية في الأسبوع الأخير، وبالنظر إلى السبب الرئيسي الذي جعل الخليفي يكسر ظهر بيريز، بعدم الاستجابة على عروضه الثلاثة لشراء الجوهرة الفرنسية، هو الحفاظ على مبدأه الثابت، أو بالأحرى الوقوف على نفس المسافة مع عملاقي الليغا، فكما رفض من قبل بيع نيمار إلى برشلونة قبل أن يبدأ العد التنازلي لموسمه الأخير في «حديقة الأمراء»، أراد تكرار نفس الأمر مع نجم المستقبل. والأمر لا يتعلق فقط بهوس إنهاء عقدة الكأس ذات الأذنين، بالإبقاء على المتمرد جنبا إلى جنب مع نيمار وميسي، بل أيضا للحفاظ على الهيبة والشخصية التي رسمها العملاق الباريسي لنفسه منذ استحواذ صندوق قطر للاستثمارات الرياضية عليه في بداية العقد الماضي، كمؤسسة لا تعرف في قاموسها كلمة «البيع»، حتى لو كان الثمن خسارة لاعب كلف الخزينة نحو 170 مليون يورو لشراء عقده من موناكو قبل 4 سنوات، وهذا الكم الهائل من القصص المثيرة، ساهم في عودة الصورة القديمة المحفورة في الأذهان عن الميركاتو، بقصص واشاعات محدثة على رأس الساعة حتى موعد غلق قيد اللاعبين، والدليل على ذلك العودة القوية لمصطلح «الديد لاين»، الذي اختفى فجأة في السنوات الماضية، لاعتماد الأندية على إستراتيجية التوقيع مبكرا، لتفادي حدوث مفاجآت غير متوقعة، وهذا تجلى في كم وحجم انتقالات الساعات الأخيرة، أبرزها وأكثرها غرابة توقيع برشلونة مع لوك دي يونغ، مقابل إعادة أنطوان غريزمان إلى ناديه السابق أتلتيكو مدريد، على سبيل الإعارة وشرط إلزامي بالشراء مقابل 40 مليون، أي خسارة حوالي ضعفي المبلغ الذي جاء به من «واندا متروبوليتانو» قبل عامين، وشملت نفس الصفقة، إعارة ساؤول إلى تشلسي، لاستبدال اسمه بالأنيق الفرنسي، وفي نفس التوقيت كان الريال يضع اللمسات الأخيرة على صفقة كامافينغا وغيرها من عشرات الصفقات التي تمت في اليوم الأخير، والسؤال الآن: هل تتفق معنا عزيزي القارئ أنه كان الميركاتو الأفضل والأكثر جنونا هذا القرن؟