دمشق – «القدس العربي»: «أنت ذاهب إلى موتك» بهذا العنوان الصادم أصدرت «منظمة العفو الدولية» تقريراً حقوقياً، الثلاثاء تحدثت فيه عن انتهاكات بحق اللاجئين السوريين الذين تُفرض عليهم العودة القسرية إلى سوريا، داعية الحكومات إلى عدم إجبار السوريين على العودة. وشملت الانتهاكات الاعتقال التعسفي والتعذيب والاغتصاب، معتبرة أن سوريا ليست مكاناً آمناً ليرحل اللاجئون إليها.
ووثق التقرير 66 حالة، كعينة صغيرة من العائدين إلى سوريا، مشيراً إلى وفاة 5 أشخاص منهم خلال احتجاز أفرع النظام السوري، فيما لا يزال مصير 17 شخصاً من المخفيين قسرياً مجهولاً. كما وثق التقرير 14 حالة من العنف الجنسي ارتكبتها قوات الأمن، من ضمنها 7 حالات اغتصاب لـ5 نساء ومراهق وطفلة بعمر 5 سنوات حسب تقرير المنظمة.
اغتصاب أطفال
التقرير الذي يعتبر الأول من نوعه، كتقرير حقوقي دولي، وثق ما الذي يحدث مع اللاجئين السوريين عند عودتهم إلى بلادهم، من انتهاكات مختلفة، من بينها موت في المعتقل، وإخفاء قسري، وسبع حالات اغتصاب، وأطفال تم اغتصابهم على الحدود عند العودة.
وطالبت المنظمة في تقريرها الحكومات الأوروبية بالوقف الفوري لأي ممارسة لإجبار الناس بشكل مباشر أو غير مباشر على العودة إلى ديارهم، كما دعت دول الجوار: لبنان وتركيا والأردن، التي تستضيف الجزء الأكبر من اللاجئين السوريين، إلى حمايتهم من الترحيل أو أي إعادة قسرية أخرى.
مدير «الشبكة السورية» لـ «القدس العربي»: وثقنا حالات تعذيب وتحرش
وقالت منظمة العفو الدولية في تقريرها «إن قوات الأمن السورية أخضعت مواطنين سوريين ممن عادوا إلى وطنهم بعد طلبهم اللجوء في الخارج للاعتقال والإخفاء والتعذيب، بما في ذلك أعمال العنف الجنسي».
مدير الشبكة السورية لحقوق الإنسان، فضل عبد الغني قال لـ»القدس العربي «تطلّب منا إعداد هذا التقرير الذي شاركنا بالعمل بكل مراحله مع منظمة العفو الدولية، أشهراً عدة، وأجرينا اجتماعات مشتركة، وبوجود شهود من اللاجئين ممن تحدثوا عن انتهاكات ضخمة جداً وتتجسد بشكل أساسي بسياسة النظام المتوحشة ضد اللاجئين، الذي عادوا إلى سوريا وتعرضوا لعمليات اعتقال تعسفي واتهامات كما تعرضوا لعنف جنسي وتحرش وابتزاز وللتعذيب والتهديد.
وقال «التقرير أخذ عينة، لكن الملفت للانتباه وجود 13 طفلاً أعمارهم بين 3 أسابيع و17 سنة، اضافة إلى 15 امرأة» لافتاً إلى أن ما يثير أكثر هو أن عدد الأطفال والنساء هو نصف العينة التي تضم 66 شخصاً يتحدث عنهم التقرير، بعد توثيق حالتهم، بمعنى أن النظام لا يميز، وهذا يعني أنه حتى لو عادت امرأة إلى سوريا يخضعها النظام السوري إلى نفس السياسات».
ووجه القائمون على التقرير الحقوقي عدداً كبيراً من الرسائل التي تفيد بأن سوريا غير آمنة، طالما أن هذه الاجهزة الأمنية بسياستها وعقليتها مازالت منذ 2011 مستمرة حتى الآن، وأضاف «لا نوصي أيًا من اللاجئين بالعودة إليها مهما كانت الظروف السيئة، ففي سوريا الوضع أسوأ ولا يمكن التنبؤ فيه، لأن سوريا ليست دولة قانون» معتبراً أن الأوضاع التي تستلزم أن يحصل السوريين على حق اللجوء لم تزل نفسها ومتواصلة، فلا يزال النزاع مستمراً والتهديد الشديد الاضطهاد موجوداً من قبل النظام «الديكتاتوري» أي أن السبب الذي دفع الناس إلى اللجوء لا يزال موجوداً ولم يتغير.
«يعتبروننا إرهابيين»
هدف التقرير الأساسي، وفق عبد الغني هو توجيه رسالة إلى الدول التي تفكر بإعادة تقييم أوضاع اللاجئين، أن الأوضاع مازالت غير ملائمة لعودة اللاجئين ومازال التهديد قائم، عبر نماذج موثقة ومباشرة بطريقة ومنهجية عالية جداً. ودعا المتحدث لـ «القدس العربي» الدول إلى احتضان واستقبال المزيد من اللاجئين وإعادة توطينهم وعدم تحميل الثقل فقط لدول الجوار. وتحت عنوان: «أنت ذاهب إلى الموت» وثَق التقرير مجموعة من الانتهاكات المروّعة التي ارتكبها ضباط المخابرات السورية بحق 66 من العائدين، من بينهم 13 طفلاً عادوا إلى سوريا من لبنان ومخيم الركبان الحدودي (مخيم غير رسمي يقع على الحدود بين الأردن وسوريا) وفرنسا، وألمانيا، وتركيا، والأردن، والإمارات العربية المتحدة، خلال الفترة بين منتصف 2017 وربيع 2021، استناداً لمقابلات أجرتها المنظمة مع 41 مواطناً سورياً، من بينهم بعض العائدين وأقاربهم وأصدقائهم، بالإضافة إلى محامين، وعاملين في المجال الإنساني، وخبراء متخصصين في الشأن السوري.
العنف الجنسي
قالت علا «ألقت قوات الأمن السورية القبض على كريم بعد أربعة أيام من عودته من لبنان إلى قريته في محافظة حمص؛ وروى كريم ما جرى في إحدى جلسات الاستجواب التي خضع لها أثناء اعتقاله لمدة ستة أشهر ونصف؛ حيث قال أحد الضباط: لقد جئت لتخريب البلد وإكمال ما بدأته قبل رحيلك؛ قلت له إنني عائد إلى وطني، إلى قريتي […]؛ قال [مسؤولو الأمن] لي أنت إرهابي لأنني من [قرية معروفة بتأييدها للمعارضة]. كما ذكر كريم لمنظمة العفو الدولية أنه تعرض للتعذيب أثناء احتجازه».
ونقلت نور عن أحد ضباط الأمن قوله «أنت إرهابية… سوريا ليست فندقاً تغادرينه وتعودين إليه متى تريدين» متحدثة لمنظمة العفو الدولية «بعد أن أطلقوا سراحي، لم يكن في مقدوري أن أقابل أي شخص جاء لزيارتي لمدة خمسة أشهر؛ انتابني خوف شديد منعني من التحدث مع أي شخص؛ ظلت تلاحقني الكوابيس والهلاوس؛ كنت أتكلم أثناء نومي؛ كنت استيقظ من نومي عادة مرعوبة وأنا أبكي. أصبحت لدي إعاقة بسبب تلف أعصاب يدي اليمنى من جراء [التعذيب]؛ كما أصبت بتلف في غضاريف فقرات ظهري».
عندما عادت نور من لبنان، استوقفها أحد ضباط الأمن على الحدود، وقال لها لماذا رحلت عن سوريا؟ لأنك لا تحبين بشار الأسد ولا تحبين سوريا؟ أنت إرهابية… سوريا ليست فندقاً تغادرينه وتعودين إليه متى تريدين» ثم اغتصبها ضابط الأمن، هي وابنتها البالغة من العمر خمس سنوات، في غرفة صغيرة تستخدم في التحقيق عند المعبر الحدودي. وقال الضابط: «لن تنسوا هذا الإذلال مدى حياتكم».
ومن بين الضحايا أيضاً ياسمين التي عادت من لبنان مع ابنها المراهق وابنتها البالغة من العمر ثلاث سنوات؛ فقد ألقت قوات الأمن القبض عليهم فور عودتهم عند المعبر الحدودي، واتهمت ياسمين بالتجسس لصالح دولة أجنبية؛ ونقلتها هي وابنها وابنتها إلى مركز اعتقال تابع للمخابرات السورية حيث احتُجزوا لمدة 29 ساعة؛ واغتصب ضباط المخابرات ياسمين، وأخذوا ابنها إلى غرفة أخرى حيث اغتصبوه هو الآخر بأداة ما.
وقال لها ضابط المخابرات الذي اغتصبها: «هذا من باب الترحيب بعودتك إلى بلدك؛ وإذا رحلت عن سوريا، ثم عدت إليها مرة أخرى، فسوف تلقين منا ترحيباً أكبر؛ نحن نريد إذلالك أنت وابنك؛ ولن تنسوا هذا الإذلال مدى حياتكم».
وقد فضلت بعض العائلات أن تعود النساء إلى سوريا قبل أزواجهن، ظناً منهم أنهن أقل عرضة للاعتقال من أزواجهن – ومن أسباب هذا الظن أن النساء لا يخضعن للخدمة العسكرية الإلزامية.
غير أن منظمة العفو الدولية وثَّقت 13 حالة لنساء تعرضن للاعتقال التعسفي أو غير القانوني، وأُخضع بعضهن للاستجواب عن أقاربهم الذكور، وعشر حالات لأطفال تتراوح أعمارهم بين ثلاثة أسابيع و16 سنة، اعتُقلوا مع أمهاتهم. وأخضعت قوات الأمن خمسة أطفال للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة. والنساء معرّضات لخطر الانتهاكات مواز لذلك الذي يتعرّض له الرجال عند عودتهن إلى سوريا، ومن ثم فلا بد من منحهن نفس المستوى من الحماية.
تعذيب وإخفاء قسري
ووثقت منظمة العفو الدولية 59 حالة من حالات الاعتقال التعسفي أو غير القانوني لرجال ونساء إثر عودتهم إلى سوريا، وفي أغلب الحالات، جاء ذلك في أعقاب اتهامات فضفاضة بممارسة الإرهاب. وفي 33 حالة، أخضع العائدون للتعذيب أو غيره من ضروب المعاملة السيئة أثناء الاعتقال أو التحقيق؛ ولجأ ضباط المخابرات إلى التعذيب لانتزاع الاعترافات بالإكراه من المعتقلين بارتكاب جرائم مزعومة، أو معاقبتهم على جرائم مزعومة نُسبت إليهم، أو معاقبتهم على معارضتهم المزعومة للحكومة.
ومن بين هؤلاء الضحايا ياسين الذي اعتقل عند نقطة تفتيش بعد عبوره الحدود مع لبنان، وأمضى أربعة أشهر في السجن. ووصف ما حدث له قائلاً «لا أعرف كم أمضيت من الوقت في هذه الغرفة وأنا خاضع للتعذيب، كنت أحياناً عندما يضربني أحدهم أعد كل ضربة؛ وبلغ عدد الضربات في بعض الأحيان 50 أو 60 ضربة، ثم أغيب عن الوعي؛ بل وصل العدد ذات مرة إلى 100 ضربة».
أما إسماعيل، الذي احتجز في أربعة فروع مختلفة للمخابرات السورية على مدى ثلاثة أشهر ونصف، فقد وصف ما كابده من التعذيب قائلاً «صعقوني بالكهرباء بين عيني؛ شعرت وكأن دماغي كله يرتج تمنيت الموت آنذاك؛ لم أكن أعرف إن كان الوقت في الصباح أم الليل؛ لم يعد بمقدوري الوقوف على قدمي، حتى للذهاب إلى التحقيق. اضطروا لأن يُسنِّدوني عند اقتيادي إلى هناك، وعند إعادتي». بعد أن أطلقوا سراحي، انتابني خوف شديد منعني من التحدث مع أي شخص؛ بسبب الكوابيس والهلاوس.
وقالت علا التي عادت من لبنان مع أخيها عام 2019، إن قوات الأمن ألقت القبض على أخيها عند المعبر الحدودي؛ وخلال الأسابيع التالية، توجه أفراد الأمن إلى منزلها أيضاً، حيث استجوبوها عن أسباب رحيلها ثم عودتها إلى سوريا. وقالت «إنهم يعتبروننا إرهابيين لأننا رحلنا إلى لبنان».
«توفي في السجن»
وبعد خمسة أشهر، أبلغت السلطات أسرة علا بأن أخاها توفي في الحجز. أما إبراهيم، فقد أخبر منظمة العفو الدولية بأن قوات الأمن اعتقلته هو وابن عمه وزوجته وأطفالهم الصغار الثلاثة، البالغة أعمارهم عامين وأربعة وثمانية أعوام، لدى عودتهم من فرنسا عام 2019. وحتى وقت كتابة هذه السطور، لا تزال أسرته خاضعة للإخفاء القسري منذ عامين وثمانية أشهر.
وانخفض مستوى القتال في سوريا خلال السنوات الثلاث الماضية، وأصبح النظام السوري يسيطر الآن على أكثر من 70% من البلاد؛ وعلى خلفية هذا الانحسار، «عمدت السلطات السورية إلى تشجيع اللاجئين علناً على العودة إلى وطنهم، في حين بدأت عدة دول مضيفة للاجئين في إعادة النظر فيما تقدمه من حماية للأشخاص الآتين من سوريا. وفي لبنان وتركيا، حيث يكابد العديد من اللاجئين ظروفاً معيشية بالغة السوء والتمييز المجحف، أخذت السلطات تمارس ضغوطاً على اللاجئين السوريين لحملهم على العودة إلى وطنهم».
وفي أوروبا، قامت الدنمارك والسويد بإعادة تقييم تصاريح إقامة طالبي اللجوء القادمين من مناطق تعدها هاتان الدولتان آمنة لعودة اللاجئين، مثل دمشق وريف دمشق. ولكن تجدر الإشارة إلى أن ثلث الحالات الموثقة في هذا التقرير تتعلق بانتهاكات لحقوق الإنسان وقعت في مدينة دمشق أو منطقة دمشق.