الفيلسوف والسينما: الوعي بالصورة!

«في السينما أوجد أمام شاشة سطحية، تمنعني من القيام بالدوران حول الشيء، أو النظر إليه من زوايا مغايرة» هوسرل.
في كتابه الرائد «محاضرات من أجل فينومينولوجيا الوعي» يعرّف هوسرل الفلسفة الفينومينولوجية قائلا: إنها العودة إلى الأشياء في ذاتها، بمعنى الانتقال من الفلسفة الكلاسيكية، التي اهتمت بالوجود كموجود، إلى الفلسفة الفينومينولوجية التي تتوجه إلى الوجود كشيء، ما فتح للزمان كحركة، باب العودة بقوة وبات الأمل منعقدا على الصورة من أجل استعادة الفن لأمجاده، بعدما كاد أن يفقد بريقه في هذا العالم المشتعل بالحروب، وما السينما إلا كمال للكمال، معها حقق الفن كماله، لكن بأي معنى يمكن ربط السينما بالفينومينولوجيا؟ ألا يكون هذا الربط إضعافا لقوة السينما؟ بل ألا يكون عصر الصورة بمثابة إغراء للفينومينولوجيا لكي تلقى بنفسها في عالم التقنية الفنية؟
ما كان يهم التيار الفينومينولوجي في السينما، هو استيلاؤها على عرش أنطولوجيا الصورة التي قادت بواسطتها ثورة استيطيقية، شعارها تشييد عصر الصورة وتأثيث فضاءاته بالجمال والحرية، وكأنها بلغة دولوز، مجرد أثر أصيل تركه الواقع منسيا، إلى أن جاءت الصورة كأيقونة الشاشة. فهذه الأيقونة تنادي المنادى من خلال مزج الصوت في الصورة، من أجل إحداث الدوران الخالص للروح.
وقد يكون هذا الدوران هو الذي جعل هوسرل يتوجه نحو السينما، ويذهب إلى قاعة السينما ليشاهد الأفلام، على عكس هايدغر الذي كان بدويا لا يعشق سوى حذاء فانغوغ. وبما أن السينما هي تلك الصورة الفاتنة التي تحدث أثرا في الروح، فإنها بقدر ما تتوجه إلى الجمهور لتفرض بساطتها وشعبيتها، بقدر ما اقتحمت حميمية الفلاسفة وحرّضتهم على عشق جمالية الصورة، بعدما أضناهم البحث عن حقيقتها، ومن كان يظن بأن هذا الشغف بالسينما سيقود إلى تأسيس فلسفة السينما مع التيار الفينومينولوجي.
فالوعي بالصورة ليس سوى إنتاج لمجهود فكري سيرى النور في تلك الكتابات الفلسفية عن السينما منذ هوسرل مرورا ببرغسون وميرلوبونتي، وصولا عند دولوز وغيره، فنحن لم نكن نعرف ماهية السينما، بل كنا نقتصر على الفرجة التي تقدمها، ولا نتوجه بأعيننا إلى حركة الصورة، باعتبارها أثرا للواقع، بل إلى الصورة كواقع، ولذلك كانت الروح تركن إلى السكينة باحثة عن إشباع الرغبة في الأحلام، ومع ظهور فينومينولوجيا السينما، بدأ الاكتشاف بأن الروح الخالصة في الظاهريات، والروح في بعض الأفلام التي أثرت فينا تشكلان وحدة في الماهية، وتعددا في الكيف، وبعبارة أخرى بدأ الحماس في تطبيق المقولات الفكرية على الصورة الفاتنة.

فالأقليات تستغل التغييب التام لخصوصيتها اللغوية، من أجل تحقيق مآرب سياسية جد ظرفية وعابرة. كما أن السلطات الوصية، تجد في هذا الابتزاز الوضيع ضالتها، من خلال تبرعها الموسمي بمكتسبات لا ترقى حتى إلى مستوى الابتزاز الشكلي.

مع ذلك تظل السينما تقنية عالية يؤسسها الصراع نفسه، التقنية من أجل إثبات ذاتها في الوجود الإنساني، الكاميرا تريد أن تستحوذ على الإنارة، الصورة على الصوت، الفيلم على المتفرج، المخرج على الممثل، المنتج على التقني، ولعل هذا الصراع الخفي هو ما أغفلته أسئلة الفلاسفة، التي اقتصرت على تحديد ماهية الصورة كحركة، والحركة كزمان، بغية الوصول إلى السينما، كشاشة تصلح لكل التأويلات. وكان الفيلسوف دولوز يتساءل باندهاش قائلا: لماذا تحكم علينا السينما برؤية الصورة كما تشتهيها، أو بالأحرى لماذا ترغمنا على عدم الرؤية للصورة كأثر للوعي في الوجود، ولذلك يستشهد بغودار، الذي كان ثوريا بطريقته في الحقل السينمائي، حيث يعترف بالنزعة العدمية للسينما، التي جعلته في موقف لا يسمح له برؤية الصورة، على الرغم من أنها تمر أمامه، ومع مجيء فلسفة السينما أصبح التفكير بالعين هو شعار المرحلة، ولعل كتاب «العين والروح» لبونتي كان له دور كبير في خلق سينما تفكر بالعين. هكذا تصبح العين عبارة عن خزان لا ينضب، وباعتمادها على تجربة الفيلم في العالم، أضحت الفينومينولوجيا تسعى إلى انصهار الوعي في الصورة، لا لأنها حركة فقط، بل لأنه علامة على وجود الأشياء في العالم، والسينما تستثمر الصورة لوصفها، خاصة أن عالم الفيلم ألذ من عالم الواقع، والروح لا ترتاح إلا في اللذة كمطهر للأحزان، فجراح الحرب كانت عميقة، ومن أجل شفائها جاءت السينما، وأرادت أن تفرض الصورة كأيقونة العالم الجديد.
ومع ذلك تظل تجربة الفيلم في العالم لغزا محيرا للفلسفة، وقد حاولت الفينومينولوجيا تفسير هذا اللغز، انطلاقا من تفكيك الصورة، كإرادة للحركة يكون هدفها هو انصهار الوعي في الروح، بالقدر نفسه الذي ينصهر فيه الوعي في العالم، إنها محاولة لتعديل ما نفكر به، وما نحن عليه، ما دام هذا العالم لا يبحث في النفس كثير سرور، فإن تجميله بالفكر سيكون هو الحل، والصورة فكر للفكر.
الصورة إذن تجميل للفكر، يسعى إلى تحريك الفرح بالكينونة بواسطة شاعرية الوصف، فالفنان وحده يدرك أن الوجود المعاش ليس كما يرى في العمل الفني، لأن حذاء فانغوغ لا قيمة له في الواقع، لكن حين تم رسمه تحول إلى تحفة فنية، كما أن تلك الدراجة الهوائية تحولت إلى تحفة فنية في فيلم «سارق الدراجة». فالعالم كان يبحث عن هذه الدراجة، لأنها لم تعد ملكا لذلك البروليتاري، بل أصبحت ملكا للسينما، ولعل هذا ما يمكن الإشارة إليه بالواقعية الأنطولوجية، وهايدغر يطلق عليه الدازين، أو الوجود هنا، معتمدا في ذلك على التمييز الفينومينولوجي بين الوجود الواقعي، والوجود الشيئي.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية