الجميل يقتحم السينما والفلسفة

«مهمة علم الجمال الفلسفي هي أن تمدنا بإجابة عن سؤال ما الجميل» غادامير

فلسفة الجمال هي فن التفكير بطريقة جميلة، بمعنى أن تأملاتنا الجمالية يتخللها الحضور الكبير للجميل، باعتباره الصورة المنعكسة لهذا الأصل النموذجي، الذي يسميه أفلاطون (المثال)، وطالما كان انتقالنا من المحسوس إلى المعقول يتم بواسطة هذا الشغف بالجميل، طالما كانت السينما هي الجسر الذي يربطنا بصورة الجميل في ذاته، لأنها فن الصورة بطريقة جميلة، لكن ما الذي نتعلمه من هذه الصورة؟ وما دلالاتها في وضع الحقيقة في العمل الفني؟ وهل خبرتنا بالجميل معناه الإقامة فيه؟ لا أحد بإمكانه أن يستولي على الصورة الفنية أو المتخيلة، أو بالأحرى إسقاط الصورة المتخيلة في الأشياء، بيد أنه من الممكن إسقاط هذه الصورة في العمل الفني، ذلك أن «التأمل الجمالي يكون موجها في المقام الأول نحو قوة الخيال باعتباره القوة البشرية على بناء الصورة المتخلية». فالصورة التي لا نجد فيها شيئا جميلا لا تستجيب للذوق الاستيطيقي، ولا لمعيار الفن والجمال، ولذلك ليس من الضروري أن يهتم بها الفيلسوف لأنها لا تسره، كما قال كانط، عندما أرى الجمال، يسرني على نحو ما بوصفه جميلا، ولعل هذا السرور قد يحدث عندما نلتقي بالشخص الذي نحبه، ولا يمكن أن نفسر لماذا الحب يوقظ السرور والفرح والبهجة في الروح، وكم من فيلم سينمائي يقرب المشاهدين من هذه اللحظة الميتافيزيقية.

والناقد الذي لا يدفعه المثول في حضرة الجمال إلى الحفر استيطيقيا في الفيلم، والتساؤل عن معنى الفن في السينما ليس بناقد، بل مجرد كاتب نمطي جاء إلى السينما عن طريق الصدفة، لأن السينما مثل الفلسفة تستخرج من ذات نفسها موضوعها، لأنها تخشى أن يهجم عليها بعض التافهين، الذين دمروا الفن بواسطة السمسرة، وحولوه إلى بورصة للأوراق المالية. قال ديكارت: «عليّ الآن، وقد بينت ما ينبغي عمله أو اجتنابه للوصول إلى المعرفة الحقيقة، أن أحاول الخروج والتخلص من كل الشكوك التي خامرتني هذه الأيام». وأخطر شك هو التساؤل عن انفصال السينما عن الفلسفة، نظرا لاختلافهما في رؤية الحقيقة، وبما أن معرفة الحقيقة يمكن أن تكون بالبرهان، أو بالصورة، خاصة أن معلم الحقيقة لا يمنع الحلم بها أو تعلقها، حيث نجده يقول في التأملات: «إنني إنسان، من عادتي أن أنام، وأن أرى في أحلامي الأشياء ذاتها.. فكم مرة حلمت بأني جالس قرب النار ها هنا، وقد لبست ثيابي، مع إنني في سريري متجرد من كل ثوب.. لا أستطيع أن أميز بين اليقظة والحلم تمييزا دقيقا، وعليه فذهولي عظيم حتى يكاد يقنعني بأني نائم». كم هو رائع هذا النوم الديكارتي الذي يجعلنا نحلم بالأحلام، بعيدا عن ضجيج الجمهور وفوضى المجتمع، وبإمكان هذه الأحلام أن ترافقنا إلى السينما وتتسلل إلى كينونتنا، هكذا يبدأ الفرح بالكينونة، خلال مشاهدتنا لتلك الأفلام الجميلة، التي تحولت إلى أحلام لذيذة في مشاهدتها بالروح وممتعة في تجلياتها لا يضاهيها سوى السينما التي تزور الفيلسوف وهو غارق في نومه: «لنفترض الآن أننا نائمون، وأن جميع هذه الخصائص، من فتح العينين، وهز الرأس وبسط اليدين وما شابه إن هي إلا رؤى كاذبة». عندما تكون الفلسفة في قمة ثرائها تصبح السينما في أوج اكتمالها الفني، ولعل دولوز، الذي انتقل من عظمة فلسفة نيتشه إلى سينما الواقعية الجديدة والموجة الجديدة والسينما الأمريكية، لأكبر شاهد على هذا التفاعل الفني بين الفلسفة والفن السابع، فمن الضروري استيعابهما مرة واحدة في العمر، وأن نخصص وقتا لراحة الحواس والجسم في عزلة مطلقة وزهد ناعم: «أفضل العزلة في البادية، واستنشاق الهواء الجاف، على صخب المدينة وشراسة الشهرة».

تلك هي حال دولوز الذي يقول، إن الحبيب لا يرى سوء المحبوب، ثم ينتهي حبه في السينما، وكأن السينما هي الفن العظيم الذي يقوم بإنقاذ فلسفة الجامعات من الإفلاس، ذلك أن الفلسفة بعد عصر نيتشه تحولت إلى دجل الجامعات، أو كما قال شوبنهاور: «ليست هناك فلسفة في الفترة الواقعة بين كانط وبينه، هناك مجرد دجل الجامعة». وقد تأثر دولوز بهذا النقد في كتابه «فوكو»، حين أعلن عن تضامنه مع الفيلسوف الذي منع من التفلسف في جامعة السوربون، نظرا لكونه فيلسوفا في الحقيقة، وقال، إن فرنسا لن تفهم فوكو إلا بعد فوات الأوان، ودولوز نفسه فرض عليه الحجز، ووجد نفسه يدرس السينما في كلية الفنون. لو جاز لي أن اختصر هذه العلاقة المتوترة بين الفيلسوف والفلسفة، لقلت إنها تشبه تلك العلاقة الموجودة بين السينمائي والسينما، عندما يقف متفرجا على محنة فن السينما التي تحولت إلى مهنة تجارية، وإن السينمائيين يمكن أن يتاجروا بأفلامهم، ولعل هذا لا يمثل الوظيفة الصحيحة للفن بالمعنى الأصيل للفن، هكذا تكون سينما السينمائيين، وفلسفة الفلاسفة بعيدا عن الصورة المزيفة التي يروج لها الإعلام الرسمي وبعض النقاد. طالما يمكن أن نتساءل عما يتم إظهاره عبر الفن بواسطة الصورة، والفلسفة بواسطة المفهوم، طالما أن السبيل المؤدي إلى العلاقة بينهما يظل بلا هدف، ولذلك فإن هيدغر الذي أبدع الطريق بلا غاية، التجأ إلى الحقيقة من أجل الجمع بين الفلسفة والفن، حيث إن الفن هو وضع الحقيقة في العمل الفني، والحقيقة هي هدف الفلسفة، هكذا تكون الحقيقة هي الرابط بين الفن والفلسفة. لكن دلوز الذي يقول إن الفلسفة إبداع المفاهيم، والسينما إبداع الصورة، والصورة حركة، فإنه وجد صعوبة في الجمع بينهما بواسطة الإبداع، ولذلك لجأ إلى عقد لقاء بين السينما الجديدة والرواية الجديدة، بين غودار وروب غريسي، قائلا: «لقد كنت دائما ألح على عقد لقاء بين السينما الجديدة والرواية الجديدة من أجل مستقبل فرنسا». بيد أن هذا اللقاء لم يتم، وظلت العلاقة بينهما في أفق الانتظار، على الرغم من أن السينما الفرنسية لم تكن ستحقق نجاحها بعدا عن الرواية.
من أجل تمزيق الحجاب عن الحقيقة، هذا المشترك بين فن السينما وفن التفكير بطريقة جميلة، لابد من العودة إلى صورة الزمان، ومفهوم الزمان لأن تصوير الزمان ينقل إلينا معاناة الوجود، من خلال الذاكرة كماهية الإنسان، وتغيير الزمان كأفق للوجود يقود نحو الموجود الإنساني الذي يتهدد العدم وتستهويه العدمية، وبعبارة أخرى، فالسينما تقوم بالحفر في الماضي، من أجل الوصول إلى المعنى الأنطولوجي للإنسان، فإن الفلسفة تنطلق من نسيان الوجود لكي تصل إلى نسيان الفكر، والاهتمام بالتقنية، ذلك أن الإنسان المعاصر أدار ظهره لما ينبغي التفكير فيه وتوجه نحو العدمية.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية