«إنها مثل مزهرية شكسبير، كان من المفروض أن لا توضع فيها سوى زهور نظيفة، فإذا بالجذور تمتد وتحطم المزهرية»
هيغل
تريد السينما أن تعانق المستحيل دون أن تخشى الانفجار، فهي تمثل كل الفنون، باعتبارها فناً سابعاً، لكن لا نعرف إن كان هذا الفن يخضع للترتيب الزمني، أم للمقام الأنطولوجي، وكل ما نعرفه أن السينما مدللة الفنون، لأنها استحوذت على التقنية والاستطيقا، بل لأنها أيضا أسطورة تستغل الأساطير بتقنية غاية في الروعة، ولو أنها تضحي بشغفها بالحقيقة، وكل ذلك من أجل غزو قلوب الفلاسفة والجمهور. ذلك أن السينما تلبس صورة الجمال وتتحول في الظلام تحت تأثير الإنارة. هكذا يتساءل الفيلسوف مندهشا: «أفمن الجمال في شيء أن يصارع المرء الأساطير القوية.. ويعانق المستحيل بقلبه المتفجر بقوة بطولية». فلماذا أصبحت السينما مدللة في إمبراطورية الإستطيقا؟ وهل كان هيغل سيسمح لها بذلك وهو المغرم المخلص بالشعر؟ وما معنى مدللة فنيا؟
الواقع أن السينما متأثرة بالشعر الملحمي لهوميروس، ولذلك فإنها تمزج السخرية بالدراما، حيث امتلكت قدرة على اختراق أرواح البشر من جميع الأجناس، وكأنها تعدهم باسترجاع حريتهم وكرامتهم، لكن ينبغي أن يواجهوا أنفسهم بأنفسهم بحرية، ولو كانت المعاناة تبدو على وجوههم الشاحبة، والتي لم تعد تهتم سوى بتجاوز المأساة بالمرح المأساوي.
السينما باعتبارها أسطورة حديثة، هي وطن لمن لا وطن له، تستضيف الأرواح الحالمة لتزودها بالثمالة الديونيزوسية، إلى أن تنسى وجودها في الوجود، وبما أن محبة الحلم والثمالة أقرب في نفوس الناس من محبة العلم والمعرفة، فإنهم يتسللون إلى قاعات السينما لمشاهدة أفلام النجوم الذين تحولوا إلى أساطير معاصرة. فالسينما تعلم الحلم، ومن طبيعة الناس أن يحلموا، ونادرا ما يفكرون ويتأملون، وهنا بالذات يكمن ضعفهم، وما الأسطورة إلا استثمار لهذا الضعف.
يتوجه أفلاطون برجاء إلى هوميروس بأن لا يكذب على الناس، لأن ذلك سيبعدهم عن محبة الحقيقة، يقول: «يتعين علينا أن نتوجه مرة أخرى برجاء إلى هوميروس وغيره من الشعراء ألا يصوروا أخيل على أنه ينام تارة على جنبه وتارة أخرى على ظهره، وتارة ثالثة على وجهه على شاطئ البحر، وفي نفسه ألم عميق لا يخفف من شيء». ولعل أفلاطون يعترف بأن هذا النوع من الشعر يؤذي الأذهان التي تسمعه، حين يقول هوميروس إن: «أحكم الناس لا يرى في الدنيا أطيب من موائد حفلة بالخبز واللحم وندمان يمرون بالنبيذ الذي يسكبونه من انية إلى الأقداح، فهل تظن أن الشباب يتعلم الاعتدال بسماع هذا الشعر .
من أجل تفكيك شعر التراجيديا ، الذي سيتجسد في السينما، قام سقراط بصياغته في أسئلة ميتافيزيقة، من خلال المشاهد الدرامية والهزلية لأنهما معا في نظره سيؤثران في أرواح الشباب. فالدراما تقضي على فضيلة الشجاعة بواسطة الرعب، والكوميديا تدفع الشباب إلى التخلي عن المسؤولية والجد، ذلك أن المبالغة في الضحك تكون لها نتائج سلبية على المستوى التربوي. والحال أن الفكر هو ابن العقل، والخيال ابن اليوتوبيا التي تقوم السينما بإبداعها من جديد، وفي قالب تقني لذيذ، يتحكم في ملكة الذوق. هكذا تكون السينما مضادة لجدلية الميتافيزيقا التي جعلت من الحقيقة هدفها، والعقل أداتها. لكنها سقطت في القلق كملكة للفهم، تجاه وجود الإنسان في العالم الذي أضحت التقنية تهيمن عليه وتهدده بالدمار. فالسينما لا تتخلى عن الفكر كفكر في الوجود، لكن تتجاوز انزعاجه وقلقه عندما ارتمى في تناول العدم وترك الوجود في النسيان، ولذلك وضعت نفسها رهن إشارة الأسطورة والملحمة.
فالملحمة مثل الأسطورة تؤثر في المشاعر والانفعالات: «فأساس الانفعالات هو الشعور بالتعاطف، ومن السهل إثارة انفعال الناس، وسواء تعلق الأمر بالهزلي أم بالمأساوي».
لا أحد من الفلاسفة سيرفض متعة السينما حتى إن كانت مجرد أسطورة تحكى بالتقنية، أو مجرد صراع مع الشيطان، فشكسبير كان يتصارع مع الشيطان من أجل أن يكتب هملت، ويريد صياغة الأسطورة في قلقه الفني، لكي يقتحم وجدان الملك، ويتسلل خلسة إلى أرواح الرعية، إنه يختبئ في المقدس ليسمو بالفن إلى العمق والجمال والحب، لكن رؤيته للشبح ليس سوى رؤيته للبؤس الذي عاشه كشاعر متسكع لا يملك قوت يومه.
نحن نوجد أمام أسطورة اسمها السينما، تحكي حكاياتها بالصور، وشكسبير كان يحكي مأساته بالكلمات، فالسكن في الصورة ألذ من السكن في اللغة. هكذا ظلت السينما أفلاطونية في لاوعيها، حيث حكمت علينا بالإقامة الأبدية في الكهف. وأخرجت شخصا واحدا فلا ندري إن كان هو الفيلسوف أم الفنان، وكل ما نعرفه أن الفن فكرة كالحب، وهذه الفكرة تصل بالإنسان إلى أعلى مراتب الإبداع حين تنشر الروح في الأشياء، وتتجول الحقيقة في الحياة. ويسعى الفنان إلى وضعها في عمله الفني.
كاتب مغربي