من فيلم «مراتي مدير عام»
لما كان للمرأة المصرية دور رائد في مختلف المجالات وبرزت صورتها الإيجابية في الوظائف المرموقة والمواقع القيادية، جنباً إلى جنب بجوار الرجل، التقطت السينما طرف الخيط فبادرت إلى صياغة العديد من الصور الدرامية، لتؤكد نظرية الندية بين الرجل والمرأة ليس بحسن نية، بل استغلالاً لحالة المنافسة بين الجنسين، لذا فقد غلب الطابع الكوميدي على التجارب المهمة التي طرحت المفهوم ذاته.
وبالطبع جاء فيلم «مراتي مدير عام» الذي كتب له السيناريو الكاتب الراحل سعد الدين وهبة، وأخرجه مخرج الكوميديا فطين عبد الوهاب، في مقدمة الأفلام التي اهتمت بالفكرة التنافسية بين الرجل والمرأة، وجعلتها محوراً للنقاش على خلفية كوميدية مُضحكة اتخذت من السخرية وسيلة للتحليل النفسي لطبيعة الرجل الذي يغار من المرأة، إذا ما أصابت قدراً من النجاح، لاسيما إذا كانت تلك المرأة زوجته. لقد ترك الفيلم الذي قامت ببطولته شادية أمام صلاح ذو الفقار أثراً كبيراً في المستوى الجماهيري، فدعا ذلك إلى إعادة تقديم القصة بشكل آخر بعد التطوير والتحوير تحت عنوان «تيمور وشفيقة» في سيناريو كتبه السيناريست تامر حبيب، وقام بإخراجه خالد مرعي عام 2007، حيث أسندت بطولة الفيلم إلى مني زكي وأحمد السقا، اللذين قدما معاً فواصل كوميدية مُستلهمة من الأجواء القديمة نفسها في الفيلم المذكور سلفاً «مراتي مدير عام».
لقد ارتكز الفيلمان في الفكرة الرئيسية على المنافسة بين الزوجين العاملين، مع الفارق التطبيقي الطفيف في عملية التوظيف بين التجربتين الكوميديتين أخذاً في الاعتبار تفوق فيلم فطين عبد الوهاب على فيلم خالد مرعي لدواع كثيرة من بينها، نضج الحالة الكوميدية ومستوى التضمينات الذكية ودلالات المشاهد التي أخذت أبعاداً مختلفة، وهي الحالة نفسها التي طرحها فطين في فيلم «الأستاذة فاطمة» بطولة فاتن حمامة وكمال الشناوي، وأشار فيها لأزمة المنافسة ذاتها بين المحامي والمحامية، المُتزاملين في المهنة والمُرتبطين بعلاقة عاطفية قوية.
وفي كل مرة يتم الاعتماد على العامل الكوميدي ليكون خط التماس بين البطل والبطلة في الصراع الافتراضي الفانتازي، ذلك أن الكوميديا هي الوعاء المناسب لاحتواء مثل هذه الأفكار الساخرة التي تشبه إلى حد كبير الرسوم الكاريكاتيرية في أغلب الأحيان.
وفي تجربة أخرى مماثلة قدمت المخرجة إيناس الدغيدي فيلمها «إستاكوزا» بنمط مختلف، حيث الصراع الأكثر عنفاً بين الزوج والزوجة وعدم التسليم من جانب الزوجة رغدة بُسلطة الزوج أحمد زكي، وإصرارها على التحدي وإثبات وجودها على حساب الاستقرار العائلي والعادات والتقاليد، وهي الفكرة الأجنبية الممصرة المأخوذة عن الرواية العالمية «ترويض النمرة» لوليام شكسبير، التي استُنسخت منها صور درامية عديدة في السينما والمسرح والتلفزيون في محاولة للتنويع والاستفادة قدر الإمكان من الثراء الدرامي والموضوعي، المُتضمن في العمل الإبداعي المهم.
وبالعودة إلى فيلم «تيمور وشفيقة» نجد أن المُشكلة كما جاءت في السياق الدرامي للأحداث لم تبتعد كثيراً عن النماذج المطروحة، اللهم غير أن البطلة منى زكي، ترقت إلى درجة وزيرة فصعبت الأمر وزادت من أعباء الزوج تيمور الحارس الخاص لها، وهو ما يُمثل قمة التصعيد الدرامي في سياقه الكوميدي، وهي حالة من حيث الشكل تذكرنا بسلسلة أفلام المخرج رأفت الميهي مع محمود عبد العزيز ومعالي زايد، «سيداتي آنساتي» و«السادة الرجال» و«سمك لبن تمر هندي» حيث التعبير عن المضمون والفكرة والمحتوى الساخر.
ولو تعمقنا أكثر في رحلة السينما المصرية، سنلاحظ أن أفلاماً أخرى على قدر من الأهمية انتبهت منذ فترة طويلة إلى العلاقة الضدية بين الرجل والمرأة، أو الزوج والزوجة وعالجت القضايا المُتصلة بهذا الشأن مُعالجة كوميدية، كما في فيلم «آه من حوا» لرشدي أباظة ولبنى عبد العزيز و«الأفوكاتو مديحة» لمديحة يسري ومحمد فوزي، ونماذج أخرى كثيرة اعتنت بقضية المساواة بين الرجل والمرأة وعرضتها من زوايا مختلفة وبأساليب مُتعددة وشيقة، وإن بقي العامل الكوميدي هو المُعادل المشترك بين معظم التجارب وأهمها، بعيداً عن الأفلام التراجيدية التي حولت العلاقة بين الرجل والمرأة إلى عداء مُطلق، كفيلم «أريد حلاً» لفاتن حمامة وأمينة رزق على سبيل المثال، أو فيلم «المرأة والساطور» لنبيلة عبيد أو «آسفة أرفض الطلاق» لنجلاء فتحي أو «نحن لا نزرع الشوك» و«شيء من الخوف» لشادية ومحمود مرسي.
إن غاية الاستشهاد بهذا الكم من الأفلام هو الوقوف على مستوى الإفادة الحقيقية من المُعالجة، وعمل مقاربة بين النوعيات السينمائية للوصول إلى النتيجة التي قد يختلف أو يتفق عليها الجمهور وهي، أن الكوميديا كانت الإطار الأكثر قبولاً وملائمة في مسألة التعبير عن المنافسة بين الرجل والمرأة بشكل عام أو الزوج والزوجة بشكل خاص، حيث الخطاب النقدي في الأفلام الكوميدية أخف بطبيعة الحال من الخطاب الواقعي المباشر، وهو ما يجعله متميزاً ومُفضلاً بدرجة كبيرة.
كاتب مصري