لم يعد مستغرباً أن نصادف في الآونة الأخيرة ظهور فئة من الكتاب يمارسون الكتابة على مواد أدبية بلا منهجية، ومن دون قدرة تحليلية، وهم يظنون أن ما يقومون به هو نقد أدبي. ذلك أن النقد ممارسة فكرية واعية وعمل ذهني مدرب وجهد معرفي ممنهج، قاعدته التعرف والاطلاع، وعموده التحليل والاستكناه، وقمته هي الغاية، أي الجمال الذي يُبحث عنه لذاته، أو لالتزام موقف حياتي وبعث رسائل اجتماعية أو فكرية مختلفة.
وحين يمسك الناقد القلم فإنه يُنتج ما ينفع القارئ مربيّاً فيه الإحساس بالجمال، موصلا إياه إلى مناطق لم يكن يعرفها من قبل، ليسوح فيها ويتأمل مساراتها وما فيها من منعطفات ومسالك. بينما المتناقد أو النويقد حين يمسك القلم، فإنه يتكئ على مضامين النصوص متوسلاً إياها أن تهديه إلى كتابة ما يريد كتابته، لأن لا مرجعيات نظرية وقرائية تساعده على الإضافة، أو التحليل، ولذلك تظل عملية إتمام المقالة بالنسبة إليه هي الهدف الأكبر.
ولن يكون قادرا على إتمام هدفه إلا بالنص وما يزوده به من كلمات وأفكار، ومن ثم يبذل جهدا ويصرف وقتا من أجل إتمام مقالة استعراضية، تعيد وصف ما تصفه القصيدة أو الرواية، مُفيدا من عموم معانيها ومستعينا بكليشيهات تنقذه من الورطة مفسراً الماء بعد الجهد بالماء.
وإذا افترضنا أن قارئ مقالة هذا المتناقد ليس متوسط المستوى بل هو محترف أو قارئ مثالي فإننا سنعرف حتما أنه سيعرض عن قراءتها فوراً، محتسباً إلى الله على ما ابتُلي به النقد الأدبي من أناس يريدون أن يكونوا نقادا من دون بذل الجهد تفقهاً وتدرباً، وبلا أدنى محاولة في تطوير إمكانياتهم وشحذ قدراتهم، إن كانوا فعلا ذوي مواهب وقدرات حقيقية وكان لهم إحساس واع بالأدب ونقده.
إن حال الكاتب المتناقد، وهو يلخص النص الأدبي ويتخلص من عملية نقده بالاستعراض والفذلكة بلا موضوعية ولا علمية ولا مسؤولية، كحال ذاك الذي ينطح صخرة ليوهنها، لكن الصخرة هي التي ستوهن قرنه ومن ثم يصح القول لمن هو على هذه الشاكلة ( لن تكون ناقداً ولو نطحت الحائط).
فليس النقد متاحا لكل من أراد أن يكون ناقدا، كما أن النقد ليس تعلة ولا هو سُلّم يساعد على بلوغ مآرب شخصية غير ثقافية، وما من سبيل إلى إتقان النقد الأدبي سوى بالثقافة، التي بها يستطيع الناقد مواجهة النصوص الروائية والقصصية والشعرية، بكل ما فيها من مسارات وأفضية. ومن هنا أخذنا نشهد ظهور هؤلاء الكتبة بأساليبهم غير النقدية وهم يقرأون الأدب ويقيّمون الأدباء، وأكثرهم أصحاب استعراضات مقالية أو بالأحرى عرضالحجية. وكلما فُسح مجال النشر لهؤلاء الكتبة، وأُعطي لهم ما لا يستحقونه، ناء نقدنا الأدبي بحملهم أكثر بعد أن صاروا بسبب عددهم وتنوع فذلكاتهم يتزاحمون على منافذ النشر، مستولين على حق النقاد الحقيقيين ومغطين على جهودهم. وإذا كان هذا الذي قدمناه هو صورة أولى تنطبق أيضا على بعض الأكاديميين مدعي النقد، فإن هناك صوراً غيرها دعائية وفذلكاتية تتظاهر بالإبداع وهي تتقمص أدوار المبتكرين والبارعين تصنعا وادعاءً، وتدخل أيضا في باب الاستعراض الكتابي وبسببها يكسب ممارسوها صيتا أجوف وتباهيا فارغا بما هو ليس حقيقا فيهم.
وسنأخذ عينة واحدة بها ندلل على ما يتبعه الاستعراض المقالي من أساليب وفذلكات، والعينة هي كتاب (السرد المستحيل دراسات في السرد العربي) للدكتور حسن سرحان، وكالاتي:
1 ـ العنونة: يوحي العنوان (السرد المستحيل) أن المؤلف سيسلط الضوء نظريا على هذا المفهوم ثم سيطبقه إجرائيا (على السرد العربي) معتمدا استقراءات منهجية، ومتحصلا على نتائج وخلاصات موضوعية تصب في صالح ما يوحي به العنوان وما يدل عليه المعنون.. بيد أن الذي حواه متن الكتاب غير ذلك تماما، فالكتاب لا يتخصص في مفهوم بعينه، بل هو تجميع لـ(22) مقالة كُتبت في مناسبات مختلفة، وأوقات متباعدة لا هي بالتنظيرية ولا بالتطبيقية، بل هي انطباعية بلا منهجية ولا رؤية نقدية وتغلب عليها الذاتية ويطغى عليها الطابع الإنشائي. وأغلبها تستعرض النصوص بتقديرية تحتكم إلى المزاج القرائي، وفيها يهش المؤلف على هؤلاء وينش على أولئك جاعلا من نفسه خصما وحكما معا.
وإذا كان حسن سرحان يظن الجدة والابتكار في ما تضمنته ثلاث مقالات فقط من كلام عن الاستحالة والسارد المشكوك فيه، فإن المتخصصين لا يظنون، بل هم متيقنون من أن حسن سرحان في هذا واهم، لأن واين بوث وديفيد هيرمان وريتشاردسون وجان البر وغيرهم، هم أصحاب المفاهيم الحقيقيون. ولو ترك المؤلف الاستعراض وخفف من وطأة الإنشائية واكتفى بتسمية كتابه (مقالات في القصة والرواية) لرحم حاله وصدق مع نفسه وقرائه.
ومن دلائل تفكك الكتاب الفقر الواضح في المرجعيات غربيها وعربيها حول قضايا ومسائل سردية، وبسبب ذلك يخلو الكتاب من الهوامش والإحالات كما لم يضع المؤلف مسردا بمحتويات الكتاب.
2 ـ المقدمة: اتسمت بالقصر لكن ما فيها من الزهو والخيلاء جعلها متورمة أولا بوصف المؤلف الـ( 22) مقالة هذه بأنها (القسم الكبير مما نشره من مقالات) واستغرق في كتابتها (ست سنوات) وهذا يعني شحة عطائه.. ثانيا ادعاؤه القول بأن الموحد بين الدراسات ـ ويقصد المقالات ـ هو النظرية السردية، وهذا مجانب للصواب نظرا لطغيان اللغة الإنشائية واللامنهجية والإطلاقية التي بها غطى على خلو ما لديه من مفاهيم النظرية السردية واصطلاحاتها. وكثيرا ما تغدو لغة الأنا هي العدة في الاستعراض الكتابي احتكاما إلى المزاج الشخصي والتحامل والأغراضية والاتهام والتسفيه جزافا وعلنا كقوله: (شخصيات روائيينا عموما أشباح بلا روح، كائنات من ورق بلا أثر ولا وعي حقيقي وهي انعكاس.. لشخصية الروائي. لا يشذ عن هذه القاعدة إلا روائيون كبار من طراز نجيب محفوظ وحنا مينا والطاهر وطار والطيب صالح في «موسم الهجرة إلى الشمال» وجمال الغيطاني في «الزيني بركات» خصوصا) هذه مجانية منقطعة النظير في الشطب على عمالقة السرد العربي غائب طعمة فرمان، فؤاد التكرلي، إسماعيل فهد إسماعيل، غسان كنفاني، واسيني الأعرج، أميل حبيبي، وروائياتنا لطفية الدليمي ورضوى عاشور وهدى بركات وإنعام كجه جي وغيرهن، ممن لم يستطعن أن ينلن رضا ناقدنا طويل الباع.
وما من سبيل للمداراة على الفقر المعرفي والخلط المفاهيمي، سوى بلغة الأنا وإسقاط ما بنفس المتكلم على الآخر، ويظل التحامل متكررا بإسقاطية يزداد بروزها كلما تقدمنا في قراءة المقالات أكثر، كقوله: (أعرف أناسا نساء ورجالا سيجتهدون ويضيعون الكثير من وقتهم ووقت غيرهم ليثبتوا أن هذا العنوان موجود، ولست أنا أول من استعمله رغم أني لا أدعي ذلك) فلماذا يضيعون وقتهم ما دام يقر سلفاً بعدم عائدية المصطلح إليه ولماذا (نساء ورجالا) هل هناك حملة وطنية مثلا لقراءة مقالات كتابه؟
أما وسم (الدراسات) والصحيح (مقالات) بأنها من النقد المضاد، فتدلل على أنه نسي أنه عنون الكتاب بالسرد المستحيل. ولا خلاف أن النسيان سبب مهم من أسباب غياب المنهجية، التي تجعل أي مؤلف يقع في هفوات وسقطات تكشف عن مساوئ ونواقص منها اختلاط فهمه للنظرية السردية بالنظرية النقدية وحرج تطفله على النقد ونقد النقد، معتقدا أن النقد مفصول عن الأدب، قائلا (أؤمن بإمكان النقد أن يكون سببا لوجود نفسه إذ برأيي لا يحصل النقد على وجوده من الإبداع.. وهو موجود بلا واجد أو موجد).
3 ـ متن الكتاب: من يقرأ المقدمة القصيرة المتخمة بالأنا المتضخمة، ثم يشرع في قراءة المقالات واحدة واحدة، فسيصطدم بما في كل واحدة من طرح لا صلة له بالتي قبلها أو بعدها.. بل سيدهشه غياب الوحدة الموضوعية والعضوية في الكتاب، فمن مقالة تتناول الثيمة إلى أخرى تهتم بالمنفى وثالثة تتناول الشخصية.. بل في المقالة الواحدة أيضا، فمثلا تجد الكاتب يتحدث في الجنس والدين ناسيا السياسة، ومعتقدا أن ما يتحدث عنه جديد لم يأكل الدهر عليه، ولم يُستهلك دراسة وبحثا حتى عفا عنه الدرس النقدي، ليس الآن بل منذ زمن ليس بالقليل. أما المتخصصون فملّوا الفصل بين الشكل والمضمون، وما قيدته تنظيرات الغربيين من مسائل ومفاهيم في هذا الخصوص.
ويظل التفكك سمة مميزة بالانتقالات العشوائية والسريعة من الرواية العربية إلى الرواية العالمية، أو من قضية معينة إلى أخرى بعيدة عنها. وإذا حاول المؤلف عزل المقالات التي في الرواية عن تلك التي في القصة القصيرة، فالاستعراض فيها يظل واحدا بالانطباعات المتحاملة والمنتقصة والمتجاهلة لمنجزات الرواية العربية، التي يتحدث عنها الكاتب بشكل عمومي من دون تخصيص في رواية بعينها، لكنه في المقالات المخصصة لكاتب بعينه نجده يغير انطباعيته من التحامل إلى المجاملة.
ومن دلائل تفكك الكتاب الفقر الواضح في المرجعيات غربيها وعربيها حول قضايا ومسائل سردية، وبسبب ذلك يخلو الكتاب من الهوامش والإحالات كما لم يضع المؤلف مسردا بمحتويات الكتاب.
4 ـ أسلوب المقالات وطريقة ترتيبها: إن طغيان الانطباعية سمة عامة بأمرين: الأول تجاهل فاعلية القارئ وأهمية دوره كتبعة من تبعات الأنا المتعالية التي زاد طينها، بلة استعمال المؤلف كليشيهات جاهزة يكررها في كل مقالة مثل (أريد هنا الرجوع إلى الشأن ذاته/ ما يمكن أن أسميه/ وأنا هنا استخدمها كـ…/ سأركز في السطور الآتية.. وسأترك.. إلى مقال مقبل) وما شاكل ذلك كثير، إلى جانب الإخفاق في تحويل المقالات لتكون في صيغة كتاب، فلم تُرتب المقالات حسب تواريخ نشرها، كي يكون سهلا على القارئ معرفة ما جرى من تغيير فيها، وكي لا يؤاخذه حين يقرأ في أول مقالة قوله: (كنت قد تناولت في مقال سابق نشرته قبل مدة طويلة من الآن). والامر الثاني فقر التمثيلات السردية بسبب قلة الإلمام بتاريخ الرواية العراقية والعربية، وبما تقتضيه الفاعلية السردية من رؤى ووظائف لاسيما ما يتعلق بالاستحالة اللاطبيعية واستراتيجيات السرد غير الطبيعي، مما كان قد تناوله ونظَّر له ثلة من الباحثين والنقاد الغربيين، كنا قد عرَّفنا بمشروعهم في سلسلة مقالات في «القدس العربي» ووضحنا فيها بعض حواضنهم النظرية.
كاتبة من العراق