البندقية ـ «القدس العربي»: بعد عام من فيلمه «نظام جديد» الذي أدهشنا بقدر ما أخافنا وصدمنا، والذي حاز الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في مهرجان البندقية لعام 2020 يعود ميشيل فرانكو إلى البندقية بفيلمه الجديد «غروب» لينافس على الأسد الذهبي في المهرجان في دورته الثامنة والسبعين من (1 إلى 11 سبتمبر/أيلول الجاري)
«غروب» فيلم ينطوي على غموض كبير، أو ربما يمكننا القول إنه يجعلنا في حيرة من أمرنا إزاء شخصيته الرئيسية ونوازعها ونواياها. لا يقدم الفيلم إجابات شافية، لكنه يجعلنا نتساءل طوال الفيلم عما كنا سنفعله لو كنا في الحال ذاته.
يبدأ الفيلم في شرفة فندق فاخر أنيق في منتجع أكابلكو في المكسيك، وأسرة مكونة من صبي وصبية في سن المراهقة ورجل وامرأة، الجميع يرتدون ثياب السباحة، ويستمتعون بالشمس والمنظر الخلاب. يستمتع الأربعة بالشمس والبحر، لكن من شاهد «نظام جديد» لميشيل فرانكو يجلس مترقبا متربصا، فالعنف والصدمة في أفلام فرانكو عادة ما يأتيان بعد أجواء من الاحتفال والهدوء.
وفي «غروب» سرعان ما يتبدد الهدوء والاسترخاء، الشخصية الرئيسية في الفيلم هو نيل «تيم روث» وهو بريطاني خمسيني نعتقد للوهلة الأولى أنه مع زوجته وابنيه في عطلة في المنتجع المكسيكي. تبدو المرأة، التي نعلم أنها أم الصبيين ونعتقد أنها زوجة الرجل، مستمتعة بالشمس باسمة، لكن اتصالا هاتفيا يقلب الموازين. تتلقى المرأة اتصالا يعلمها بتدهور حالة أمها الصحية واحتضارها. وهنا على الفور تقرر المرأة في جزع واضطراب كبيرين إنهاء العطلة والسفر هي وباقي أفراد الأسرة على الفور لتكون بالقرب من أمها.
يجمع الجميع حقائبهم في عجل ويهرع الجميع إلى المطار. يبدأ الأربعة بإتمام إجراءات السفر، لكن نيل يفاجئ الجميع بأنه لا يستطيع العثور على جواز سفره، وربما يكون قد نساه في الفندق، ويطلب من الثلاثة المغادرة على الفور، على أن يلحق بهم فور العثور على جواز سفره.

لكننا نكتشف أن نيل لم يفقد جواز سفره قط، وأنه كان في حقيبته طوال الوقت. فور مغادرة الثلاثة نشعر بأن عبئا قد أُبعد عن كاهل نيل، ونراه يستقل تاكسي إلى فندق، لا يهم أي فندق، في أكابولكو. وينتقل إلى فندق رخيص حقير بالقرب من الساحل في أكابولكو. يبدو لنا نيل راغبا في العيش كسائح دائم، لا يود أن يتكبد عناء التفكير بالأسرة، ولا يود تحمل تبعات ومسؤوليات، ولا يود سماع أنباء عن الفجيعة الأسرية، ولا يود أن يكترث بشيء. يبدو لنا نيل راغبا في العيش بلا ذاكرة عن الماضي، وبلا اكتراث حقيقي بما يحدث حوله. يود فقط احتساء البيرة والنظر إلى البحر. تتواصل الاتصالات الملحة إلى هاتف نيل وتتواصل الرسائل مطالبة إياه بالعودة، لكنه يواصل تجاهل كل شيء. ربما هي رغبة من نيل في الانسلاخ من كل شيء، في التجرد من كل الأمور، في العيش غريبا سائحا.
ثمة التباس متعمد يتركنا فيه فرانكو عن ماهية العلاقة بين نيل والمرأة والصبيين. يتركنا فرانكو لنعتقد أن المرأة هي زوجة نيل والفتى والفتاة هما أبناه، أو ربما هي زوجته السابقة أو صديقته. لكننا نكتشف لاحقا إنها شقيقته، وإن الصبيين هما ابناها، وأن المرأة المحتضرة هي والدته. ربما يريد فرانكو أن يعطينا الانطباع بأن نيل لا يريد صلات أسرية أيا كانت، لا يريد زوجة أو شقيقة أو أما، لا يريد التورط في مسؤوليات عائلية. يود فقط التحديق في اللاشيء. لا يدين الفيلم نيل ولا يتعاطف معه أيضا. يقدم لنا شخصيته دون أي تفسير لرغبته في البعد عن أي شيء. ربما يعكس الأمر ذاته رؤية نيل شخصيا للأمر، فهو لا يكترث حقا بنظرة الآخرين له أو لتقييمهم لابتعاده واعتزاله الحياة.
لا نشعر بأي حميمية إزاء نيل، فنحن بعيدون عنه، وهو يحرص على إبقاء الجميع بعيدين عنه، وعما يعتمل في داخله. ويحرص فرانكو على منح نيل المساحة التي يطلبها والعزلة التي يرغبها. لا ننفر من نيل قط، لكن العزلة التي يفرضها حول نفسه تزيد من رغبتنا في معرفته. هو فيلم مكثف للغاية، لا يزيد حواره عن جمل قليلة موجزة، لكنه يترك فينا أثرا بالغا.
تمر الحياة أمام نيل دون أن يكترث لها. يرى عنف أكابولكو، ويُقتل شخصان أمام عينيه على الشاطئ، دون أن يثير الأمر أي اضطراب أو قلق في داخله، يُسرق متاعه فلا يكترث أيضا لذلك. يبدو لنا أنه لا يرغب إلا في التحديق الفراغ. يتعرف على فتاة يمارس معها الجنس، ويواصل في تجاهل الاتصالات الملحة عن جنازة أمه. لا يبدو نيل مهتما بتفسير نوازعه لأحد، ولا يبدو شاعرا بالذنب، أو مغتبطا بتجاهل موت أمه والتياع أخته. هو فقط لا يكترث بشيء.
بعد مضي نحو ثلثي الفيلم تتضح بعض الحقائق عن نيل، وتقدم لنا بعض التفسير لعزوفه عن كل شيء. يتبدى لنا أنه من أسرة ذات ثراء كبير، ويتضح لنا في بعض المشاهد أنه يبدي تقززه من مصدر هذا الثراء. هو لا يريد هذه الثروة الطائلة وما تحمله من مسؤوليات لا يريدها. في زهد وجودي يتنازل عن ثروته لاخته وابنيها، وتصر شقيقته على حصوله على دخل شهري يضمن له عيشا رغدا إن أراد. لكنه لا يريد، ويقنع بعيش الغريب الذي ينأى بنفسه عن الحياة ومتاعبها. تمر الحياة والأيام دون اكتراث منه، لا تعنيه سرقة متاعه، أو الاشتباه به في جريمة ولا يعنيه العنف الذي يشهده المكسيك. إنه اللامنتمي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، لا ينتمي لبلد أو عائلة ولا تسيطر عليه مشاعر.
لا يقدم فرانكو إجابات شافية لأسباب اختيار نيل لتلك العزلة واختياره العزوف عن كل شيء، لكن ما نشعر به حقا هو أن الحصول على هذه الروح التي لا ترغب في ما يزعج والتي تبعد عن صخب الحياة أمر يشتهى حقا.