القاهرة ـ «القدس العربي»: مرّت منذ أيام ذكرى رحيل نجيب محفوظ (11 كانون الأول/ديسمبر 1911 ــ 30 آب/أغسطس 2006) والذي يُعد من أكثر الكُتاب المصريين والعرب تأثيراً في الرواية العربية. ولكن، ماذا عن الجانب المسرحي في إنتاج محفوظ الأدبي؟ والأمر هنا يتعلق أولاً بما كتبه محفوظ نفسه من نصوص مسرحية على قِلتها، لها سمات خاصة تكاد تجمعها، وثانياً تناول أعمال محفوظ الروائية أو القصصية في عرض مسرحي. وسنحاول الاقتراب من مسرح الرجل، أو الشكل المسرحي الذي تناول أعماله.
المسرح
بداية لم يكتب محفوظ نصوصاً مسرحية ضمّنها إصدارات خاصة بكتاباته المسرحية ــ بخلاف تجربة دار الشروق ــ ولكنها صدرت بين مجموعاته القصصية، مُنحصرة في ثماني مسرحيات قصيرة، أولها عام 1967 وآخرها عام 1979. هذه التواريخ ذات الدلالة طبعت الأسلوب والنهج المسرحي الذي اتبعه محفوظ. ففي عام 1967 صدرت المجموعة القصصية «تحت المظلة» وضمت نصوص «يميت ويحيى، التركة، النجاة، مشروع للمناقشة، والمهمة». وفي عام 1973 أصدر مجموعته «الجريمة» واحتوت نصا مسرحيا وحيدا بعنوان «المطاردة». وفي عام 1979 صدرت مجموعة «الشيطان يعظ» لتضم مسرحيتين، إحداهما تحمل اسم المجموعة، حيث استوحى موضوعها من عالم ألف ليلة وليلة، والثانية بعنوان «الجبل».
لماذا هذا الاتجاه؟
وبخلاف الطابع الحواري الدرامي لهذه النصوص، حاول البعض تفسير اتجاه محفوظ للمسرح، فذكر الناقد عبد الغني داود على سبيل المثال في دراسة حول تصريحات محفوظ في مجلة «الهلال» عام 1970 قائلاً إن محفوظ صرح أنه ليس كاتباً مسرحياً، وأنه لن يُعاود الكتابة للمسرح في المستقبل، وكتب تلك النصوص المسرحية تحت إلحاح اللحظة التاريخية ليواكب الأحداث المتلاحقة بعد هزيمة يونيو67. ويُضيف عبد الغني بأن انعطاف محفوظ إلى مسرح اللا معقول وتقنياته التي وظفها في تلك النصوص هي في الحقيقة تختلف عن هذا المسرح لاعتماده كلية على الحوار، بينما هذا الحوار يُهمّشه مسرح العبث، ويتقلص فيه إلى مجرد ثرثرة. فمفهوم العبث للوجود هو الأهم، وليس كتابة العبث ذاته هو المغزى (راجع هدى توفيق. الحوار المتمدن. 15 حزيران/يونيو 2015)
ويرى الشاعر والناقد جرجس شكري أن مسرح العبث كان الشكل الأمثل للهزيمة، كان الإحساس الصادق والحقيقي للجميع بعبثية كل شيء، وبالتالي لا بد من التعبير عن هذه اللحظة بما يناسبها، وهو مسرح العبث الذي يعبّر عن إحساس بالصدمة نتجة لغياب القيمة وفقدان اليقين، وغياب الأسس التي تقول إن للعالم معنى وأن الحقيقة ثابتة وراسخة، فلا معنى، ولا حقيقة ولا رسوخ، وأن الأعمال المُحكمة الصنع وليدة المعتقدات الواضحة المطمئنة، والقناعات الراسخة، وهذا ما سقط ولو بشكل مؤقت بعد الهزيمة، فكتب محفوظ نصوصاً تعبّر عن هذه المرحلة، نصوصاً تهزأ بجميع المعايير ليس فقط الفكرية بل والفنية، وتسخر أيضاً من تقنيات الكتابة الراسخة. (راجع جرجس شكري. الإذاعة والتلفزيون 11 آب/أغسطس 2020).

المسرحة
على الجانب الآخر نجد العديد من روايات محفوظ الشهيرة وبعضا من قصصه تحولت إلى المسرح، حتى أن بعض هذه الأعمال تم تقديمه عدة مرّات، فرواية «زقاق المدق» تم عرضها عام 1958 من إعداد أمينة الصاوي وإخراج كمال يس، وأداء فاطمة رشدي، وكمال يس، ومحمد رضا، وعبد المنعم مدبولي، وسهير المرشدي. وأُعيد تقديمها مرّة أخرى في الثمانينيات من إخراج حسن عبد السلام، وأداء معالي زايد، وصلاح السعدني، وسيد زيان. ثم مسرحية «بين القصرين» ــ أول أجزاء الثلاثية ــ من إعداد أمينة الصاوي وإخراج صلاح منصور، أداء، محمد أباظة، وفاطمة رشدي، وآمال زايد، وميمي جمال. وتأتي أشهر هذه الروايات تقديماً على المسرح «بداية ونهاية» وقد تم تقديمها ثلاث مرّات، أولها عام 1960 من إعداد أنور فتح الله، وإخراج عبد الرحيم الزرقاني، ثم أعيد عرضها عام 1976 بإعداد أحمد عبد المعطي، وإخراج فتحي عبد الحكيم، ثم عرضت للمرّة الثالثة عام 1986 اعتماداً على إعداد أنور فتح الله وأخرجها عبد الغفار عودة، وضمت العديد من فناني السينما، فريد شوقي، ومحمود يس، وكريمة مختار، وحسين فهمي، ويسرا، وشهيرة، وأبو بكر عزت، وفاروق الفيشاوي، ونجوى فؤاد. وللأسف لم تنجح كالعرضين السابقين، ويُقال إن إيراداتها ذهبت للحكومة من أجل سداد ديون مصر! ثم توالت العروض المسرحية لأعمال محفوظ، ومنها «قصر الشوق» و«اللص والكلاب» 1961 و«قهوة التوتة» ــ عن قصة الخوف ــ و«بلاغ كاذب» 1962 و«خان الخليلي» 1963 و«همس الجنون» 1964 و«ميرامار» 1969 و«القاهرة 80 « ــ عن رواية يوم قُتل الزعيم ــ عام 1985 و«قسمتي ونصيبي» و«حارة العشاق» 1986 و«ثرثرة 90» عن رواية «ثرثرة فوق النيل» عام 1990.

الألفية الجديدة
ولم تنضب أعمال نجيب محفوظ أو تبتعد عن تناولها مسرحياً في الألفية الجديدة، فتم تقديم عدة روايات أو أعمال مسرحية تستوحي شخوص هذه الروايات، حاول مُعدّوها تأويل هذه العوالم وأصحابها، ولنتوقف عند عرضين قُدّما في الأعوام القليلة الماضية، أولهما «شقة عم نجيب» تأليف سامح مهران وإخراج جلال عثمان، إنتاج عام 2018. وهنا يتم استحضار شخصيات متنوعة من أعمال نجيب محفوظ، تمثل أغلبيتها فساداً اجتماعياً، وبالتالي تصبح كالأشباح داخل شقة يسكنها زوجان بالمصادفة، ليتضح أنها شقة نجيب محفوظ، وكل من هؤلاء الشخوص يحاول وضع الزوجين في اختبار أخلاقي، سي السيد، وطلبة مرزوق، وريري، ومحجوب عبد الدايم وعلي طه. وما بين قواد كل العصور ــ الشخصية الأقرب لروح النص ــ والثوري الحالم، المحبوس داخل إطار صورة معلقة على الحائط، تتم محاولات جذب سعدية وعباس إلى عالم كل منهم. ولكن تبدو الشخصيات أقرب شكلاً ونمطاً لما تم تشكيله من خلال السينما، ومعروف تماماً لكل مَن اطلع على هذه الشخصيات في النص الروائي الفارق الشاسع بينها وبين وجودها من خلال فيلم سينمائي. ويبدو أن الكاتب استسهل هذه الشخصيات وساعد على تنميطها كما ترسخت في وعي المشاهد، لا القارئ.
أما المثال الثاني فكان العرض المسرحي «أفراح القبة» إعداد وإخراج يوسف المنصور، إنتاج عام 2020. وقد كتب محفوظ الرواية عام 1981 لتكشف عن فترة ضالة عاشتها مصر ولم تزل تحيا في ظلها. وكعادة كتابات الرجل تأتي الأحداث والتحولات السياسية الحادة منعكسة على الشخوص في محيطها الاجتماعي والنفسي، وهي المسيطرة والمتحكمة تماماً بمصائر أصحاب الحكاية. حاول العرض تجسيد الحالات النفسية للشخصيات، باحثاً عن مبررات لتصرفاتها، هذه المبررات التي تظهر عندما يتم عرض المسرحية كما كتبها مؤلفها ــ عباس ــ فكان اعتراض الشخصيات عما يدور على الخشبة، فالأب والأم يجلسان الآن بين الجمهور، ليُشاهدا إنجاز ابنهما المؤلف، إلا أن كل منهما يعترض على ما يحدث، ويصعد ليحكي الحكاية من وجهة نظره، معللاً ومفسراً سبب سلوكه المشين الذي أذاعه عباس على الملأ، هنا يعمل العرض على فكرة كسر الإيهام ــ كسر نسبي ــ ليذكّر الجمهور بأن ما يحدث عبارة عن عرض مسرحي، لكن الحقيقة ــ النسبية بدورها ــ غير ذلك. فالأمر لا يُعد تخاريف وادعاءات مؤلف موتور لمقتل زوجته.
الأزمة الكبرى في العرض رغم تناغم أداء الممثلين والإضاءة والديكور، وهو أمر يُحسب لمخرج العرض لقدرته على توظيف مثل هذه العناصر، هو نهاية المسرحية، والتي جعلها محفوظ مفتوحة من خلال قاتل غير معروف، ليأتي العرض المسرحي ويجعل من (سرحان الهلالي) ــ نموذج عصر الانفتاح ــ هو صاحب اللعبة بالكامل، وكأنه إله الشر الأوحد!
وأخيراً وليس آخراً، ومنذ أيام تم تقديم العرض المسرحي «زقاق المدق» على مسرح محمد عبد الوهاب بالاسكندرية، وفي شكل كوميديا استعراضية.