«شارلي إيبدو» في طبعتها التونسية

حجم الخط
13

«لقد اعتدي على الجمهورية كلها» تلك كانت أولى كلمات الرئيس الفرنسي معلقا على ما جرى صباح الأربعاء الماضي السابع من يناير/ كانون الثاني داخل وخارج مقر صحيفة «شارلي إيبدو» الباريسية، بمقتل الصحافيين ورجال الشرطة.
يوم واحد بعد ذلك أعلن اولاند حدادا رسميا على الضحايا، وخرجت صحيفة «لوفيغارو» الفرنسية ذات الميول اليمينية المعروفة لتنعى بالخط البارز وعلى صدر صفحتها الأولى ما وصفته «بالحرية المقتولة». مدير التحرير كتب بدوره افتتاحية في العدد نفسه تحت عنوان «الحرب»، رأى فيها أن ما تواجهه فرنسا هو» حرب حقيقية يشنها التطرف الإسلامي ضد الغرب واوروبا وقيم الديمقراطية». ولم يكن خافيا أن مثل ذلك التوصيف لم يصدر من فراغ أو من باب الصدفة، فقد تسابق الكثيرون داخل وخارج فرنسا لتقديم عملية «شارلي إيبدو» على انها شكل جديد وغير مسبوق لمواجهة تاريخية مفتوحة وطويلة بين «الحضارة والبربرية»، بحسب التعبير الذي اختاره الرئيس السابق نيكولا ساركوزي عن سابق تصميم وقصد.
اما معظم خبراء الاستراتيجية والمختصون في الارهاب والذين ظهروا بشكل متواتر ومكثف واحتلوا شاشات التلفزيون، مثلما يحصل في الغالب في المناسبات الشبيهة، فلم يكونوا استثنائيين أو خارجين عن الصف العام، ولم يدر بخلدهم ولو للحظة ان يعاكسوا التيار القوي ويقدموا روايات مغايرة تتعدى النص العام وتتجاوز حدود شعار «الوحدة الوطنية ضد الإرهاب» الذي كرروه باستمرار على مسامع الجمهور، مع مسحة تراجيدية مصطنعة من الخوف والبكاء على الحريات والحقوق المهددة بالانقراض، في حال لم يتم القضاء على الارهابيـــين واجتثاثهم في اسرع الاوقات.
وفيما كانت برقيات التضامن والتنديد والويل والثبور لاشباح الارهابيين تتهاطل على عاصمة الأنوار، وجهت قناة فرنسا 24 طلبا مبطنا وغير مباشر للتونسيين بأن يستعدوا ليكونوا طرفا في الحرب الفرنسية باسم الحريات. فتونس صارت نموذجا واستثناء عربيا ناجحا، وقطعت شوطا مهما للدخول الى نادي الديمقراطية العريق والمغلق، لكنها الان صارت مطالبة اكثر من غيرها بدفع رسوم العضوية بلا تردد أو تأخير وحسم الأمور بالانحياز بوضوح للجهة التي تحمي الحرية والديمقراطية وتدافع عنها، وإشهارالحرب بالمقابل بوجه اعداء تلك الحرية والديمقراطية.
لم تقدم القناة تفاصيل أو معلومات دقيقة موثوقة المصدر، لكنها أشارت باقتضاب واستنادا الى واحد من مراسليها في ليبيا، إلى ان ما يعرف بفرع تنظيم «داعش» الليبي قد قام بإعدام مدون ومصور تونسيين، فُقد الاتصال بهما منذ اكثر من مئة يوم داخل التراب الليبي. ما ذكرته القناة دفع الإعلام المحلي لدق طبول الحرب على الشكل والإيقاع ذاته، الذي دقت به الطبول الفرنسية فور عملية «شارلي ايبدو». التثبت أو انتظار الأدلة، فضلا عن البحث عن ملابسات الموضوع لم يكن متاحا أو مسموحا به، لأن آخر شيء خطر ببال الماسكين بدولاب الآلة العتيقة كان احترام المهنية وذكاء الناس، فضلا عن الحرص على حمايتهم وصيانة علاقة تونسية ليبية وثيقة ضاربة في جذور التاريخ والجغرافيا واللغة والدين، لا يمكن نسفها وتخريبها لسبب أو لآخر. فبعد دعوات صادمة أطلقها صحافي مغمور سبق ان قدم ترشحا شكليا لانتخابات الرئاسة، بالتهديد باجتياح بري لليبيا من أجل القضاءعلى الارهاب الذي يقض مضاجع التونسيين، ها هو الباب يفتح الان مجددا لدعوات اخرى قد لا تقل غرابة واستفزازا، بتلميح بعض الإعلاميين إلى أن المليوني ليبي المقيمين بتونس يمكن استخدامهم وتحويلهم الى ورقة ضغط ومساومة بأيدي السلطات في ملف الرهائن التونسيين المحتجزين داخل ليبيا.
لم يتضح بعدها ان كانت السلطات التي اعلنت عن اجتماع خلية الازمة المكلفة بالوضع الأمني قد استجابت بشكل من الأشكال لمثل تلك الدعوات الخطيرة والكارثية، لكن آخر بيانات الخلية حمل جديدا هذه المرة، فبعد أن شدد على «دعوة الحكومة الليبية الى تحمل مسؤولياتها كاملة لضمان سلامة أي مواطن تونسي داخل التراب الليبي ومزيد التنسيق مع دول الجوار والبلدان الشقيقة والصديقة على المستوى الأمني والاستخباراتي في الموضوع»، نبه في نقطة ثالثة الى ان الخلية «لن تسمح بالإفلات من العقاب لكل طرف متواطئ مع الارهاب، ومن اي جهة كانت داخل تونس أو خارجها، وكل من يمس أمن البلاد وسلامة مواطنيها داخل ارض الوطن او خارجه».
في الأثناء لم تفوت الفرصة لاستغلال ملف المحتجزين من أجل كسب نقاط إضافية داخل الساحة المحلية، فقد استقبل الرئيس الجديد الباجي قائد السبسي افرادا من عائلات المدون والمصور في قصر قرطاج لتخرج بعد ذلك والدة واحد منهما بتصريح صحافي لجريدة «الصباح» تذكر فيه أن «المعلومات المتوفرة لدى الرئاسة تفيد بأن نذير وسفيان مازالا على قيد الحياة» وانها تشعر»للمرة الاولى بصدق السلطة». أما السفير الفرنسي في تونس فقد شدد في حديث الى اذاعة شمس على «ان تونس وفرنسا تواجهان التحدي نفسه وانه ينبغي عليهما جمع قواتهما وشعبيهما لمواجهة الارهاب».
لم يعد الامر اذن مجرد اختطاف أو فقدان لتونسيين، بل صار حربا مقدسة تستدعي، مثلما يقول السفير، جمع القوات والشعب. لكن من اجل ماذا بالضبط والى اي وجهة سوف ينطلق الحشد؟
بيان خلية الأزمة المذكور لمح الى زيادة التنسيق الامني مع مصر والجزائر وحتى دول خليجية اخرى، بحسب ما تذكره الصحافة التونسية، لكنه لم يوصد الباب تماما أمام فرضية مشاركة محتملة في عمل عسكري داخل ليبيا من اجل مقاومة الارهاب. لا تملك تونس بالطبع جيوشا جرارة تسمح لها بالمغامرة بدخول المستنقع الليبي بشكل منفرد أو حتى جماعي ولكن الامور قد تأخذ ابعادا اخرى.
فبعد مظاهرة الأحد الماضي في ساحة الجمهورية، التي قدمها الاعلام في فرنسا بشكل قد لا يختلف كثيرا عن اعلام الجنرال السيسي سيئ الصيت وتزاحم فيها قادة عرب واجانب مع مجرم الحرب بنيامين نتياهو، من اجل الظهور في الصفوف الاولى بكاء على «شارلي» والحريات، تحولت باريس بقدرة قادر الى «عاصمة للعالم» مثلما قال فرنسوا اولاند مفتخرا بانجازه البطولي الخارق وصار بوسعها بعد ذلك الانجاز ان تعيد ترتيب خريطة العواصم الاقليمية وفقا لارادة وتصور خبرائها المشتغلين على الجغرافيا.
وفقا لذلك التصور فتونس ليست مجرد بلد صغير محدود الموارد ومشدود بشكل صارم ووثيق الى اقتصاد اوروبا، بل هي البوابة الفرنسية المثالية في الشمال الافريقي، وما يطلب وينتظر منها في المرحلة المقبلة لن يكون بسيطا وهينا. فالفرنسيون ومن ورائهم كل قوى الغرب ترى ان للبلد ادوارا متقدمة لا في الترتيبات العسكرية بفتح التراب والمجال الجوي امام عملية محتملة في ليبيا فحسب، بل في تقديم نموذج لما تطلق عليه فرنسا بـ»الاسلام المعتدل» في مقابل «الاسلام الراديكالي»، وهنا بالضبط مربط الفرس و»بيت القصيد». فليس من باب الصدفة اذن ان يقابل بيان وزارة الشؤون الدينية حول عملية «شارلي ايبدو» بهجمة اعلامية ضارية لمجرد انه اشار بعد ادانة القتل واستباحة الدماء الى انه «يهيب بوسائل الاعلام في جميع انحاء العالم ان تحترم اخلاقيات المهنة الصحافية وتتجنب المساس بالاديان والشرائع والتعرض للمقدسات، بما من شأنه اثارة المشاعر»، فما تفضله فرنسا ومن ورائها كل انصار شارلي في الشرق والغرب امر واحد لا غير، وهو ان ينفصل التونسيون ثم العرب بالكامل عن الاسلام حتى يستلموا شهادات البراءة من الارهاب والبربرية، ويدخلوا عالم الحضارة والمدنية مثل غيرهم، وتكتب حينها «لوفيغارو» وغيرها، ان الحرية قد عادت الى الحياة بعد ان صار الجميع «شارلي». لكن أمنيات الفرنسيين واحلامهم تلوح بعيدة جدا بعد «شارلي» عن الحرية وديمقراطيات الغرب عن جميع الشعارات الانسانية التي صارت بفعل جرائمهم ومجازرهم خاوية على عروشها بلا حس ولا معنى.

٭ كاتب وصحافي من تونس

نزار بولحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية