استضافة «المعتمد بن عباد» في المغرب… انتصار للقصيدة والشعراء

حجم الخط
0

في عالم تهتز فيه القيم وتحتشد فيه الأفكار بعيدا عن الحقائق، يُكتب لنظرية الأدب أن تغتني بمجهودات مفكرين وإضاءات أدباء ونقاد، لتعيد ترتيب ما شاب التاريخ والحياة عامة من نسيان ومكر. تتكوكب هذه المجهودات لتلفت الانتباه إلى الأنساق الثقافية والفكرية الخبيئة في تجاويف تاريخ الأدب، من خلال إعادة قراءة هذا التاريخ بوصفه جزءا من تاريخ الإنسانية الذي ساهم في إغنائه أدباء وشعراء من مختلف الحقب. في هذا المساق يأتي كتاب «المعتمد بن عباد ضيفا على المغرب» الصادر عن مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية – مدى- جامعة الحسن الثاني (2014)، لوجاهة المقاربة التي يقدمها وما استدعته من مناهج ولغة واصفة، والقدرة على استحضار حياة المعتمد بن عباد، الشاعر والحاكم والأسير. وما اعتمل في أضعاف هذه المرحلة التاريخية العصيبة وإنتاجه الشعري من أحداث وإلماعات يمكن الاعتداد بها لفهم قصد هذه الاستضافة ودلالاتها.
يتوزع الفضاء النصي للمؤلف النقدي على (210) صفحات، يركز فيه الباحث جهده لإعادة قراءة تاريخ الأدب في عهد المعتمد بن عباد من خلال بنية كالآتي: بين يدي الكتاب، ابن عباد ضيفا على المغرب، الوقوف على قبر المعتمد بن عباد، ديوان الأندلسيات المغربيات، المغربيات من قصائد المعتمد، المغربيات من قصائد الوافدين على المعتمد، بين يدي الخاتمة/الفاتحة.
قراءة في العنوان وخطاب المقدمة/الخاتمة: نقطة التفارق في المؤلف النقدي تبدأ بعنوانه، إذ أن هذه العتبة ماكرة تحمل عكس ما توحي به من دلالات، خاصة أنه من كرم الضيافة أن يكرم الضيف ويحتفى به إطعاما وترحيبا وإقامة، أخذا بما عرف عن العرب في هذا الباب، لكن الضيافة كانت أقصى ومحنة الوجود بأغمات كانت أعمق. لأن المتعمد جاءها أسيرا ولم يستقبل كحاكم وراع لصورة الدولة المرابطية والإسلام في الأندلس. هنا الضيافة تغدو إهانة أو مراقبة لحاكم أزعج يوسف بن تاشفين، لذلك ألا يمكن اعتبار هذا الأسر استضافة للأندلس في شخص المعتمد؟ ألا يغدو الأمر شبيها بمركزة السلطة بأغمات ترهيبا لما تبقى من ملوك الطوائف بالأندلس؟ هذا ما تلمح إليه المقدمة التي تستحضر شهرة المعتمد وتماس العديد من العوامل تفسر أسره، عوامل يتداخل فيها السياسي بالأدبي والديني والثقافي والجغرافي.. لكن حدث أسره ساعد على التواصل بين من خالطوه من أدباء بالمغرب والأندلس والمشرق. والنقطة المشرقة في هذا كله ما تورده الخاتمة التي اعتبر فيها الباحث الأندلس قضية حضارية وفي قلبها المعتمد ستساعد على الوعي بهذا البعد الممتد للأندلس في الوجدان والمتجذر في الهوية الوطنية، إنه التعدد المطل على أفق إنساني.
الكتاب في شقه العالم: يتيح لنا الفصل الأول من الكتاب معرفة ظروف أسر المعتمد وعلاقته بيوسف بن تاشفين، التي يمتزج فيها الشخصي بالجغرافي والسياسي والديني والثقافي واللغوي. لقد اعتبر بن تاشفين نفسه حاميا للدين والتاريخ الإسلامي ضد النصرانية ومدافعا عن قيم الفخر، لذلك هدفه هو هزم ملوك الطوائف لامتلاك رقعة جغرافية كبيرة تسمح له بمنافسة المشارقة. وما سيق حول المعتمد وإهانته للمرابطين بامتناعه عن مساندة المرابطين في معاركهم، وإدانة حكمهم ودفعه الجزية لأدفونش، ما يجعل حياته شبيهة بما عاشه أبو فراس الحمداني والمتنبي. ونظرا لما تميز به المعتمد من صفات للجمال والشجاعة والبلاغة والكرم.. جعل حياته تكتسي طابعا أسطوريا اختلط فيها الواقع بالخيال، كما تجلي ذلك في رؤاه وأحلامه التي تجعل منه شخصية متفردة تتمتع بألوان الغرابة والتعجيب. هناك مصادر كثيرة تغذي قوة المعتمد التي لقيت تعاطغا كبيرا ما كان له أن يحصل لو أن الحاكم الشاعر قُتِل.
من هذه المصادر، المصدر المشرقي والنزعة الوكنية الأندلسية والمصدر المولوكي والشخصي، والشاعرية التي أتاحت له اللقاء بأغمات التي جاءها عبر طنجة ومكناسة مع شعراء مثل ابن اللبانة وابن الخطيب الذي كانت نهايته صعبة. هكذا يكون المعتمد بن عباد قد لقي تعاطفا كبيرا من الأدباء الذين كان يكرمهم. وقد تعددت الروايات في تعامل يوسف بن تاشفين مع المعتمد، هناك من رجح الإهانة وأن أبناءه قد قُتلوا وسُلبوا ما كان يملكونه، وأن ابنته غدت غازلة صوف، ورواية أخرى أكدت معاملته معاملة طيبة، إذ سمح للطبيب والأدباء بزيارته، ممن خالطوه من الأدباء كالشاعر ابن اللبانة كما ينقل ذلك عبد الواحد المراكشي في المعجب. وقد كانت محنة المعتمد تزداد بعد مغادرة الأدباء والأسرى، خاصة أهل فاس ممن شاركوه المحنة نفسها. يفتح المؤلف النقدي بابا لمعرفة التناقض الذي يعتري الهوية المغربية الأندلسية، حيث يبدو المغرب بكل أحيازه فضاء للسلب وتناسل الأحداث الدرامية، إذ كانت ظروف الأسر فرصة لاستحضار علاقة المعتضد بالمرابطين وجموحهم نحو السلطة «وقصة «حديقة الرؤوس» وعلاقة المعتمد بالشاعر ابن عمار الذي سيقتله المعتمد في حادث درامي ويصلي عليه ويحرص على دفنه بالقصر المبارك بعد أبيات نظمها في هجاء عائلة المعتضد. وإذا المغرب قد رأى في حكم المعتمد خطرا يهدد الدين والمرابطين من الطوائف، فإن الأندلس كانت ترى في نفسها نقاء الهوية الوطنية العربية الأرستقراطية. أما المغرب حسبما تنقله المصادر وأشعار من خالطوا المعتمد فضاء للنفي والاغتراب والبرابرة والموت والفجيعة. لهذه المترتبات في سوء الفهم يدعو المؤلف إلى إعادة قراءة الحالة المغربية الأندلسية في بعدها الإثني والتاريخي والفني والثقافي، ما يمنح الموضوع غنى وعمقا.. وقراءة المعتمد بين أهله وفي بلده المغرب/الاندلس.
في الفصل الثاني تتعمق دلالة الأسر والوقوف على قبر المعتمد، إلى البكاء على دولة بني عباد، إذ يغدو قبر المعتمد قبلة للأدباء والشعراء والضيوف الذين جمعتهم القصيدة بجمالها ورقتها. إنها القصائد المغربيات التي نظمها المعتمد أو الشعراء الذين زاروه.. وقد تراوحت موضوعات هاته المغربيات رثاء المدن والإمارات وما آلت إليه أوضاع الممالك مع حركة الاسترداد وسقوط طليطلة وتنامي مد هذه الحركة في هزيمة «العقاب». أغلب موضوعات هذه القصائد كان الرثاء والمدح والكرم والوصف والحنين والافتخار بالأمجاد والبكاء، كما حملت ذلك قصائد ابن زيدون، ابن عمار، الحصري، ابن الخطيب، ابن اللبانة، ابن عبد الصمد، ابن حمديس… وارتباط هؤلاء الشعراء بالمعتمد كان»له أكثر من تجل شعري في قصائدهم. وإذا كان الماضي شاهدا على حدبه، فإن المستقبل لن يشذ عن ذلك، في سياق ترقب عودة الملك» ص 123. ويستطيع الباحث أن يتوقف مع صاحب الكتاب عند دراسات نصية للمغربيات وما تضمره من أبعاد إنسانية وفنية تزيد من تقريب صورة المعتمد وعلاقته بأدباء عصره وما تميز به زمانه من فجائع ظل فيها المعتمد علامة ومحجا لكل صفات الشاعرية والكرم والشجاعة والفخر.
ملحق القصائد المغربيات الاندلسيات: تجسدت في أغلب القصائد التي نظمها المعتمد (44 قصيدة) موضوعات التحسر والحنين والبكاء والغربة والمدح والقناعة والصبر والتفاؤل.. وهي قصائد تتيح قراءة المعتمد والعصر قراءة أخرى.
المغربيات من قصائد الوافدين على المعتمد: اختار المؤلف أن يدرج ضمنها قصائد أبو بكر اللبانة، وابن حمديس، وأبو بكر بحر بن عبد الصمد، أبو عبد الله بن ابراهيم، أبو العلاء بن زهر.. وهي قصائد تذكر بأخلاق المعتمد والتحسر على ما آلت إليه أوضاعه.
المصطلح النقدي وتعدد المقاربات: يجلي المؤلف حضورا لتعدد المرجعيات، توزعت بين مجال المعرفة الأدبية والنقدية، ساهمت في توفير جهد نقدي انصهر فيه العديد من القضايا النقدية تجاوزت حدود اعتبار استضافة المعتمد استضافة أسير إلى استضافة تاريخ وأدب وأدباء وثقافة امتزجت فيها مكونات الهوية المغربية العربية الإسلامية، حيث ارتبطت تجربة المعتمد بالأسر والاغتراب والرثاء والتحسر الفخر والحنين، الوصف… في هذا المساق كان الباحث أكثر انفتاحا على مقاربات مختلفة، كالمنهج التاريخي والاجتماعي والموضوعاتي، والنقد الثقافي والنقد الفني… مع ما تميز به المنزع التحليلي من دقة وتماسك وبساطة في التركيب وتفصيل ومقارنة واستشهاد وتمثيل، واستناد إلى عيون ومصادر الأدب الأندلسي والمغربي (ابن خلكان، بن بسام، الأصفهاني، عبد الواحد المراكشي..)
عطفا على ما سبق يبدو أن التفاتة عبد الدين حمروش إلى المعتمد بن عباد لم يكن بذخا وترفا مفاده اجترار ما سيق حول هذا الشاعر المتعدد والمضياف، وإنما يلمس الباحث دلالة هذه الالتفاتة من خلال إعادة تجسير الروابط مع جزء من التاريخ المغربي والعربي أيام حكم المرابطين للأندلس وما تميزت به المرحلة من حساسية أدبية وسياسية جعلت المعتمد أكثر حضورا من غيره من الشعراء الذين عاشوا تجربة الأسر وعانوا كثيرا من دون أن يكتب لأصواتهم أن تشيع وتترسخ في ذاكرة الحاضر والمستقبل، لذلك فدلالة الاستضافة أقوى من كونها مجرد حضور أسير بأغمات، بل حضور تاريخ الأندلس ولقاء بين الأدباء على شرف السياسة، أو جلاء مكر السياسة تحت لحاف متعدد الألوان، مكر تتشكف فيه أقنعة في مرايا القصيدة. هكذا يكون عبد الدين حمروش قد منح القارئ فرصة وأفقا جديدين لإعادة قراءة تاريخ الأدب من منظور ثقافي وتاريخي لا يلغي تقاطعه مع حقول عديدة. وأخيرا يمكن للقراء بمختلف مواقفهم أن يتساءلوا بصيغة التعدد عن دلالة التواصل مع المعتمد/ الأسير/ الفقيد/ القبر/الحاكم/الشاعر…إلى الحد الذي يجعل من المعتمد رمزا ومن الكِتاب دعوة لمراجعة تاريخ الأدب.

كاتب مغربي

عبد العزيز بنار

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية