أساطير التضليل في الحوارات الإعلامية: الإيهام بالحقيقة وترسيخ الأكذوبة

من المهم عدم الانخداع بأي حوارات تتم في وسائل الإعلام، ونسلّم بما جاء فيها بشكل مطلق، ونحن واعون لما تحمله هذه الوسائل من تحيزات مسبقة، كما أن لها سبلها في توصيل ما تريد، من خلال عشرات الرسائل غير المباشرة، التي تصل إلى المشاهدين، بشكل دائم، يكاد يكون يوميا، ما يصنع في النهاية رؤى، تتحول إلى قناعات، والقناعات تكاد تكون مسلمات بدهية.
فلا يمكن مناقشة الحوار بكل أبعاده وأشكاله، في معزل عن أثر الإعلام وتقنيات الاتصال الحديثة فيه، فتكاد تكون حياتنا الآن رهينة لهذا المنجز العلمي الضخم، وأضحى الإعلام وقنواته ومواقعه وصحفه، ميادين يومية ثابتة تحتضن الحوارات بأنماطها كافة: مكتوبة أو شفاهية، تعليقات أو مناقشات. فإذا نظرنا إلى علاقة الإعلام بالحوار، على مستوى التقنيات والموضوعات؛ سنجد أن وسائل الإعلام المعاصرة، لها آليات وأحابيل كثيرة تُرسَم من قبل صنّاعه ومديريه، على نحو ما يذكر هربرت أ. شيللر في كتابه «المتلاعبون بالعقول» سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت، مؤكدا على أن خداع الجماهير يتجلى بوضوح في القنوات الفضائية، التي غالبا ما تكون لها أجنداتها الخاصة، وهذا مفهوم في سوق الإعلام، لكن على المتلقي الوعي به، وإلا انجرف إلى شراك هذه المحطات، التي تؤسس ما يسمى «الوعي المعلَّب» الذي يعني أساطير خمساً، تصنع قناعات زائفة لدى الجماهير، وبمرور الوقت تصبح مترسخات، وهي:
أسطورة الفردية والاختيار الشخصي، وتبدو في تعدد القنوات والمواقع الإلكترونية، بما يوهم الجمهور بأنه حر في اختياره، والحقيقة أنه يدور في فلك واحد، يملكه أباطرة المال والإعلام، فيظن المشاهد أنه يختار ما يشاء، ولا يدري أنه أشبه بالزبون الذي يتنقل في محل كبير، له أفرع عديدة، ففي جميع الأحوال سيشتري، وستصب نقوده في مصب واحد. وهي تلتقي مع الأسطورة الثانية المسماة بالتعددية الإعلامية، وفي الحقيقة هي أحادية، أو أحاديات تنافسية، أو تنافسيات بتوجه واحد، أو تنافسيات مع أجندات خاصة فكرية وسياسية وثقافية، وفي جميع الأحوال لا يدري المشاهد أن هناك أباطرة في الإعلام ومؤسسات مرتبطة به، يملكون المرئي والمسموع والمكتوب، ويتحكمون في الرأي وضده، المهم امتلاك المشاهد: عقله وذائقته ونفسيته.
الأسطورة الثالثة: الحيادية، وهي وهم كبير أيضا، يتم تصديره تحت بند الحريات الإعلامية، بعرض الرأي والرأي المضاد، وفي الحقيقة أنهم ينتصرون لرأي بعينه، وما الرأي المضاد إلا شخص مصنوع أو مجلوب، أو يكون أضعف من التعبير عن وجهة النظر الأخرى، فتكون الغلبة للرأي الأول الذي تتبناه المحطة، فقد ولّى زمن الرأي الواحد الذي يعبر عنه مذيع يقرأ المكتوب أمامه، مستخدما ألفاظا عدائية ضد الخصوم، محذرا من الاستماع إليهم، وهو مرتبط بالنظم الشمولية الاستبدادية.
الأسطورة الرابعة: الطبيعة الإنسانية الثابتة، وتعني النظر إلى نفسية الإنسان على أنها ثابتة غير متغيرة، في الذي تميل إليه من أمور، مثل الإثارة، الرومانسية، العنف، الجديد في الصحة، وصيحات الموضة، فهم ينظرون إلى الطبيعة الإنسانية على أنها قائمة على الخطيئة المبررة، والضعف أمام الشهوات، أيضا تهتم بالموضوعات العجائبية، وإبراز العيوب والمشكلات والأزمات الاجتماعية التي تصنع في النهاية خوفا من المقبل، والرغبة في ثبات النفس على ما هي عليه، والحفاظ على ما اعتادته من سلوكيات وعادات، وهو ما ينعكس بوضوح في البرامج الحوارية التي تركز على الإثارة بكل أنواعها، تحت شعار كشف المستور، وفضح المسكوت عنه، وإظهار المهمش، وهي شعارات براقة، لكنها في الحقيقة تقودنا إلى موضوعات حوارية من مثل : زنا المحارم، وأزواج العاجزين، والزوجات الناشزات، والموضة في الملابس والعطور والهواتف المحمولة، والحوادث العنيفة، والموت الفجائي.. إلخ.

الأسطورة الخامسة هي غياب الصراع الاجتماعي، وهو مرتبط أساسا بالحفاظ على المستقر اجتماعيا، وإذا كان هناك صراع، فهو مسألة فردية، وليست طبقية.

وفي عالم السياسة، تتم إثارة قضايا تتصل بالعنف والإرهاب، خاصة في المناطق المصنفة بأنها مارقة، وخارجة عن الإجماع الدولي، كي يشعر المشاهد بالراحة والأمان، وهو جالس في بيته، وأنه في مأمن مما يشاهد.
الأسطورة الخامسة هي غياب الصراع الاجتماعي، وهو مرتبط أساسا بالحفاظ على المستقر اجتماعيا، وإذا كان هناك صراع، فهو مسألة فردية، وليست طبقية. أما إذا تحدد الصراع بفئة ما، فإنها غالبا ما تكون من الفئات المغضوب عليها سياسيا، مثل: السود والحمر والصفر والسمر في المجتمع الأمريكي، والأقليات المهاجرة في المجتمعات الأوروبية. وأيضا ما يتصل بما يتماشى مع نظرات المجتمع، ولا يخالفها، ففي أوروبا مثلا هناك نظرة عنصرية تجاه المهاجرين عامة، في مقابل نظرة متحيزة متعاطفة مع اليهود. وهناك نظرات عنصرية ضد المسلمين في العالم، وأيضا ضد الجاليات المسلمة في المجتمعات الأوروبية. فتأتي البرامج الحوارية مدعمة القناعات السائدة، غير صادمة لها، خاصة إذا تعلق الأمر بحوادث إرهابية يرتكبها أفراد من هؤلاء. وبعبارة أخرى، فإن الحوارات الإعلامية تحاول إيهام المشاهدين بالإثارة لضمان متابعتهم لقنواتهم، والحقيقة هي تحافظ على النظام الاجتماعي، وتواجه أي خروج عليه، ففيه مصالح الشركات والمؤسسات الاقتصادية الضخمة التي تروج منتجاتها للشعب. وهو ما يجرنا إلى ما يسمى «المصنوعات الثقافية» التي هي ثمرة تلاعبات بشرية مصنعة بشكل احترافي، وتحوي الكثير من الجاذبية والتشويق والإثارة، وقد صار لها تأثير كبير في تشكيل ذواتنا الاجتماعية، وتتدخل أيضا بفاعلية في صياغة هويتنا، وتغيير أفكارنا، وتسمى الثورة الرابعة في الاتصالات، التي يفصّل القول فيها لوتشيانو فلوريدي في كتابه «الثورة الرابعة: كيف يعيد الغلاف المعلوماتي تشكيل الواقع الإنساني» (سلسلة عالم المعرفة ـ الكويت) حيث يوضح أن هذه الثورة تتجلى في تقنيات الحاسوب وبرامجه والفضاء الإلكتروني، وعملها مبسط وواضح ومرتب وفق أهداف بعينها، فهناك متخصصون في المواقع الإلكترونية في أنواعها وموضوعاتها كافة، وأيضا مراقبون لمواقع التواصل الاجتماعي؛ يعملون دوما على تصنيع موضوعات تجذب القارئ، وتكون سببا في حوارات مع أنداده في الفضاء الإلكتروني، وكذلك في المجال العام في الحياة. وبضاعتها الأخبار والموضوعات الطريفة، والقصص الشيقة، والأفكار المثيرة، وموضوعات منتقاة بعناية عن صراع الحضارات، والتعددية الثقافية، مع تعزيز شعارات الحريات، والتداول المفتوح للمعلومات.

أكاديمي مصري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية