الرباط ـ«القدس العربي»: فن الملحون من الأنماط الغنائية المغربية العريقة التي تمتد إلى عقود طويلة ويزاوج بين الشعر العامي الموزون واللحن المستمد من لحظات ضاربة في القدم. وتنتشر عبر ربوع المملكة المغربية العديد من الفرق الملحونية، خاصة في مدن مثل مكناس وفاس وسلا ومراكش وغيرها.
وأنجبت مكناس العديد من رواد فن الملحون من أمثال الحسين التولالي، كما أنجبت شعراء وباحثين مثل الراحل أحمد سهوم، وفي وقتنا الحالي تقف أسماء أخرى تعمل جهد استطاعتها من أجل الحفاظ على هذا المورث الفني الأصيل، ومن بينهم الباحث والناقد الفني نور الدين شماس الذي يرأس «الرابطة الوطنية لجمعيات الملحون» كما يواصل مسيرته في تنظيم مهرجان الملحون بتافيلالت، ويتابع النبش في عمق الموروث ويصدر كتبا بحثية قيمة، أحدثها مؤلف تحت عنوان «شيوخ الملحون السلاويون جواهر من ذاكرة التراث المغربي المكنون». حاورت «القدس العربي» شماس حول أسباب تأليف هذا الكتاب، وعن سبل الحفاظ على موروث أصيل وعريق جدا هو فن الملحون.
○ لماذا كتاب جديد حول تاريخ فن الملحون عموما والسلاوي (نسبة إلى مدينة سلا) منه على وجه الخصوص؟
• أولاً: وراء البادرة تاريخ طويل من عشق الملحون وتتبع حياة شيوخه وأعلامه، القدماء منهم أو المحدثون، المغاربة والسلاويون منهم على وجه الخصوص.
وثانيا: كانت الغاية، إغناء مكتبة الملحون بجنس من التوثيق البيوغرافي لمسار شيوخه في بعض المدن الحاضنة له، ولمدينة سلا نصيب وافر منه، خصوصا وأن هذا النوع من الكتابة تفتقر إليه الساحة الفنية والفكرية، بل هناك تقصير في التعريف بأدباء هذا النمط الفريد من تراثنا الشعبي الذي اعتبره المغاربة بالإجماع ديوانا لهم، من خلاله يمكننا تتبع المسار التاريخي لهذا التراث بكل تجلياته، بالمزيد من التفاصيل، سواء في مضامينه، أو أخبار أعلامه وعلاماته.
وثالثا: يتعين الاستمرار في هذا المجال بما بدأه عُمدتنا سيدي محمد الفاسي رحمه الله، الذي عوّدَنا على أن الكتابة عن الملحون هي حفاظ على مسار هذا النمط الأدبي الذي ميز بلدنا عن باقي البلدان، لأن شعر الملحون هو ديوان المغاربة، من خلال قصائده وما حبره بها فحول هذا الأدب من معطيات وأخبار ووقائع حول تاريخ ثقافة وطننا، وفي ضوئه يمكننا معرفة أيام المغاربة عبر مراحل موغلة في القدم. كما يمكننا من تعزيز الروح الوطنية والنضال ضد المستعمر الغاشم، والإشادة برجالات المقاومة الذين وهبوا النفس والنفيس من أجل الوطن، ومواكبة عصر الاستقلال وتحرير ما تبقى من أرض مغربية وتوثيق للمسيرة الخضراء، وجعل من القضية الفلسطينية القضية الثانية بعد القضية الوطنية الأولى. ناهيكم عن تقوية الوازع الديني في المجتمع، فالقصائد التي تعج بها الخزانات المغربية في هذا الإطار كانت تناقش مسائل فقهية أصولية لا يمكن أن يناقشها إلا فقيه متمكن أو عالم جليل.
كما يمكِّننا من معرفة الحركة العمرانية بالمغرب وتنوعها حسب خاصية كل منطقة، ويحلينا أيضا على جانب مهم في الحياة اليومية للمواطن، والتي تتجلى في اللباس والتقاليد والعادات؛ فقصائده وثقت لنا بأدق التفاصيل أنواع وأشكال الألبسة، والأثواب، والحلي، وتنوع أشكال النعال، والأفرشة. وكذلك يمكن أن نعتمد على الملحون في التأريخ للمطبخ المغربي بجميع تنوعاته، فكل شاعر في فن الملحون، يكتب عن نوعية المطبخ الذي ينتسب إليه، حسب الطبقة الاجتماعية التي ينتمي لها ونمط احتفالاتها بالمناسبات الدينية منها والوطنية، بالإضافة إلى حضور الاهتمام بالمعالم العمرانية لكل حقبة من حقب تاريخ المغرب.
نحن أمام علم وشعر وفكر لم يترك مجالا في الحياة المغربية إلا واقتحمها، وصموده استمده من الدعم والمساهمة لملوك الدولة العلوية في الإشادة به، بل المشاركة الفعلية نظما وتنظيما وعناية، وخبر دليل على هذا نص الرسالة السامية التي وجهها الملك محمد السادس إلى أمين السر الدائم لأكاديمية المملكة ينوه فيها بالجهود المتواصلة في الحفاظ على تراثنا التليد الملحون.
○ هل يعتبر التوثيق مدخلا أساسيا للحفاظ على هذا الموروث من الانقراض؟
• فعلا، لولا التوثيق للملحون وما عرفه من تنوع، لما وصلنا كل هذا الزخم الكبير جدا لنصوصه المتنوعة في مضامينها والمبدعين لها. وخير مثال على ذلك ما تقوم به أكاديمية المملكة المغربية من إصدارات لمجموعة من دواوين هذا الفن، والتي وصل عددها لحد الآن أحد عشر ديوانا لفحوله من الشعراء، منذ مرحلة النشأة إلى يوم الناس هذا.
كما أن حركة التوثيق لا تشمل القصائد فقط، فهناك العمل الجبار الذي قام به عمدتنا الأستاذ محمد الفاسي والذي ضمنه في معلمة الملحون بأجزائها التي شملت العناية بعروض القصيدة الملحونية بأنماطها الأربعة: المبيت بأنواعه، مكسور الجناح، السوسي، والسرابة، كما اعتنى بمصطلحات الملحون ومعجمه، وتراجم أزيد من خمسمئة وثمانية وثمانين شيخا.
كما يجدر التنويه إلى جانب المهتمين بهذا التراث بالعمل الأكاديمي المتميز لعمدة الأدب المغربي الدكتور عباس الجراري، رئيس لجنة الملحون بأكاديمية المملكة، والذي يتجلى في كتاب «الزجل المغربي» الذي ناقش فيه أول أطروحة للدكتوراه بالمغرب، وكذا كتابه القيم حول المصطلحات الفنية للملحون، وتقديمه للدواوين الصادرة عن أكاديمية المملكة. وهناك الشيخ المبدع والإعلامي الفذ الأستاذ الحاج أحمد سهوم، وما قدمه من برامج إذاعية طيلة سبعين سنة من العطاء الجيد والمتميز، ناهيكم عن كتابه القيم «الملحون المغربي» ومجموعة كبيرة جدا من القصائد التي أصدرت أكاديمية المملكة المغربية حيزا وافرا منها في الديوان الحادي عشر من إصداراتها، والباقي ينتظر. وهناك صنوه الأستاذ الجليل عبد الرحمان الملحوني، الذي له أياد بيضاء على هذا الفن، من خلال برامجه الإذاعية القيمة التي ساهم بها في التعريف بهذا النمط من تراثنا الشعبي، بمؤلفاته المعروفة حول هذا الفن. وهناك مجموعة من الباحثين الأكفاء الذين أدلوا بدلوهم في التعريف بهذا الأدب وهم: الأستاذ عبد الله شقرون، والدكتور عبد الصمد بلكبير، والدكتور منير البصكري، والدكتور عبد الوهاب الفيلالي، والأستاذ عبد العزيز بن عبد الجليل.
○ أمام اكتساح أنماط غنائية مختلفة سريعة وهجينة في بعض نماذجها، كيف يبدو لك واقع الملحون حاليا؟
• لهذا الفن روادَه وعشاقهُ، والمتعاطفين معه، وشيوخه أنواع؛ فهناك شيوخ الكريحة، وشيوخ النظام، والْخَزّانة، والنّقابة. والمهتمون به، والباحثون في عوالمه من كل الأجيال والحساسيات الأدبية. وكل ما يتطلب هو المزيد من الاهتمام به، بما يساير الراهن، والمستجدات الثقافية، وحتى يتسنى للمهتمين بهذا النمط النهوض به وتبوئه المكانة اللائقة به.
○ كيف يبدو لك مستقبل الملحون؟ هل سيبقى حاضراً أو سيؤول إلى الانقراض؟
• وهل تظن أن إنتاجا من الشعب وإلى الشعب، لن يكون له مستقبل زاهر وزاخر؟ حقيقة هناك مد وجزر في تاريخ الفنون عموما، ولكن يبقى مستقبل الملحون أوفر حظا في زمننا هذا مع اختلاف في التموقع، هناك طفرة تبشر بالخير تتمثل في الشعراء الشباب، بل وفي الشاعرات، وهناك تنوع وتجديد في الموضوعات، حيث إن المبدعين الجدد يتناولون مواضيع من المعاش اليومي، وهناك طفرة في المجال التوثيقي والتحليلي لرواد هذا التراث من طرف باحثين أكفاء استلموا المشعل من الرعيل الأول وأعمالهم تبشر بالخير.
وتتجلى أيضا استمرارية هذا الفن في ما نراه اليوم من نهضة والتفاف حوله، ويكفي اهتمام أعلى منبر علمي في المملكة وهي أكاديمية المملكة المغربية التي خصصت لأدب الملحون قسما خاصا به يشرف عليه عميد الأدب المغربي الدكتور عباس الجراري. وهناك باحثون استهواهم الملحون فكرسوا له حيزا مهما من إنتاجاتهم الأدبية، وهناك مؤلفون مسرحيون خصصوا جل إنتاجاتهم للملحون وإبداعاته منهم على سبيل المثال المرحومان الطيب الصديقي وعبد سلام الشريبي، والمخرج المسرحي عبد المجيد فنيش الذي أثرى خزانة المسرح الوطني بمجموعة قيمة من الأعمال المستوحاة من فن الملحون.
واتجهت إبداعات بعض الشباب ليصيغونه لأترابهم بشكل يجعل جيلهم يعشق الملحون المعاصر شكلا ومضمونا، وخير نموذج المبدع رضوان الأسمر الذي له محاولاته الهادفة في تجديد لحن القصيدة الملحونية، مع مراعاة القوالب الأصيلة، وإضفاء مسحة من التجديد في الجمل الموسيقية والايقاعية، بحيث استطاع الجمع بين الأصالة والمعاصرة.
○ لماذا يقول بعض نقاد الفن إن الملحون بات محصورا في فئة قليلة جدا ما ينذر بتواريه؟
• إن عشاق هذا الفن والمهتمين به والباحثين فيه قليلون بالمقارنة مع أنماط أخرى موسيقية، وهذه قوة الملحون، إذ أنه بقدر ما هو من صميم الشعب فإنه نخبوي ليس بمستطاع أي كان أن يستوعبه ويدرك عوالمه ولغته الخاصة والتي تجمع بشكل عجيب بين العربية الفصحى والدارجة المغربية العتيقة.
○ هل ما زال هناك متسع لفن الملحون في المشهد الموسيقي المغربي في ظل هذه التحولات العديدة؟
• سبق وأشرت أن حضور الملحون في زمننا هذا اكتسب حلة جديدة من حيث الأصوات التي نراهن عليها، وكذلك بعض الموسيقيين الذين تذوقوا أصوله وهم بصدد محاولات جادة في تطوير أنماط جديدة لإنشاد القصيدة الملحونية في زمن العولمة.
○ هل تتحمل وزارة الثقافة نصيبا من المسؤولية في الحفاظ على فن الملحون وتطويره؟
• طبعا، بحكم أنها الجهة الوصية على المنظومة الثقافية ببلادنا، وضمنها التراث الشعبي المغربي بجميع تجلياته، ومن أبرزها الملحون كرافد من روافدها الأساسية.
حقيقة أخرى وجب التنبيه إليها، والكل يتغاضى عنها، وهي أن العمود الفقري لفن الملحون كان يتكون من الحرفيين، وهذه الشريحة التي كانت متنوعة بتنوع صناعتنا التقليدية، بدأت تتقلص إن لم نقل إن شرائح منها اندثرت مع الثورة الصناعية الحديثة والإلكترونية. وهذه الشرائح كانت هي الرافد الرئيسي للملحون والكيان المحافظ عليه، ومع هذا التقليص أصبحت وزارة الثقافة هي الوصية والمسؤولة على الحفاظ عليه والنهوض به. إلا أن ما نراه من تقصير في حق هذه الفئة المهتمة والحاضنة لهذا التراث لم ولن يساهم إلا في جعل الشباب يعزفون عنه.
ولكننا، لا بد أن نشير إلى أن صراع القديم والجديد، التراث والمعاصرة، إذا كان سمة من سمات تاريخ الحضارة وتاريخ الإبداع والأفكار، فإن لفن الملحون نصيبًا من هذا الصراع، لكن التاريخ يعلمنا دوما أنه إذا كانت للجديد جاذبيته، فإن للتراث أيضا اشراقاته وخلوده، لأنه روح الأمم، وذاكرتها الحية التي لا تموت، بل تمثل نسغَ التكامل والترافد في تاريخ تلك الحضارات والثقافات، بين الجديد فيها والقديم.