بداية، من الضرورة التأكيد على أن الوضع العام بسماته الرئيسية يؤثر على كافة المجالات الأخرى! فمثلا السمة العامة للوضع العربي هي، التردي.. وهذا يطال السياسي، الاقتصادي، القِيمي، الثقافي، الاجتماعي، المهني، السلوكي.. وغيرها. ما سبق لا يعنى أن وضعنا العربي العام كان سوبراً وفــــي الأوج! وأخذ في التردي؟ هـــو رديء من الأصل، لكنه يزداد رداءة وانحدارا. أيضا، يناقشني عديدون، في جدوى ما أكتب، تحت هذا العــنوان في «القدس العربي» من التعليقات مثلا، ما الفائـــدة؟ من يتناول هـــذه الأمراض وكأنه ينفخ في قربة مثقــــوبة! أيضا قال لي البعض: لن تنتهي من تناول أمراضنا، طول عمرك.. أرح نفسك! وغير ذلك من الآراء.
لا أعتقد أن مهمة الكاتب هي إجراء فعل التغيير في المجتمع، وهو في الأصل عاجز عن إحداث تحولاته، ولكن من واجب كل إنسان في مجاله.. أن يتناول السلبيات والظواهر المعيقة للتقدم في مجتمعه، يعرّيها ويقدمها على طبق للآخرين، وفي حالة الكاتب.. يكتبها. أتمثل في كتابتي دوما المقولة الرائعة: «أضئ شمعة أفضل ألف مرة من أن تلعن الظلام». أحد أهم الأسباب أيضا.. الإيمان لديّ بالأهداف التي أكتب من أجلها، والتي هي فلسفتي في الحياة، من عناوينها الأبرز: الالتزام بقضايا المجموع، وهم عامة الناس والفقراء ماديا بطبيعتهم، ثم أن الكاتب هو أولا وأخيرا، تكوين بشري ناشئ عن معتنق أيديولوجي فكري، رؤية سياسية، التزام، صدق مع الذات، وضوح، ابتعاد عن النفاق والانتهازية، مسلكية شخصية متماهية مع المعتقدات، التي هي حصيلة تهذيبية لانعكاسات الواقع. هذه المكونات يختلف مدى الالتصاق بها من كاتب..لآخر، والبعض حتى يناقضها تماما كمثقفي السلطات.
وبالعودة إلى الموضوع المطروح، للأسف أن معظم الموظفين، خاصة في الدوائر الحكومية العربية، وفي العديد من المؤسسات في مختلف القطاعات، ينطلقون من قاعدة أن الناس يتوجب أن يكونوا في خدمتهم، مع أن المفترض أنهم وظّفوا لخدمة الناس وقضاء معاملاتهم! وعلى هذا الأساس يتقاضون رواتبهم، التي هي في أصولها تأتي من المواطنين، المفروضة عليهم ضرائب من قبل الحكومات، قد تصل في بعض الدول العربية، إلى حدود 50 نوعا من الضرائب. تصطف في دور قد يكون طويلا، ترى الموظف إما منشغلا بمكالمة هاتفية، أو تتمكيج إن كانت فتاة، أو هي أو هو غائب عن مقعده، تسأل عنه زميله؟ فتجاب: بأنه إما ذهب للإفطارأو للحمّام أو للصلاة! يطول الانتظار لما يقارب الســـاعة! تنذهــــل عندما يأتيه بعض معارفه مباشرة من الخلف لينظر في معاملاته، بدون اكتراث بالواقفين المنتظرين! يعترض البعض من الأخيرين فيثور الموظف مثل عاصفة هوجاء. الحصيلة أن معاملة مفترض إنجازها في دقائق تحتاج لساعات أو تؤجل إلى اليوم التالي.. وهكذا دواليك.
هذا عدا عن الأختام والتوقيعات اللازمة من كثيرين في دوائر مختلفة، متباعدة الجغرافيا، في عاصمة الدولة المتسعة والممتدة كثيرا، باختصار: إنجاز المعاملة في دائرة رسمية عربية يحتاج إلى صبر أيوب. تصوروا بعض السفارات العربية، في عواصم عربية أخرى، إن احتجتَ مثلا إلى ختم السفارة على وثيقة، ستُستعمل في الدولة ذاتها، لا تتقاضى رسم الختم (وهو 30 دولارا مثلا) إلا عن طريق بنك، مضطر المواطن العربي المغلوب على أمره، للذهاب إليه واحتلال دور طويل، لإيداع المبلغ في حساب السفارة فيه، ومن ثم العودة إلى السفارة لتقديم وصل الإيداع، ثم يفترض أن تأتي لاستلام الوثيقة في الثالثة ظهرا. في وطننا العربي: فنون كبيرة في كيفية تعذيب المواطن في الدوائر الرسمية.
نماذج قليلة تطرقت لها.. وهي نقطة في بحر تعقيدات إنجاز المعاملات في العديد من الدول العربية. المواطن العربي يعاني من تعالي وعنجهية العديد من الموظفين: يتكلمون من أنوفهم وليس من أفواههم. في وطننا العربي بيروقراطية، رشاوى تنتشر مثل النار في الهشيم، ووصلت في بعض الدول إلى الحد، الذي أخذ يطلب فيه بعض الموظفين صراحة، رشوة من المواطن مباشرة، ولكل نوع معاملة سعرها الخاص. أتساءل: لماذا لا يتم وضع شروط مثل، التواضع، فن التعامل مع الناس، التهذيب وللأسف: شرط، ضرورة رد التحية، عندما يحيي الناس الموظف المتعالي، ولا يرد. صدقوني أن هذه الشروط لا تقل أهمية عن الكفاءة. بالطبع لكل ظاهرة تفسير، الموظف البسيط يعاني قهرا من مسؤوليه، في الوقت نفسه لا يستطيع تفريغه.. مع التراكم تتولد لديه عقدة لنقص، فقط يستطيع تفريغها في المواطن المسكين، المفترض فيه أن يكون اسفنجة تمتص مجموع عُقد الموظفين.
من الحقائق أيضا، لو لم يحتل الموظف، بسيطا كان أم مديرا، منصَبه، ويصبح الناس بحاجة إلى ما يقدمه من خدمات؟ هل كان أحد سيسأل عنه؟ أيضا، من أخلاقيات التعامل، قاعدة مفادها، أنه كلما علا الموظف مرتبة أن يزداد تواضعا وليس غرورا. في بلادنا ظاهرة «الغرور» لدى الشخص، الذي يصبح مسؤولا أو مشهورا، لكفاءته بالطبع أو بحكم الصدفة: يغلق هاتفه أمام من قد يحتاجه؟ يترفع عن التعاطي مع البشر، وغير ذلك من المظاهر الخادعة والزائفة.
هؤلاء لا يدركون أيضا أنه لو أن المناصب بقيت لغيرهم لما وصلتهم! هؤلاء يعتقدون بـ«خلودهم» في مناصبهم ومواقعهم. المفترض أن المواقع والكراسي تتزين بمن يجلس عليها.. أما في بلادنا فالعكس هو الصحيح لدى كثيرين، يتجمل هؤلاء بمناصبهم وكراسيهم. لو «يتكرم» المعنيون بسؤال ذواتهم السؤال السابق: لو لم يحتلوا مناصَبهم.. أكانوا في اعتبار أحد؟ لذلك شهدنا ونشهد وسنشهد سقوطا سريعا للعديد من المغرورين من المشهورين العرب.
هؤلاء قد لا يدركون.. أو لم يقرؤوا عن قامة عربية إسلامية كبيرة..الخليفة العادل عمر بن الخطاب: ناقَشَه أعرابي عادي في «تمييز» نفسه عن الآخرين.. في قطعة قماش جرى توزيعها من الغنائم، بعد معركة. بكل التواضع أوضح له الخليفة: أنه أخذ حصتين، حصته وحصة ابنه عبدالله.. لم يقم بقطع رأس الأعرابي. كان الخليفة ينام ظهراً تحت فيئ شجرة.. عندما مرّ به رسول كسرى، ناقلا إليه رسالة منه. انذهل رسول كسرى من المشهد، فقال جملته الشهيرة: عدلتَ فأمنتً فنمتً يا عمر. هذه القامة، استوعبت أعرابيا عاديا، خاطبه قائلا: لو رأينا فيك اعوجاجا لقومــــناه بسيوفنا، كان في ذلك يرد على تساؤل الخليفة لسامعــــيه: وهل يرون فيه اعوجاجا؟ ارتاح الخليفة لجواب الأعرابي البسيط: حمد الله على أن في المسلمين من سيقوم بتقويم اعوجاجه إن حصل. اليوم لا تستطيع تقويم اعوجاج أو مناقشة شــرطي بسيط أو موظف بسيط عربي؟ فكيف بصاحب المنصب العالي أو من خدَمته الظروف، ليصبح مشهوراً ومتحكماً في الناس؟
ربما يقول البعض إن عمربن الخطاب عاش في زمن يفصلنا عنه ما يزيد عن 14 قرنا زمنيا! وما جاز في عصره لا يجوز الآن! بالطبع هذا تبرير واه للعنجهية والتعالي… ولنفترض أن القول صحيح جدلا.. نرد بحادثتين من الزمن الحالي، رئيس وزراء السويد أولف بالمه، القامة الدولية المهمّة، جرى اغتياله عام 1986 أثناء خروجه وزوجته من السينما.. لم يكن يحرسه أحد، دخل السينما مثل أي مواطن عادي. تواضُع نيلسون مانديلا وغيرهما. اليوم مجرد مسؤول صغير في العديد من الدول العربية، عندما تمر قافلة سياراته (للتمويه كما يبررون تعدد السيارات) في أحد الشوارع… يتم إغلاقه، رغم ألا أحد يعرف هذا المسؤول، لا من مواطني البلد ولا من الأعداء. فهم غير معنيين بقتله حتى لو ذهب إليهم بقدميه.
بعد هزيمة ألمانيا في الحرب العالمية الثانية، وتدمير قوتها وتقسيم أراضيها، وانهيار اقتصادها تماما.. تسلّم منصب وزير الاقتصاد في الشطر الغربي منها السياسي والاقتصادي الشهير لودفيج إيرهاد «اقتصاد السوق الاجتماعي»، الذي أعاد ألمانيا بمعجزة إلى وضعها في الاقتصاد كقوة عالمية، وهو صاحب النظرية المشهورة «الرفاهية للجميع»، وكان وعده بإعادة الاقتصاد فيها إلى الوقوف على قدميه خلال سنتين فقط، وهذا ما حصل. لم يكن ليتم ذلك لولا العمل الجاد من قبل كافة الألمان في مواقعهم. اليوم خذوا دولا مثل الصين واليابان ودولا عديدة في جنوب شرق آسيا، وجنوب أفريقيا والبرازيل ومدى التطور في كل منها! الهند وباكستان وصلتا إلى عضوية النادي النووي، رغم تواضع الاقتصاد في كل منهما.
نحن مستهلكون جيدون.. أسواقنا مفتوحة لكافة البضائع، ولكن الإنتاجية العربية.. جد متواضعة.. أما لماذا ذلك؟ فجزء بسيط منه تجيب عليه هذه المقالة، ربما تكون تفاصيل الإجابة على التساؤل من خلال أحد موضوعات المقالات لي مستقبلا تحت عنوان: أمراض عربية..و ما كتبت منها وما سأكتبه إن امتد بي العمر.
٭ كاتب فلسطيني
د. فايز رشيد