القاهرة ـ «القدس العربي»: ضمن البرنامج الثقافي الزاخم لدار الكتب الذي يتنوع بتنوع القضايا والرموز، جاء الاحتفال بمئوية الكاتب والمفكر لويس عوض، تتويجا لدور الثقافة والفكر وإثراء الحركة النقدية بمضامين القضايا السياسية والثقافية والاجتماعية المتفق والمختلف عليها من دون تمييز.
ولعل الأبرز في ما يتعلق بمسألة الاتفاق والاختلاف ويتسق مع منهاج الحوار الصحي لتبادل وجهات النظر حول قضية أو شخص، تبلور في ذلك السجال المفتوح حول القامة الفكرية الكبرى التي تتمثل في لويس عوض مؤرخا وكاتبا وناقدا سياسيا، وهي الملامح ذاتها التي دارت حولها ندوة دار الكتب، التي شارك فيها عماد أبو غازي وزير الثقافة الأسبق وطارق النعمان المشرف العام على الدار المذكورة الكائنة بمنطقة باب الخلق بالقاهرة.
في استهلال سريع ومتدفق أعطى النعمان فكرة ملخصة ومكثفة عن لويس عوض، كنوع من التمهيد، ليعطي الفرصة بعد ذلك كاملة لأبو غازي للمزيد من الإضافات الوافية المستفيضة عن الرجل الذي يراه قاطرة الفكر والتنوير، وصاحب المشروع الحضاري الذي أجهض مبكرا وقد تضمن استهلال طارق النعمان قبل البدء الفعلي للندوة بإشارات سريعة عن لويس الروائي والشاعر والمسرحي والمترجم، مرتكزا على نقطة وجدها أساسية ومهمة، وهي توقف الكاتب الراحل عند تاريخ الفكر بوصفه صاحب السبق في هذا المسمي الثقافي، فهو أول من صك التعريف وعمل على إشهاره بالدراسة والتحليل.
وفي السياق ذاته كان التدشين من جانب وزير الثقافة الأسبق عماد أبو غازي، حيث أكد أن لويس عوض هو أول من قدم قراءة لفكر التاريخ المصري المعاصر، منذ فترة الأربعينيات وحتى رحيله في تسعينيات القرن الماضي، لافتا النظر إلى مناهجه المستقبلية ورفضه القاطع «للموضاوية» المصطلح الذي يستخدم للإشارة إلى الماضي، وللتدليل على حداثة المنهج عند المفكر الراحل لمح أبو غازي إلى تماثله مع طه حسين في الجمع بين الأدب والتاريخ، فقد بدأت علاقته بثنائية التاريخ والأدب، وهما رافدان مختلفان من حيث الجوهر عن طريق المحاضرات التي كان يلقيها والتي اعتني من خلالها بتطوير الفكر الحديث في مصر وانعكاسه على الأدب، وهي بداية مشروعه الثقافي الذي صدر في كتاب مهم عام 1963 من معهد البحوث والدراسات العربية، وضم قضايا المرأة والمؤثرات الأجنبية في الأدب الحديث بادئا من مراحل الحملة الفرنسية وعصر محمد علي، ثم أكمل حتى وصل إلى ما بعد ذلك.
ويعرج عماد أبو غازي في سياق حديثه عن لويس عوض على كتابة تاريخ الفكر الحديث، مشيرا إلى أسباب صدوره التي كان من أهمها نكسة 67، إذ رأى غازي أن الفرصة كانت سانحة لصدور الكتاب بعد فترة طويلة من تكميم الأفواه حسب اعتقاده، وقد أعقب النكسة أيضا صدور عدة دراسات وأعاد لويس عوض نشر محاضراته.
وفي محور متصل منفصل أخذ النقاش حول لويس محورا سياسيا، فكما تم الالتفاف على إسهاماته التاريخية والأدبية، جاء أيضا ذكر جانب مهم من حياته يتعلق بخلافاته مع ثورة يوليو والمرحلة الناصرية، التي رأى الكاتب والمؤرخ أنها كانت رؤية أكثر منها تاريخا يعتد به، الأمر الذي فتح مجالا للاشتباك معه على خلفية أنه متأثر في رأيه هذا بانتمائه الماركسي.
ومن المفارقات التي أخذت على لويس عوض اعتباره أن الحملة الفرنسية هي النقطة الفاصلة في تاريخ مصر الحديث، واعتقاده بأن الصدام الحضاري أثر بشكل إيجابي، ما أدى إلى انفتاح مصر على العالم المتحضر، وهو رصد من وجهة نظره للسنوات الثلاث للحملة وما جرى خلالها من أحداث وحراك ومعارك، ساعدت على المقاومة القوية وساهمت في خلق حكومة ونظام حديث للإدارة وما يسمى بالدستور الأول المتمثل في المجلس الخصوصي، والجريدة التي كانت تصدرها الحملة، بالإضافة إلى المطبعة ومشروع الاستقلال الأول مشروع المعلم يعقوب قائد الفيلق القبطي، وقد خرج يعقوب من مصر مع خروج الحملة الفرنسية.
وردت هذه المزايا في كتاب لويس عوض، تطور الفكر مع ذكر الأقطاب الثلاثة لذلك الفكر وهم الجبرتي والطهطاوي والشلياق، ولم يتوقف سرد وعرض تفاصيل الأفكار والرؤى عند هذا الحد، وإنما شملت دراساته عن مشروع قناة السويس وتحولات الصناعة الحديثة ورأس المال الغربي وما قدمه عن الخمسين سنة الأخيرة التي شهدت تحولا في الأفكار السياسية . في ختام الندوة التي استمرت نحو ساعتين على الأقل، اتفق الاثنان عماد أبو غازي وطارق النعمان على أن مشروع لويس عوض كان مهما، ولكنه ليس الأهم، بيد أن المفكر الراحل استمد أهميته من دوره الفاعل في الحركة الوطنية والثقافية، قبل إقصائه بسلطة الضباط الأحرار وتعطيل دوره ومصادره كتابة «فقه اللغة» ثم عودته مرة أخرى للمعترك السياسي وتأليفه للكتاب «أقنعة الناصرية السبعة».
على هذا النحو اختلطت الثقافة بالسياسة في ليلة الاحتفاء بلويس عوض في دار الكتب، حيث جرت محاكمة للحقبة الناصرية وأطلق الرصاص من منصة المتحدثين على ثورة يوليو بما يشبه تصفية الحسابات التاريخية بأثر رجعي .
كمال القاضي