تحاول الكتابة الشعرية – وخاصة قصيدة النثر- أن تقدم أنماطا كتابية مغايرة في بنيتها اللغوية، وطريقة تمددها وتشكلها، وفي توجهاتها الإبداعية المعرفية، فهي لا تركن إلى نمط كتابي وحيد، ولا تقف عند جانب معرفي إدراكي فردي، بل تقدم هذه المناحي المعرفية في حالة اشتباك وتماه وتداخل، بحيث يصعب الفصل بينها فصلا تاما، ويصبح تناول واحد منها انفتاحا على المناحي الأخرى، ومساءلة لطريقة تجليها على هذا الشكل الخاص المعقد والمركب.
في ديوان سامية ساسي «لا تلتفت لنراها» اختيار لمنحى إبداعي مملوء بإشكالاته الوجودية الخاصة، فهناك محاولة لضبط الذات متورطة في وحدتها وعالمها الداخلي الموحش، وفي عدم قدرتها على التواصل مع هذا العالم المحيط، فتتجلى وكأنها ذات تتراكم بداخلها أسئلة مشدودة لفعل الكتابة، وللنسوي والوجودي والجسدي، وللأعراف بارتهاناتها الحادة المؤسسة في لحظة واحدة، ويغدو الفصل بينها فصلا نظريا يرتبط بالتناول والتركيز على جانب من هذه الجوانب.
في نصوص الديوان هناك محاولة لردم الهوة بين الواقعي والخيالي، بين ما نؤسسه ونراقبه في نموه وتلاشيه، وما نلمسه بحواسنا واقعا ونفرق منه. فالنص الشعري يمارس نوعا من التحوير في الواقع ليصبح خيالا ملموسا، ويمارس التحوير ذاته مع المؤسس الخيالي ليصبح واقعا نعاينه ونلمسه، ويجعله منفتحا ومؤثرا في طبيعة الإدراك والمقاربة. ففي نصوص الديوان هناك إقامة أو إصرار على الإقامة الممتدة في مساحة الفطري والبسيط والتلقائي دون وصفة سابقة التجهيز للكتابة، فمع الفطري هناك تجل تعبيري لا يحدد – ولا يحدّ – بالنظري المحسوب بدقة.
الكتابة وأسئلتها
سؤال الكتابة في هذا الديوان لا يتأسس وفق صور مجهرية أو جزئية أو ملحقات مأخوذة من نصوص لشعراء سابقين كبار ظهر دوران لافت لنصوصهم لدى شعراء قصيدة النثر في العالم العربي مثل ريتسوس وآخرين، بل يتأسس عن قصدية في نصوص كاملة من جانب أول، ومن جانب آخر لا يأتي مشدودا لمنحى جمالي في التناول أو المقاربة، وإنما يتجلى مرتبطا بالحياة ومنطقها الخاص الذي لا يصمد أمام المراجعة والتفكير. فالمغايرة التي تسدلها الكتابة لا تضرب في فراغ في انشدادها إلى مثالية الفني والشعري، ولكنها مدنسة وملوثة بدم الحياة وتعقيداتها وإشكالياتها، ولهذا فسؤال الكتابة في الديوان يأتي مشدودا للعلاقة بالآخر الذكوري، وبوضع الأنثى بشكل عام.
فالكتابة الشعرية في الديوان – لنزوعها الفطري الحر الكاشف عن القدرة والفاعلية – أشبه بخفة الطائر في ملامسة الماء، ففي نص (لأنني لا أغير البئر) تتكشف الكتابة عن كونها سعيا للري، ورحيلا أبديا لا يركن للإقامة أو الثبات او التجذر والثقل، ولا يخلو من مناورات، ولا يخلو من اتكاء إلى معرفة سابقة لآخرين، ولكن التوجه الكتابي الباحث عن التفرد لا يقنع بالوصفات أو الإرشادات التي يقدمها أصحاب المعرفة، ويظل مصرّا على نهجه في أن تظل الكتابة حرة منفلتة من التقعيد والتنظير والثبات، لأن حركتها وانفلاتها يكفلان لها التجلي المغاير في كل مرة.

وفي إطار ذلك تتأسس مجموعة من التقابلات في النص الشعري (فم قديم كقبر)، فثمة اشتغال في هذا النص على المشابهة بين الكتابة وإنتاج الحرير. وفي ظل هذا الفهم وطبيعة إسدال التشابه والتناظر يصبح إنتاج الحرير بحثا عن المنفعة، فللحصول على إنتاج الحرير يجب قتل الخادرة قبل أن تتحول إلى فراشة وتمزيق خيوط الحرير أثناء خروجها من الشرنقة، وفي النص الشعري تأتي الجارة – حيث تشير إلى قطاع كبير من النساء – كاشفة عن النمط المستقر الذي تبدو فيه المرأة مسيجة خانعة، وتبدو الكتابة الإبداعية مخذولة غير قادرة على النفاذ: (سأربي ديدانا ببيتي/ ليس الأمر مقرفا إلى هذا الحد/ لكتابة قصيدة على الحائط الأبيض الذي أمامي/ علي أن أسرق الشمس يوميا من جارتي/ التي تستعرض زرابيها الحريرية كل صباح).
الفن في عمومه – وخاصة الشعر – بحث عن آفاق أكثر رحابة، وفي بحثه عن هذه الآفاق لا يمكن أن يتخلص من سياقاته الجمعية والفردية، فحال الوحدة وعدم القدرة على التواصل مع السياق يطلان فاعلين بقوة. فالشعر- الشعر الحقيقي- خروج وانحراف ومساءلة دائمة للمستقر، ويتساوق مع ذلك مقاربة الحياة بالمنطق ذاته. فالحياة – وفق منطق نص شاحنة البيرة- خروج تطوّقه اللعنات بسبب مقايضة السكون بالحركة، والانزواء بالظهور، ويلح النص الشعري على نمط هذه الحياة في قوله: (أحب أن تطوقني اللعنات/ واستغفار الشاي في المقاهي/ وحجارة الأطفال والصفائح في خصلات شعري/ أحب الشهوة القارسة على شفاه العاطلين/بين أسناني).
الشعر لدى سامية ساسي حفر في مكان ثابت، حركة من الثبات، فهذه الحركة لا تأتي من الانتقال من موضوع إلى موضوع، وإنما بالمقاربة وإعادة المقاربة للموضوع ذاته وفق نزوعات مختلفة، فيشعر المتلقي بالحركة. ولكن بنية النصوص تشعرك بنمطية ما، فدائما هناك بداية لافتة تدفع المتلقي إلى التساؤل والاستغراب، وغالبا تأتي خاتمة النص وثيقة الصلة بهذه البداية. تتجلى النصوص بداية من لحظة الذروة لتؤسس انفلاتها من العادي، ولكنها بالتدريج تبدأ في التفسير أو محاولة التقريب والكشف عن تلك البدايات الخاصة اللافتة. ففي نص (مبتورة الأطراف) يبدأ النص بهذا السطر الشعري (عارضة أزياء بيد واحدة)، وكأنه يقدم وصفا موضوعيا، ولكن الصوت الذاتي من خلال ضمير المتكلم يطل فاعلا لإسدال مساحة من التوحد بين الموضوعي والذاتي، في قولها: (أنا عارضة أزياء/ مبتورة الأطراف كصفصافة/ يمكنني أن أقطع يدي/ لأجل شاعر بيد واحدة/ أراد في نهاية العرض أن يصفق). ويتجلى النمط ذاته في قصائد كثيرة مثل (فم قديم كقبر)، فالسطر الشعري (سأربي ديدانا في بيتي) يمثل البداية المخلخلة للمنطق العقلي الذي يتجاوزه الشعر ويتعاظم عليه، ولكن النص الشعري لطبيعته لا يترك الأمر مستغلقا على الفهم، ولكنه يلمح إلماحات، ويقدم إشارات فنية بالتدريج لكي يتم الكشف عن دلالات الرموز.
لا يخفى في النص أثر الإشارات لمسرح يوجين يونسكو، وخاصة مسرحيته «المغنية الصلعاء». ويتجلى الأثر ذاته في نص تعلمه الرقص)، للإشارة إلى عدم المعرفة بين الرجل والمرأة بالرغم ما بينهما من حياة مشتركة، فكل واحد منهما يعيش في غرفة منفصلة، ويمارسان الرقص على صيحة جاك بريل وأغنيته الشهيرة (لا تتركني وحدي) التي تحولت إلى أغنية ونشيد للعشاق على مرّ الأزمنة.
فالصورة المقدمة في النص عبثية، لأن الأغنية – وإن لم يشر إليها النص بشكل صريح – تصنع عالما كاشفا عن الانسجام والتلاحم، ولكن بنية النص تفضي إلى التنافر من البداية (هذا البيت يتسع لشاعرين فقط/ هو لا يتكلم/ هي لا تقول شيئا)، وإلى التحلل والتلاشي في نهاية النص (وقبل أن يدعس قدمه بحذائه/ تعدّ له قصائد عن حبة ملح/ تأكل جثتين/ في بيت يسع شاعرا واحدا- لا يتعلم الرقص).
لم يكن التوجه إلى المنحى النسوي في قصائد الديوان بشكل مباشر، فللديوان مناح قد تكون أكثر عمقا ترتبط بإشكاليات الكتابة والفن، ومن ثم يأتي المنحى النسوي – على أهميته – مظهرا لتوجه أشمل بالرغم من أن كلا منهما يؤثر في الآخر، ويجعله يتجلى بشكل مختلف يكشف عن توحدهما. فإذا كانت الكتابة الشعرية في هذا الديوان حفرا أو نقشا خاصا يبتكر آلياته، ويحوّر في رموزه وعكاكيزه الإبداعية حتى تصبح ملاءمة لإيقاع الروح المعذبة التي يتشكل عذابها من خلال الإصغاء والانتماء للكتابة والحب فإن الحفر أو النقش يأخذ أشكالا مختلفة.
ففي قصيدة (بشوكة في حلقها وتغنّي)، سوف تتعاظم الشوكة على التحديد المادي، وتصبح إشارة لكل الأعراف والتقاليد والمحددات الثقافية والاجتماعية. يكشف عن هذا التأويل الإشارة إلى النسوة ذوات الألسنة القصيرة اللواتي ينسجمن مع المؤسس والمقرر، في مقابل الذات الشاعرة التي (تتقدم في السن ويطول لسانها)، وتتكامل صورتها في همس النسوة أسفل نافذتها (من يسكت امرأة حرة/ أربعون عاما، بشوكة في حلقها وتغني). وكذلك يتجاوز الغناء الفعل البسيط المعهود ليلتحم بالشعر والكتابة، فتصبح الكتابة فعلا من أفعال المقاومة لكل مؤسس ومقرر، وخرقا لكل الأعراف التي لا تستقيم مع المنطق.
جزء كبير من نصوص الديوان يتشكل في مساحة الأعراف بين الواقعي والخيالي، أو المتخيل النموذجي والمتحقق الواقعي، ولهذا نجد أن هناك توجها من التوجهات العديدة في مقاربة النسوي يرتبط بتغيير أو تشويه الواقعي بالخيال حتى يتساوق مع المتخيل. ففي نصها الشعري (بلا وجه للشبه) يمكن أن يتمّ التفكيك من خلال المشابهة والمقابلة في آن، فكل قسيم أو طرف يحاول أن يغير في طبيعة الآخر بالتدريج حتى يقترب من النموذج المثالي بذهنه. فالقسيم الأنثوي – الصوت السارد في النص الشعري – انطلاقا من المعرفة والإدراك القائمين على التجريب، يتحرك للإشارة إلى المشابهة أو المماثلة المرتقبة من الآخر.
وفي نمط آخر نجد الذات الشاعرة تلجأ إلى اليومي لمقاربة تشظيها الذاتي في ظل عالم قابض لا يستجيب بسهولة لسلطة المتخيل، ففي نص (اسفنجة) نلمح وجودا لليومي، ولكن هذا اليومي لا يشابه اليومي في نصوص شعراء التفعيلة، فاليومي هنا رحلة داخلية تُرصد من الثبات، وليس من تعداد الظواهر المحيطة كما يمكن أن نرى لدى شعراء التفعيلة، فالذات الشاعرة تظهر – في معظم نصوص الديوان – من خلال الاستناد إلى محركين أساسين، ربما كان لهما التأثير الأكبر في ذلك التجلي الإنساني، الفن والحياة، أو الشعر والحب، حيث يتوازيان معا في تشكيل هوية حياتية وشعرية، وحال يومية ممتدة (الشعر ثقب في جسدي/ الحب ثقب آخر/ وأنا أسمن كإسفنجة)، فاليومي هنا وثيق الصلة بالداخل، وما يتجمع لديها من إشكاليات ورهانات وثقوب، والذات في رحلتها اليومية لرتق هذه الثقوب تستعين بمضغ العلكة والدخان، وتأمل دوائره التي تتمدد وتتضخم كنساء بوتيرو.
سامية ساسي: «لا تلتفت لنراها»
ديار للنشر والتوزيع، تونس 2019
90 صفحة.