في تجربة العرض المسرحي تنزاح لغة الحوار بين طرفي العلاقة، الممثل والمتلقي إلى منطقة حيوية من الاشتغال الفني، لطالما تاق المسرحيون الاقتراب صوب حوافها قاصدين الخروج من دراماتورجيا المسرح الأرسطي الذي موضع هذه العلاقة في بنية معمارية ثابتة انتهت فيها إلى التمترس داخل منطقتين يفصل بينهما جدار وهمي، لكن غالبية تلك التجارب لم تصل في ثمار نتائجها إلى ما توصل إليه المسرحي البرازيلي اوغستو بوال (1931- 2009) من تأطير تقني جديد، آخذا بها إلى ناحية إنتاج منظومة مفاهيمة جديدة ارتفعت بالعلاقة ما بين الممثل والمتلقي إلى لحظة خلق وابتكار، تهشمت فيها المفردات المتداولة الخارجة من المنهجية الأرسطية.
عام 1971 ظهر كتاب بعنوان «مسرح المقهورين» للمخرج بوال وجاء الإصدار الجديد بجملة أفكار ورؤى فنية، كانت حصيلة تجارب ذاتية خاضها في البرازيل، استمرت طيلة أكثر من عقدين من الزمان في المسرح البرازيلي، وبهذا السياق يشير الموقع الإلكتروني للهيئة الدولية للمسرح، المنظمة الدولية للفنون الادائية إلى ان ما بين عامي 1956 و1971 كان أوغستو بوال مديرا لمسرح تيترو أرينا في ساو باولو، حيث أنشأت مسرحياته ثورة جمالية كاستجابة للنموذج المستورد من أوروبا والذي كان لا يزال سائداً في البرازيل في ذلك الوقت. وكان الهدف الرئيسي من مسرح أرينا تطوير المسرح الشعبي. وقد تألفت المجموعة في البداية من مسرحيات جديدة كتبها مؤلفون برازيليون شباب وقد أخرج بوال منها أكثر من اثني عشر مسرحية، ولكن سرعان ما توسع المسرح ليعرض الكلاسيكيات العالمية الكبرى لمولير وغوغول وإيل روزانت وماكيافيلي ولوبي دي فيغا وبريخت وفي نهاية المطاف، توصل باول إلى اكتشاف أشكال جديدة مثل مسرح المجلة التي يظهر فيها الممثل/ المتفرج، والذي أنتج بالتالي مسرح المقهورين.
لاشك في ان المسرح في أمريكا اللاتينية يستدعي أنماطاً وآليات من الخطاب المسرحي تبتعد به عمّا تنتجه المسارح الحديثة في أوروبا وأمريكا الشمالية خاصة في ما يتعلق بعروضها التي تتوغل في مناطق بعيدة عن الاستراتيجيات الإخراجية المنضوية تحت الأطر المرجعية التقليدية، نظرا لطبيعة الصراعات السياسية والطبقية المحتدمة التي عادة ما تشهدها أغلب بلدان أمريكا اللاتينة، والمراقب لأوضاعها، سيجد الكثير مما تعانيه هذه البلدان من مشكلات، تلتقي مع ما تكابده المجتمعات في آسيا وأفريقيا في أوجه عديدة وفي مقدمتها مجتمعاتنا العربية، مثل قضايا الدكتاتورية وقمع الحريات وغياب الديمقراطية والسجون السرية لمعتقلي الرأي إضافة إلى شيوع البطالة والفقر والتباين الطبقي الحاد والفساد والمال السياسي، وبناء على ذلك وجد المسرحيون في البرازيل مثل بقية بلدان أمريكا اللاتينة أنفسهم أمام أسئلة لم تكن مطروحة في فضاء المسرح الغربي، لذا حاولوا مثل غيرهم من المسرحيين في آسيا وأفريقيا العمل بناء على ما يرسله الواقع المحلي من شفرات.
من هنا كانت استجابة اوغستو بوال في المسرح الذي بدأ ينشده، ونظرا لان الدوافع إلى تغيير بنية العرض وشكله كان منطلقها محفزات واقعية أعاد طرح إشكالية العلاقة بين العرض والجمهور، في محاولة منه لتفكيك التقاطع القائم بينهما. فالمسألة من وجهة نظره إضافة إلى انها تتعلق بتحديد إطار جديد لوظيفة الفنان المسرحي في الحياة، فإنها بالنسبة له إعادة تشكيل هوية من يقف على خشبة المسرح في شقيّها الاجتماعي والتقني، ومن هذه المعادلة التي مثَّلت خلاصة تجربته المسرحية حاول التأكيد على ضرورة إعادة النظر في الوظيفة التقليدية التي ينهض بها كلّ مِن الممثل والمتلقي في العرض المسرحي، ساعيا في بحثه إلى إلغاء أي حدود تفصل بينهما، فمن الممكن من وجهة نظره ان يصبح المتلقي ممثلا مشاركا في العرض ولديه من الخيارات ما تمنحه فرصة الصعود على خشبة المسرح والتعبير عن أفكاره وقناعاته، مبتعدا عن نمطية العلاقة التي أطّرها تاريخ المسرح .
يمكن اعتبار مسرح «المضطهدين» واحدا من أبرز المتغيرات في مسرح ما بعد الحداثة، لانه تمكن من ان يُحدث قطيعة مفاهيمية في رؤية العناصر الرئيسة التي يتشكل منها العرض المسرحي، متجاوزا بذلك إرثا فنيا كرسه تاريخ المسرح منذ ان عرفه اليونان قبل الميلاد بعشرات السنين، ومضيفا بذلك صياغة جديدة لبِنية العرض من حيث العلاقة مع المتلقي إلى التجارب الطليعية التي سبق ان أنتجتها عروض الحداثة في النصف الأول من القرن العشرين.
المتلقي الممثل
يعد الممثل أبرز العلامات التي اتكأ عليها بوال في إعادة تشكيل التجربة المسرحية، وعندما نذكر كلمة الممثل فإننا نعني المتلقي أيضا، إذ لم يعد ممكنا الفصل بينهما لان العرض المسرحي لن يتحقق إذا لم تحدث عملية مشاركة فعلية في إنتاج محتوى العرض من قبلهما، خاصة وان العلاقة الجديدة بينهما قد نسفت المعايير التقليدية التي كانت مفروضة عليهما، والتي تقتضي آلياتها ان يتواجد كل واحد منهما في إطار مقنن من الحضور والفاعلية، يتيح الحركة لكل واحد منهما في مساحة منغلقة على نفسها ولا تسمح بنية هذه العلاقة بملامسة حدود أي منهما إلا باستثناءات مرسومة بخطوط حادة، وما طرحه بوال في مسرحه من تقنيات في ترسيم جديد لهذه العلاقة تبدو بغاية الجرأة والثورية إذا ما قورنت بتجارب طليعية اشتغلت على الموضوع بما في ذلك ما قدمه برتولد بريخت في مسرحه.
الممثل /المتلقي في مسرح المضطهدين يتحمل المسؤولية الكبرى في صنع الشكل النهائي للعرض، كما تشير إلى ذلك أفكار بوال حيث أراد له أن يلعب الدور الرئيسي في قلب المعادلة وإحداث التغيير في العلاقة ما بين الجمهور والخشبة، فأمسى الممثل هنا مُحفِزاً على التفكير وإيقاظ هاجس التحاور عند المُتلقي، عبر عدد من الآليات الفنية التي وفرها بقصد إحداث مشاركة فاعلة بما سيتمخض عنه العرض من نتائج، ولعل أبرزها تلك الانعطافة الحادة التي أحدثها في شكل العلاقة بين المتلقي والعرض، وذلك بدعوة المتلقي من قبل الممثل الجوكر الذي يقود التجربة بكليتها إلى الصعود والوقوف على خشبة المسرح، ليتخلى بذلك عن دوره كمتلقي وتقمص شخصية الممثل مانحا إياه فرصة إعادة تركيب المشهد المسرحي وفق الرؤية التي يرتأيها للمشكلة المطروحة.
تجربة عراقية
في العراق لم نشاهد تجربة مسرحية تحاول ان تستدعي نموذج مسرح المضطهدين، الذي دعا إليه بوال، حتى عام 2011 عندما تم الإعلان عن تأسيس فرقة مسرح «المنبر الحر» في قضاء قره قوش التابع لمدينة الموصل، حيث قدمت الفرقة عرضها الأول آنذاك بعنوان «ياسلام ياأبو سلام» تأليف واخراج عامر ايوب، وبهذا العرض حاول أعضاء الفرقة ان يتمثّلوا بتجربتهم المتواضعة المفاهيم الفنية التي جاء بها بوال في دعوته لمسرح المضطهدين ولأول مرة اتيحت لنا الفرصة في ان نتلمس دور الممثل «الجوكر» الذي يشكل عنصرا أساسياً في قيادة هذه التجربة المسرحية وفي إيقاظ نمط جديد من العلاقة ما بين الجمهور المسرحي والممثلين. فالجوكر في مسرح المضطهدين يلعب أدواراً متعددة تتوزع ما بين الممثل والمدرب والمُحاور والمسّير للعرض. وفي عام 2012 قدمت الفرقة عرضها الثاني الموسوم «سَجِّلها خوش فكرة» تأليف وإخراج عامر ايوب أيضا، وبعد الانتهاء من العرض تقدم الجوكر إلى الجمهور مُفتتحا حوارا متبادلا بينهما تمحور حول الانطباعات التي كونها عن العرض ورؤيته لطبيعة المعالجة التي ُطرحت مُفسحا المجال لمن يرغب للصعود على خشبة المسرح وإعادة تمثيل بعض المشاهد الأساسية وفقاً لرؤيته ومعالجته للموضوع المطروح وهناك عرض آخر بعنوان «ورطة» تم تقديمه وفق مفهوم مسرح المضطهدين في مدينة الناصرية جنوب العراق والعرض كان مُعدَّا عن نص مسرحية «الفيل ياملك الزمان» للكاتب السوري سعد الله ونوس.
بين بريخت وبوال
لاشك في ان هناك أشكالا مسرحية أخرى سبقت بوال في سعيها إلى تفعيل دور المتلقي وتغيير ايقونية حضوره، وإخراجه من سلبية حالة التلقي التي توقظ فيه مشاعر الخوف والشفقة والتي كرسها المسرح الأرسطي، ولعل أكثر تلك الأشكال سطوعا تجربة «المسرح الملحمي» الذي نظَّر له الكاتب والمخرج المسرحي الالماني برتولد برخت (1898 – 1956 ) عندما منح الممثل المسرحي فرصة ان يتخلى عن حالة الاندماج العاطفي التام مع الشخصية التي يتقمصها وليتبادل «الممثل والشخصية» التناوب على الظهور والاختفاء من أجل كسر حاجز الوهم، أو «الجدار الرابع» الذي يفصل بين العرض والمتلقين الجالسين في الصالة.
إن أفكار بوال المسرحية أحدثت تغييرا في موجِّهات العرض لناحية ترسيخ سلطة الممثل والمتلقي، كانت تنهل منطلقاتها من الفكر الماركسي، كما هو الحال لدى بريخت من بعد ان انتعش تأثير هذا الفكر بشكل كبير في النصف الثاني من القرن العشرين .
من غير الممكن تجاهل المتغيرات التي شهدها العالم الغربي بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، على مستوى الانتعاش الاقتصادي والخدمات الاجتماعية والصحية التي باتت تقدمها الدول والحكومات، لانها كانت سببا رئيسا في ان يتراجع المنهج الأرسطي في العرض المسرحي إلى الخلف أمام الأشكال المسرحية التي تتقاطع معه، ولم تعُد بنية العرض التقليدية تملك ذاك البريق الذي طالما لازمها حتى نهاية النصف الثاني من القرن العشرين، لكن العروض ذات البنية الأرسطية لم يفتر بريقها في أمريكا اللاتينية وآسيا وأفريقيا، لان شعوبها ما زالت ترزح تحت ثقل أوضاع اقتصادية واجتماعية قاسية، رغم تحررها من القوى الاستعمارية التقليدية منذ منتصف خمسينيات القرن العشرين وبقيت أسيرة لسياسات متخلفة لم تستثمر قدرات الإنسان ولم تنصفه في حريته ولقمة عيشه.
هذه البيئة الاجتماعية وفرت ظرفا مناسبا لانتعاش أشكال مسرحية ثورية تتمرد على المعادلة الأرسطية في بناء العرض المسرحي للخروج به إلى فضاء فني يعيد صياغة العلاقة بين الممثل والمتلقي أثناء العرض لا يصبح فيه الاثنان منعزلان عن بعضهما، كما أخرجت هذه الأشكال المسرحية ومنها «مسرح المضطهدين» المتلقي من دائرة الصمت التي عادة ما يركن إليها أثناء عملية التلقي، من غير ان يكون له دور أو رأي بما يجري على الخشبة وبات على الضد من ذلك عنصرا مشاركا في صناعة العرض .