ليس في هذا المقال، ما يسوّغ البحث في نشأة علم العروض، ولا الاستفاضة في المؤثرات التي اكتنفت وضعه. إنما هي محاولة للاستدراك على الأصول، في ثقافة مثل ثقافتنا، ما انفكت تعيد إنتاج نفسها أو تكاد؛ في هذا السجال الذي لا ينقطع بين شعراء الموزون وشعراء قصيدة النثر. وقد أوقفني البحث على دافعين اثنين، قد يكون الخليل صدر عنهما، في وضع أصول هذا العلم وقوانينه، وهما على صلة متينة بحالتنا الشعرية اليوم. وأولهما ما قيل عن إشفاق الخليل من اجتراء بعض شعراء عصره من المحدثين، على الجري على أوزان لم يعرفها العرب ولم تُؤْثَرْ عنهم. فقد هاله ذلك، على ما يروى، فاعتزل الناس في حجرة له، كان يقضي فيها وقتا طويلا يوقع بأصابعه ويحركها، حتى ظن به ابنه الجنون. وما زال حتى حصر أوزان الشعر، كما استقرأه وضبط أحوال قوافيه.
وثانيهما إقامته زمنا في مكة حيث وجد نفسه يعيش في بيئة يشيع فيها الغناء، فدفعه ذلك إلى تدبر الأوزان، وما يمكن أن ينتظمها من قواعد وأصول.
أما الزعم القائل إن الخليل دعا، وهو في مكة، أن يرزقه الله علما لم يسبقه إليه أحد ولا يؤخذ إلا عنه؛ حتى إذا رجع من حجه فتح عليه بعلم العروض، فليس بذي شأن ولا هو مما يأبه الباحث له. ذلك أن وضع علم مثل علم العروض مبني على نظرية التباديل والتوافيق في الرياضيات، هو أحوج ما يكون إلى عقل رياضي وعلم عميق ببنية الأشياء ونظامها، وليس إلى دعاء أو كرامة متوهمة. وأشير إلى أن من القدامى من ذهب إلى أن علم العروض وجد قبل الخليل، وذهب آخرون إلى أن الخليل تأثر فيه بآداب الأمم الأخرى (العروض الهندي السنسكريتي).
وأما الدافعان الآخران: إشفاق الخليل من الأوزان الشعرية التي استحدثها المولدون في عصره، وأثر الغناء والموسيقى في نظريته العروضية، فنأخذهما بكثير من الحسبان.
فقد وضع الخليل نظريته في سياق مشادة بين أنصار القديم وأنصار المحدث، بما يسوق إلى القول، إن علوما عربية مثل علوم النحو والبلاغة والعروض خاصة، يصعب أن تُكْتنه نشأتها، بمنأى عن هذه المشادة أو الخصومة، بل لعلها كانت المهاد العلمي لنظرية العمود الشعري، إن لم تكن الأساس الأول الذي نهضت عليه. ولا نظن قول المعاصرين إن نظرية العمود الشعري إنما تشكلت ملامحها الأولى مع الجاحظ، فابن طباطبا فالآمدي والقاضي فالمرزوقي، من الرجاحة بمكان، بل لعل الأقرب إلى الصواب أن نقول إن هذه الملامح الأولى تشكلت مع الخليل وهو يضع علم العروض ويحصر أوزان الشعر المأثورة عن العرب. والخليل، على ما يبدو من أخبار كثيرة منثورة في مصنفات آلقدامى؛ هاله اتجاه بعض شعراء عصره من المولدين، إلى نظم الشعر على أوزان لم يعرفها العرب ولم تسمع عنهم: فوضع علم العروض ليقيم حدا فاصلا بين أوزان مأثورة وأخرى مهملة مستحدثة. وكان لهذا الحد أثره في وضع حد آخر بين شعر مأثور وشعر محدث. وشاع تعريف لعلم العروض مغلوط أو هو غير دقيق، فقد أقر بعضهم أن «العروض علم يعرف به صحيح الشعر من فاسده». وكان أصوب لو قيل يعرف به صحيح وزن الشعر من فاسده. ولا يخفى ما بين التعريفين من فرق بين، فربما صح الوزن وفسد الشعر؛ وربما فسد الوزن وصح الشعر. ذلك أن الوزن قد لا يكون المدخل الأنسب إلى شعرية النص أو بلاغته أو إيقاعه، وأمره من أمر «التدلال» أو صناعة الدلالة.
لم يفسر الخليل سبب اختياره هذا المصطلح «بحر» على الرغم من أنه ذكر سبب تسمية البحر بحرا. قال: «سمي به لاستبحاره وهو انبساطه وسعته». وكذلك فعل في تعليله كلمة «عروض». جاء في كتاب «العين»: «عروض الشعر لأن الشعر يعرض عليه». وهذا تعليل فضفاض. ومن اللافت حقا أن يبين فايل أن مصطلح «عروض» مشتق من المعنى الحقيقي لهذه الكلمة، أي عمود أو قطعة من الخشب في وسط الخيمة هي الدعم الرئيس لها. ويقول فايل إن الجزء الوسيط من البيت الشعري، إنما سمي عروضا لأنه مركز البيت.
السؤال الذي أطرحه وأنا أرى عجزنا، شعراء ونقادا وباحثين، عن حد «إيقاع» قصيدة النثر، في مسعى إلى إعادة تأصيل الأصول والاستدراك عليها: أكانت القضية عند الخليل قضية وزن مأثور أم شعر مأثور؟
ولعل الخليل وهو العالم استعار مصطلح «بحر» من اليونانية أو من بيئته المائية «البصرة» أي من حركات الأمواج المنتظمة التي قد تكون قدحت فيه فكرة «الإيقاع». وليس ذلك بالمستغرب، فقـد تعلّم الإنـسان من الطبيعة الكثير من مبادئ الأشيـاء وقوانينها ووضبه في أنماط معيشه وسلوكه وسائر منظوماته الثقافية الرمزية. والحق أن الأصل اللاتيني/اليوناني الذي اشتقت منه كلمة «إيقاع» يدل دلالة صريحة على معنى السيلان والسيولة والجريان وكذلك الانسياب، على الرغم من أن البحر «لا يسيل» و»لا يجري» و»لا ينساب». فهذه أفعال لا تستعمل أبدا للبحر. وكذلك كلمة «إيقاع» فهذا هو المطرد في الاستعمال اللغوي. وعليه يكون من الصعوبة بمكان أن نقف على الكيفية التي انتقلت فيها كلمة «إيقاع» في أصلها اليوناني، من دلالة مطابقة يفترض أنها وضعت لمعان مثل الجريان والسيلان وحركة المد، إلى دلالة اصطلاحية.
السؤال الذي أطرحه وأنا أرى عجزنا، شعراء ونقادا وباحثين، عن حد «إيقاع» قصيدة النثر، في مسعى إلى إعادة تأصيل الأصول والاستدراك عليها: أكانت القضية عند الخليل قضية وزن مأثور أم شعر مأثور؟
الجواب الذي أرجحه، أنها كانت الاثنين معا أي أن الوزن المأثور هو الشعر المأثور. وفي حاشية الدمنهوري إشارة بالغة الدلالة إلى ما نحن فيه. فهو يقول إن الأبحر المهملة «لم ينظم فيها إلا المولدون وحينئذ لا يقال لها شعر».
إن القضايا العروضية قضايا خلافية، شقها الخلاف، منذ لحظات التأسيس الأولى، فقد منع الخليل»المتدارك» وعده من المهمل، فيما أضافه الأخفش وعدّه من المأثور؛ وحصر الخليل «المضارع» و»المقتضب» ضمن أبحره الخمسة عشر، وأنكر الأخفش عليه ذلك، متذرعا بحجة الخليل نفسها وهي أن العرب الأقحاح لم ينظموا في هذين البحرين. إنما على ثلاثة عشر، منها الكامل والطويل والبسيط والخفيف والوافر والمنسرح والسريع والمتقارب والرجز والرمل والهزج والمجتث والمديد، أدار أكثر الشعراء شعرهم؛ أي أنهم أهملوا ثلاثة هي المتدارك والمضارع. وما نظن كبار الشعراء فعلوا ذلك إلا قاصدين، فهذه البحور الثلاثة ومعها المجتث، لم ينظم عليها شعراء ما قبل الإسلام وهم الذين كان اللاحقون من أمثال بشار ومسلم بن الوليد وأبي نواس وأبي تمام وابن الرومي والمتنبي والمعري وشعراء القيروان وصقلية والأندلس، يطاولونهم ويحاولون أن يجاذبوهم مكانتهم. وقد نسبوا إلى الزجاج قوله عن المضارع والمقتضب مثلا إنهما قليلان جدا في الشعر، ولا توجد قصيدة منهما لعربي؛ وإنما يروى منهما البيت والبيتان. فلم يكن بالمستغرب إذن أن ينظم كبار اللاحقين من شعراء العربية، على ما نظموا أي على بحور مثل الطويل والبسيط والكامل والوافر والخفيف… وما نظن ذلك إلا لعلة إيقاعية، فهذه البحور ذات الإيقاع الأصيل أو التفعيلات الرئيسة، كما يسميها فايل، هي السبب في ثبات النغم الصاعد أو «جوهر الإيقاع» أي الوتد المجموع الذي لا يصيبه زحاف كما يصيب السبب، ولا تصيبه العلة إلا في عروضه أو ضربه أي في موضع القافية. وهذه ذات إيقاع خاص بها يختلف عن جوهر الإيقاع الصاعد في القصيدة. ومن الملاحظ أن أكثر البحور دورانا في الشعر الجاهلي وهو «الاعظم» في تاريخ الشعر العربي، هي تلك التي تتكون من تفعيلتين، وفيها يأتي جوهر الإيقاع بعد مقطع واحد كالطويل، ليعلو بالنغم في أول البيت ويستمر صاعدا حتى نهايته؛ أو كالبسيط بتفعيلاته القافزة الخافتة الوقع، إذ يبدأ بسببين خفيفين (مستف) ثم تقفز النبرة بحوهر الإيقاع (علن). وفي هذا ما يقدر لذة الأذن ومتعة السمع. أما البحور قليلة الدوران فتتميز بإيقاعها الهابط أي الوتد المفروق المكون من مقطع طويل منبور يتلوه مقطع قصير، وبعض تفعيلاتها تجيء مقبوضة أو مكفوفة. ولعل هذا مما زهدهم فيها.
على أن ما يعنيني في هذا السياق أن المسألة العروضية كانت في الصميم من نظرية العمود الشعري، مثلما هي في سجالنا اليوم. وهذا ما يجعلني أعدها عتبة من عتبات تلقي النص الشعري.
إن مرد «الاشتكال»(وهذا مصطلح لحازم القرطاجني، لعله أفضل من مصطلح «إشكالية) عند أسلافنا، على اختلاف مواقفهم؛ إلى خلط غير مقصود بين الوزن والإيقاع من جهة، ومعجم عروضي وآخر موسيقي من جهة أخرى. لذا نرى لزاما علينا أن نعيد تأصيل بعض المصطلحات العروضية «الغامضة» لعدم كفايتها على صورتها الموروثة في اكتناه الخطاب الشعري قديمه ومحدثه.
كاتب وشاعر تونسي