دمشق – «القدس العربي»: هدد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بشن عملية عسكرية ضد المناطق الخارجة عن سيطرة قوات النظام السوري، قائلاً إن بلاده «لن تتسامح مع الهجمات» التي تشنها فصائل المعارضة المدعومة من أنقرة، على مواقع عسكرية لقوات النظامين السوري والروسي شمال غربي سوريا، حيث وصف هذه الفصائل خلال مؤتمر صحافي عقده في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، بـ «الإرهابية» كما لوح لافروف بعرقلة إيصال المساعدات الإنسانية العابرة للحدود، في حال لم تنفذ تركيا تعهداتها.
قيادي في «الجبهة الوطنية» لـ «القدس العربي»: روسيا تحاول الضغط على تركيا قبيل «قمة الرئيسين»
ويتزامن هذا التهديد مع اقتراب موعد القمة الثنائية للرئيسين التركي رجب طيب اردوغان ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، المقررة في 29 من الشهر الجاري في مدينة ستوشي الروسية، كما أنه يتقاطع مع موعد تشرع فيه السنة السابعة أبوابها، من التدخل العسكري الروسي المباشر لدعم النظام السوري، بعد أن مضت ست سنوات على أولى الغارات التي نفذتها المقاتلات الحربية الروسية، في 30 أيلول 2015، لتضاف إلى خمس سنوات سابقة بدأها نظام الأسد.
وزعم وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف أن القوات الروسية «تستخدم القوة العسكرية هناك ضد الإرهابيين بناء على قرار من مجلس الأمن الدولي، رقم 2254 القاضي بمكافحة الإرهاب بحزم في سوريا».
إدلب في صلب المباحثات
في غضون ذلك، قال المتحدث الرسمي باسم الرئاسة الروسية، ديميتري بيسكوف، إن الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين ونظيره التركي رجب طيب اردوغان، سيناقشان الأسبوع المقبل الوضع في سوريا بما في ذلك إدلب، حيث لا يزال «النشاط الإرهابي .. الخطير» يتدخل في عملية التسوية السورية، مؤكداً خلال برنامج لقناة «روسيا 1» التلفزيونية بأن الملف السوري حاضر على جدول الأعمال.
ومن المقرر أن يضع الرئيسان التركي والروسي خريطة طريق حول إدلب مؤلفة من عدة نِقاط، وعلى رأسها وضع نقاط المراقبة التركية، ومراجعة وضعها ومواقعها تماشياً مع التطورات الجديدة، كما سيتم «تقييم الحاجة إلى إعادة تنظيم نِقاط المراقبة الـ12 بطريقة أكثر تحصيناً وأفضل حماية، وتضمنُ الأمنَ في إدلب» وفقاً لصحيفة «يني شفق» التركية، المقربة من حزب «العدالة والتنمية» الحاكم. وسيبحث الزعيمان ضرورة إحياء الدوريات التركية الروسية المشتركة «لمواجهة التهديد المتزايد في المنطقة، وتفعيل أنظمة المراقبة» و»مراجعة الخطوات التي يمكن اتخاذها بشأن المنظمات في المنطقة والدول الداعمة لها» كما أشارت الصحيفة، إلى أن الاجتماع سيتناول أيضاً وضع خطة عمل جديدة تجاه المنظمات «الإرهابية» المدرجة على مذكرة «سوتشي» وإزالتها من إدلب بالشراكة بين تركيا وروسيا. وستناقش القمة آلية وقف هجمات النظام السوري والميليشيات الإيرانية ضد المدنيين في إدلب، والالتزام بوقف إطلاق النار، وضمان الاستقرار لوقف موجات الهجرة وزيادة الأمن في المنطقة.
وفي موازاة الحراك السياسي، ثمة حراك عسكري مكثف تخوضه القوات الروسية شمال وشمال غربي سوريا، ضد فصائل المعارضة المقربة من أنقرة، قتل على إثرها الأحد، 8 مقاتلين من الجبهة السورية للتحرير.
وقال عضو مجلس قيادة «الجبهة السورية للتحرير» مصطفى سيجري، في حديث مع «القدس العربي» إن عدداً من عناصر الجبهة قتلوا في الغارة الروسية على أحد معسكرات الجبهة في منطقة عفرين في ريف حلب الشمالي. وأوضح سيجري، أن الغارات الروسية أسفرت عن مقتل 6 من الجبهة السورية للتحرير، بينما لا تزال العمليات جارية لانتشال عدد آخر من جثث المقاتلين من تحت الأنقاض، مشيراً إلى «عدم وجود إحصائية نهائية، حتى نهاية عمليات رفع الأنقاض». واعتبر القيادي أن روسيا تصر على استهداف وضرب القوى الوطنية، في سلوك مناقض للتفاهمات والاتفاقيات «ودعماً لإرهاب نظام بشار الأسد وإرهاب حزب العمل الكردستاني».
رسالة روسية
وأبدى سيجري اعتقاده، بأن رسالة روسيا واضحة، مفادها الضغط على أنقرة قبيل انعقاد لقاء سوتشي بين الرئيسين رجب طيب اردوغان والروسي فلاديمير بوتين، والتأكيد على أنه لا يوجد حدود أو «خطوط حمراء للإجرام الروسي» بهدف فرض رؤيته وأهدافه في سوريا، مشدداً على أن موسكو «واهمة إن ظنت أنها ستكسر إرادة المقاتلين».
ويقف السوريون اليوم، على أبواب السنة السابعة من التدخل العسكري الروسي المباشر لدعم للنظام السوري، سخّرت خلالها موسكو آلتها العسكرية، مستخدمة سياسة الأرض المحروقة، ما خلف نتائج كارثية بعدد الضحايا والمجازر وعمليات التهجير، فضلاً عن تدمير البنية التحتية ومسح مدن وبلدات بأكملها عن الوجود.
وفي هذا الإطار قال الدفاع المدني السوري في بيان له الأحد، إن القصف الروسي المتواصل منذ 6 سنوات، أنتج أكثر من 12 ألف مدني بين قتيل وجريح، كما يهدد سلامة أكثر من 4 ملايين مدني شمال غربي سوريا نصفهم من المهجرين.
ووفقاً لإحصائيات منظمة الخوذ البيضاء، فقد أدت الهجمات الروسية البالغ عددها 5586 هجوماً خلال الفترة الممتدة من أيلول 2015 حتى أيلول 2021 إلى مقتل 4018 مدنياً بينهم أطفال ونساء.
ووثق الدفاع المدني السوري خلال ست سنوات من التدخل الروسي، أكثر من 272 هجوماً من قبل القوات الروسية أوقع كل هجوم منها أكثر من 10 ضحايا (قتلى ومصابون) وتسببت تلك الهجمات في مقتل 2448 شخصاً، فيما أصيب 4658 شخصاً آخر، من بين إجمالي الهجمات وثق الدفاع المدني السوري 184 هجوماً تسبب كل منها بوقوع مجزرة، وخطفت تلك المجازر أرواح 2271 شخصاً على الأقل.
وتركزت الهجمات الروسية على مراكز المدن ومنازل المدنيين والمرافق الحيوية، حيث استهدفت أكثر من 3800 هجمة منازل المدنيين، فيما كانت الحقول الزراعية بالمرتبة الثانية 16% من الهجمات، ومن ثم المحال التجارية، 330 هجوماً، ومن ثم المشافي والمراكز الطبية بـ 70 هجوماً، ثم مراكز الدفاع المدني، والأسواق الشعبية، والمدارس ومخيمات النازحين، والمساجد وأماكن عبادة، إضافة لعشرات الهجمات التي استهدفت مبانٍ عامة ومحطات وقود وغيرها من المرافق.
واتبعت روسيا سياسة الأرض المحروقة في دعمها لقوات النظام على مدى السنوات الست الماضية، وتنوعت الأسلحة المستخدمة بالهجمات على المدنيين من قبل القوات الروسية، وكان معظمها بالغارات الجوية بنسبة 92% من الهجمات، فيما شنت روسيا مئات الهجمات بالقنابل العنقودية المحرمة دولياً، واستخدمت كذلك الأسلحة الحارقة في 130 هجوماً على المدنيين.
وتدعم روسيا قوات النظام بشكل مباشر بالأسلحة التي يستخدمها كما زودته بقذائف مدفعية موجهة بالليزر من نوع (كراسنوبول) وهي ذات دقة عالية تستخدمها قوات النظام في استهداف المدنيين وفرق الدفاع المدني السوري.
ووفقاً للمصدر، فإنه مع بدء التدخل الروسي لصالح النظام السوري، ازدادت حملات التهجير وإفراغ المدن، وكانت أولى نتائج ذلك التدخل بتدمير الأحياء الشرقية في مدينة حلب في عام 2016 وتهجير سكانها، لينتقل بعدها التهجير إلى ريف دمشق الغربي وأحياء دمشق الشرقية عام 2017، وكان عام 2018 هو عام التهجير بامتياز، حيث شمل الغوطة الشرقية والقلمون في ريف دمشق وأحياء دمشق الجنوبية، وريف حمص الشمالي، إضافة للجنوب السوري الذي يضم القنيطرة ودرعا.
وتوجه نصف مليون نازح إلى مخيمات الشريط الحدودي مع تركيا والتي كانت تضم نحو مليون نازح ليرتفع العدد فيها إلى مليون ونصف مليون نازح، في حين توجه القسم الأخر إلى ريفي حلب الشمالي والشرقي (عفرين واعزاز والباب وجرابلس).
وما تزال عودة النازحين في الشمال السوري، إلى مناطقهم في ريفي إدلب وحلب التي هجرهم منها النظام وحليفه الروسي خلال الحملة العسكرية الأخيرة محدودة رغم وقف إطلاق النار الذي تم التوقيع عليه في 5 آذار ويخرق النظام وروسيا بشكل يومي وقف إطلاق النار ويستهدفون بقصف جوي وأرضي منـازل المدنيين.
هدن واتفاقيات زائفة
واتبعت روسيا منذ تدخلها العسكري بشكل مباشر في سوريا، استراتيجية فرض هدن شكلية بهدف التفرد والسيطرة على الأرض بحجج خرق هذه الهدن وتكررت تلك الهدن الزائفة والتي كانت بالغالب من طرف روسيا والنظام فقط، دون أي ضمانات دولية، وكانت تسبق أي حملة عسكرية، ومن أهم تلك الاتفاقيات والتي بالرغم من أن روسيا شاركت فيها لكنها تنصلت منها وكانت آثارها كارثية، هي اتفاق خفض التصعيد الذي وقّع في أيار/مايو عام 2017 وتضم مناطق خفض التصعيد محافظة إدلب وأجزاء معينة من المحافظات المجاورة (اللاذقية، حماة، وحلب) ومناطق من شمال محافظة حمص، والغوطة الشرقية، ومناطق محددة من جنوبي سوريا (محافظتي درعا والقنيطرة) ولم تلتزم روسيا بالاتفاق واستولت على تلك المناطق واحدة تلو الأخرى بعد أن دمرتها ولم يبقَ إلا منطقة خفض التصعيد الأولى والتي تضم إدلب وأجزاء من حلب واللاذقية وحماة.
وفي 17 أيلول/سبتمبر من عام 2018 توصلت تركيا وروسيا لاتفاق سوتشي حول إدلب، لكن روسيا أيضا خرقت هذا الاتفاق، ودعمت قوات النظام بشن حملة عسكرية على الشمال السوري في 26 نيسان/ابريل عام 2019، واستمرت حتى 5 آذار/مارس من عام 2020.