الأزمنة المتحولة والتجربة الفنية:
نعني بالأزمنة المتحوّلة، تلك الحُقب التي تحوّلت بحكم بنياتها المعقدة، ونشاط عقل الإنسان ومخرجاته الإبداعية إلى أزمنة أسطورية. بمعنى تتغيّر النظرة بتغيّر الصورة، وتتفاعل بدافع طبيعة المنتِج المتعامل معها. فليس ثمة ثبات في الرؤى، مازال هنالك متغيّر دائم يطرأ على الواقع بإرادة الإنسان أو دونه. أي أن كل زمان أسطوري اكتفى بنفسه، ليمنح الشكل معنى مركّزاً، أو منقسماً على نفسه لإغناء المعنى العام.
ولعل في هذا تأكيد على وظيفة الأسطورة في النص أو الشكل الفني. أي تصبح لها وظائف متنوعة ومحرّكة لكل ساكن، بما تختزنه من بنية ذاتية متحركة قابلة لمستويات القراءة البصرية. فالشكل الفني تتخلله فنياً مجموعة رموز قارّة ودالّة على رؤى واسعة. من هنا تظهر علاقة الفنان بالواقع عبر التخاطر الحر، التعامل مع المفردة اليومية وتمثلها. ويجري ذلك من خلال المعرفي الذي يحدد المنحى والخطوات والتوجهات، وبالتالي يطلق الإمكانيات الذاتية التي هي البديل المُحدِد للرؤية، أي رؤية الزمان والمكان، لأن العلاقة تقام على أساس تشكيل وحدة من أرحام وحدات متعددة. هذه الوحدات مشروطة باللوّن والضوء والظِل والخطوط، ثم الأبيض والأسوّد، والشكل المثير للسؤال والجدل دائماً هو الكيفية. وبالتالي رؤية الأشياء ببصيرة الفنان الحاملة والمستندة إلى ذاكرة غائرة في حراك الأزمنة المتراكمة. هذه الرؤية نجدها قد اصطفَتْ الفضاء الأسطوري كمنحى في التعبير، أو لعكس المعرفة بالأشياء والنزوع الفكري. فجمالية مفردات اللوّحة تتأتى من سردها القابل لطرح وجهات النظر، والمحمول على مدار التأويل، بسبب ما يعكسه الموضوع المرتبط بالرمز الأسطوري، في كوّنه حاملا للمعاني، ومحمولاً على مستويات للقراءة البصرية. فإعادة صياغة الواقع في اللوّحة غير مشروط بحرفيته، بقدر ما مشروط بحرية الرؤى واتساع إمكانياتها الذاتية وممكناتها المعرفية الخاصة والعامّة. إن المعرفة تعمل كضاغط ابتداءً من الحراك الذهني ـ الذاتي ـ وصولا ً إلى زمن تنفيذ الأفكار والرؤى على سطح اللوّحة. لذا نرى أن تعامل الفنان إسماعيل خياط تتشكل من ممكنات متعددة، وتعامله بآليات متباينة. غير أنها جميعاً تعطينا خاصية الفنان في تعامله مع الظواهر والأشكال في الطبيعة، وضمن العلاقات اليومية التي يتداول معها كوجود مكاني وزماني. فهو لا يخضعها لمنظور ضيّق ومحدود الرؤى، بل يوسّع من مساحة تطبيقاته. وهو ما نقصد به ـ التحوّلات ـ بشكلها العام والجامع، وبالتالي تحوّلات الأزمنة. ونؤكد على اختيار زمان الأسطورة وفعاليته، بما تحتويه الأسطورة من حيوية معرفية، ومختزن من البلاغة في الأسلوب والمعنى.

فالنسق الأسطوري مثلاً مكتف بذاته لغة وشكلاً ورمزاً، كذلك إمكانيته في التحوّل والتجاوز للنمط والتقليدية. وخيّاط أمسك بهذه الخاصيّة وعمل على تنشيط مفاصلها نحو الاختيار الحر. فمثلاً نراه قد تعامل مع المرأة، من خلال النظرة الفاحصة والمبدئية الفكرية ـ الجمالية التي يتحكم فيها مفهوم الثنائية التي تعاملت مع الحضارات القديمة والوجود الإنساني. فهي تارة علاقة تضاد، وفي أخرى علاقة تقارب وتآلف، غير أن خلاصة التعامل تتم من خلال بناء العلاقة الرومانسية مع هذا الكيان. الرومانسية بمفهومها الجمالي، أي بما يضفي على الشكل ومحتوياته رونقاً وبهاءً، إذ يجد في الألوان خير معبّـر عن تلون هذا العالم وبهرجته وبهجته التي تنصّب أساساً على الجمال وسمو الطبيعة البشرية الأنثوية، خاصة اقتران الأنوثة برمز الطير في لوحاته. فتحقيق الثنائية يترتب عبر النظرة الإنسانية التي تنعكس في طبيعة الآلية الفنية، التي تـُجسد الألوان والخطوط على شكل زخرفي، حيث تصل العلاقة بين الألوان والخطوط والأشكال الهندسية إلى مستوى التناغم الموسيقي، الذي يدفعنا إلى تمثل الشكل؛ على أنه تعبير عن هرمونية موسيقية بصرية، خاصة حين نلحظ اختلاط بهرجة الطبيعة المسبغة على طبيعة الأزياء الشعبية في كردستان، وهو محاولة إضفاء مسحة أسطورية على كيان المرأة عبر هذا الشكل من احتفاء الألوان، التي تتمثل طقسية خاصة مثيرة وداعية للاندهاش.
إن القدسية التي اكتسبتها الأسطورة كونها تعاملت مع الحيوات برؤية تجاوزت النمط الذي هي عليه، باتجاه ما يبتكره الخيال، وخلق مكانة خاصة للحيوات، ارتقت بها أفقياً وعمودياً. هذا المنحى في التعبير يؤشر إلى مسألة أساسية في الخلق الفني ؛ وهو التعامل الشعري مع اللوّن والخط بكل أشكاله وهيئاته، وبالتالي يكون أمامنا نوع من التخاطر الحلمي ـ إن جاز التعبير ـ فالشكل المنعكس على اللوّحة هو عبارة عن حلم متدفق، يستلم مفرداته من المخيـال، حيث ينتظم في سردية لونية وخطية متنامية، فالحلم هو الأساس الذي تنبني عليه وبموجبه الرؤية الفنية للواقع وعلاقاتها الخفية والمُعلَنة، فالفنان معنيّ بما هو غير مرئي عبر المرئي أثناء التعامل مع المشهد، لذا نرى ثمة انزياح في ما يرى الفنان، وما تراه عينه الفنية، وما نراه نحن كمتلقين. وهو مركز التفاعل، أو الذي يُطلق عليه المعادل الفني، لأن اللوّحة تعتمد على مجموعة رؤى منها أولاً: رؤية الفنان وثانياً: رؤية المُبصِر لها. فالسطح أيضا محدد برؤيتهما المتباينة أو المتفقة والمتقاربة. ففي هذا يلعب المعرفي دورا أساسيا في تشكيل الرؤى. فالنص هو واحد، سواء وجد في الطبيعة أو ضمن حركة الواقع الإنساني، أو هو من محددات رؤية التشكيلي أو المتلقي البصري. وفي هذا يلعب الحلم، الذي توحي فيه اللوحة كمحرك، دوراً مبهجاً عند المتلقي وفي الضفة الأخرى للتوصيل الإبداعي. هذه الحلمية تبرز من خلال تشكل بعض الرموز على سطح اللوحة.
ولعل ما يميّز لوحة خيّاط، بروز الحمامة كرمز أسطوري له من العطاء الكثير من خلال دلالاتها في الميثولوجيا كدلالة الطمأنينة والسلام، واستشراف الوجود المادي، كما في حكاية (نوح) والتوسل بها لمعرفة المستقر المادي الذي ينزع لصياغة عالم جديد، فهي تحتفل ببهجة الحياة، بعد شدّة تداعياتها وتناقضاتها، ما دفع أسطورياً إلى تشكيل نمط من بؤر التغيير، ونعني به (الطوفان) فهو حاصل تحصيل للذهن المتوقد، الذي يرجّح التغيير وليس سيادة النمط، ونعني به الحياة الجديدة، التي نزع إليها نوح مع الجماعة. فرمز الحمامة يقف مضاد ا موضوعياً لكل ما هو قامع للحياة والقاتل لجمالها. وهو هنا لا يستخدمه بقصديه لا تثير التقليدية في الاستعمال، بقدر ما يضعه في الصورة بدوافع العفوية الفنية، التي تشير إلى رديف الظاهرة، بتحقيق نوع من التوازن بين المعرفة والخَلق.
ولعل ما يميّز لوحة خيّاط، بروز الحمامة كرمز أسطوري له من العطاء الكثير من خلال دلالاتها في الميثولوجيا كدلالة الطمأنينة والسلام، واستشراف الوجود المادي، كما في حكاية (نوح) والتوسل بها لمعرفة المستقر المادي الذي ينزع لصياغة عالم جديد.
يضاف إلى ذلك الحالة التي عليها الألوان، وهي تنسكب على القماش، فهي تستقبل بعضها وتتآخى بتلقائية شعرية خالصة، لما للعلاقة الجارية بين تقاطعها وتلاقيها، من بناءات دالة على هرمونيتها وانسيابها وتشكيلها للكُتل والامتداد طولاً وعرضاً، وبتداخل رشيق دال على تناغم مستوى التلقي عند الفنان لمفردات الطبيعة والأشكال والهيئات، وهذا ينعكس من خلال تمثلها في اللوّحة. فهي أقرب إلى المنمنمات والزخرفات الدالة على تناغم لوني معني بطبيعة اللوّن في علاقته مع الألوان الأخرى المجسّدة لشعرية اللوّن، كما هي شعرية الخطوط. ولعل المخيـال هو العنصر الأساس الذي يؤدي إلى مثل هذا الخلق الفني. فهو المفجـر للإمكانيات الذاتية التي تجد لها حيّزا للظهور وإبراز ذاتيتها البانية لشكل الحياة، من خلال التعبير الأكثر إمكانية في تحقق وتمثل الظواهر المنظورة وإحالتها إلى ظواهر غير منظورة ومستترة في آن. فمثلا في تعامله مع الطيور ووجودها في اللوحة، فإنه يعتمد على طبيعتها التلقائية في الواقع. ويراعي في ذلك تعاملها مع الفضاء، لذا يكون وجودها في اللوحة بمثابة إضفاء جديد مؤثر في حركة الحيوات الأخرى، بمعنى تغدو مركزا أساسيا لما هو داخل اللوحة. فالسباحة الفضائية التي عليها الطيور، دليل على مثل هذا الإضفاء الحيوي. وبالتالي تشير حركتها هذه إلى ما يؤشر إلى الصراع الدائر في الحياة بين القوى المتضادة التي تترفع اللوحة عن عكسها بشكل مباشر. وما يرفد هذه القراءة، توفر اللوحة على الأبواب والشبابيك التي هي أيضا من مفردات الرموز الدالة على الظواهر، والمؤشرة إلى الانفراج والانفتاح على المستقبل. فهي رموز على الرغم من حيادية دلالتها، إلا أنها تصّب في عمق الظواهر كتعبير فني خارجي مقابل الداخل المليء بالرؤى السحرية التي يسببها الغموض أو الرؤية العميقة أو غير التقليدية. يعمل خياط هنا على الرغم من استخدامه للون الأسود، وهو لون يُحيل الفاحص إلى الاشتقاقات، لأنه يقابل على السطح الأبيض مثلاً، والحركة غير المحدودة للأشكال والخطوط، بما فيها الانحناءات.

يمزج إسماعيل خيّاط بين الواقع والخيال، بمعنى أدق، يُدخل الواقع في حقل ومختبر الخيال. وهذا يتجسّد أكثر في هيئات البيوت والمرتفعات الطبيعية، فهي مزيجه بين الواقع والخيال، تلعب فيها الرؤية الهندسية للأشكال دورا في تجسيد معمارها بما يراه الفنان عبر خياله، وبما قرّبه من الرؤية الأسطورية من خلال مكوناتها، لذا فالطبيعة تبدو أكثر جمالا في اللوحة، على الرغم من محدودية اللون، لأن الفنان أضاف إلى جمالها جمالا آخر وهو يحاول إنشاء عمارته الفنية.
الرؤى المتحوّلة
نرى ومن خلال استعمالات الفنان للآلية الفنية؛ أنه ينحو إلى لملمة إفرازات الأزمنة، والاتخاذ من تراكمها، مساحة من اختيار أسس التعبير المتعلقة بتجربته الفنية الواسعة نوعاً وتاريخاً. فخيّاط ينتمي إلى مجاميع رائدة في حراك التشكيل العراقي. وله في رصد التجارب الحياتية، وحصراً ما مرّ بكردستان من أحداث مهولة، دفعه إلى مثل هذا التكثيف في رؤية المشهد. فنحن نجده يحتفي بالألوان وزخرفتها تارة، وزيادة كثافة ألوانها تارة أخرى، ثم نحى إلى إضفاء الجمال على الطبيعة، من خلال تجميل سفوح المرتفعات بما تنتجه الرؤى الفنية بالتضامن مع الفنانين، ومحاولة كسر نمط السكون باستنطاق الحجر.. نجده أيضاً ينحو لأرخنه الوقائع. لكن السؤال الموجب هنا: لماذا يكون مثل هذا الفعل الآن؟ لا يجد جواباً، سوى في الملَكة الذاتية. وحسبي أن المبدع يعيش بين ظهراني الواقع والتاريخ. وحصراً لا يستطيع التخلص من تأثير التاريخ على ملَكته، لأنه المتحكم لا شعورياً بالواقع الحاضر. لكنه لا ينقاد إليه عشوائياً. بمعنى التبصّر في مجرياته، والاحتكام إلى معارفه. كل هذا يشكّل مختبراً لصياغة مسار جديد ترتضيه ذائقة وملَكة الفنان بطبيعة الحال.
أما في مجال البناء الفني، فإنه من خلال مجموعة المعاني المضمرة، التي تتسابق في أخذ حيّزها في الشكل المفترض، نراه يعتني بالمكوّنات الفنية للوّحة. وخيّاط ممن يستحضر تلك المفردات، لأنه يتعامل مع ذاكرة لابد لها من النشاط في مجالات عدّة. وهذا ما نطلق عليه؛ جدلية الإبداع، في كونه يستخدم كل الوسائل والرؤى لغرض تحقيق ممكنات واضحة ومعبّرة. ولعل اللوحة عنده، مستكمل أكيد لوضع التجربة قيد الحراك في التعبير، فهو ومن خلال ما وجدنا، يعمل على استقلال اللوحة الواحدة، باعتبارها وحدة فنية، غير أنه لا يُبعدها في مجال حراكها الداخلي عن ما سبقها أو لحقها. ونقصد فيه استعمالات الرموز، بل يبقيها على اتصال دائم وجدلي، تتحكم فيه الرؤى المتعددة التي تنتج إبداعاً، فهو باستعماله لهذه الرموز وعلى هيئات مختلفة، يُحقق عنصر الإبداع على سطحها. فالرمز عنده حالة متحوّلة في النسق والمعنى.
ما نريد أن نقوله بشأن التحوّلات في لوحة الفنان؛ هو المتحقق الأسلوبي. ونعني به أيضاً طريقة التعامل مع المفردة، سواء كانت تاريخية أو أسطورية. فهو بتحويله الواقعي إلى أسطوري، إنما يستعين بالممكن من المعارف من جهة، وبالمتوفر المسبغ على رموز بيئية من جهة أخرى. ورموزه تخضع لرؤى قارّة، كذلك إلى ما هو متحوّل لنسقها ضمن رؤى الفنان ورؤى الآخر. وذلك في علاقتها الأسلوبية داخل النص التشكيلي. من هنا نرى أن الفنان يجنح إلى وضع مجموعة في كتلة واحدة. تؤدي كل مجموعة وظائفها تارة وتندمج ضمن الرؤى العامة للتعبير عن الكل الفكري تارة أخرى. بمعنى يكون الفنان على مستوى التعبير قد دمج الجزء بالكل، وقرّب الرموز من أجل كشف الظواهر. وتعبيره موصول بمجموع الخطوط ذات الصلة المعبّرة والمشكّلة للنماذج التي تقودنا إلى الكيفية التي يستثمر من خلالها الخيال باعتباره العنصر الأهم والدافع لفتح آفاق جديدة أولاً ضمن حقله التشكيلي، ثم تعميق بنية المعنى في اللوحة ثانياً. وفي هذا أيضاً يستفيد الفنان من التاريخ لسرد حراكه لكن ـ كما أكدنا ـ عبر استعمال أساليبه في تشكيل تاريخية اللوّحة عبر معانيها.
كاتب عراقي