الناصرة- “القدس العربي”: تطرقت أوساط إسرائيلية من اتجاهات سياسية مختلفة إلى تغييب رئيس حكومة الاحتلال نفتالي بينيت القضية الفلسطينية خلال خطابه في الأمم المتحدة، ووصف أحد المعلقين سلوك بينيت بـ”سلوك النعامة التي تطمر رأسها بالرمل”، فيما اعتبر محلل إسرائيلي بارز أن خطاب بينيت “صبياني ومخجل”.
ويقول المحرر الاقتصادي في صحيفة “يديعوت أحرونوت” سيفر بلوتسكر، إنه على حائط مدخل غرفة عمله في مقر صحيفته كان معلقا لسنوات طويلة خطاب مؤطر لرئيس وزراء إسرائيل في الجمعية العمومية للأمم المتحدة.
وتابع بلوتسكر مستذكرا أرئيل شارون: “هذا ما قاله رئيس حكومتي، وأحيانا بصوت مختنق ومنفعل، في خطابه في أيلول 2005: “اليوم أنا، الذي قادني مسار حياتي لان أكون مقاتلا، قائدا ومفكرا في كل الحروب، أمد يدي إلى جيراننا الفلسطينيين في نداء للمصالحة وللحل الوسط، لوضع حد للنزاع الدموي وللصعود معا إلى المسار المؤدي إلى السلام وإلى التفاهم بين شعبينا. أنا أرى في ذلك رسالتي ومهمتي الأساس في السنوات القادمة”.
وأضاف أن شارون قال في حينه لزعماء العالم، وهو زعيم عملي وأيديولوجي صلب لليمين السياسي: “إسرائيل عزيزة علي، عزيزة علينا، نحن اليهود، أكثر من أي شيء آخر. والتنازل عن أي جزء من أرض آبائنا وأجدادنا يمزق القلب، صعب كشق البحر الأحمر. ولكن حق الشعب اليهودي على بلاد إسرائيل لا يعني تجاهل حق الآخرين في البلاد. فالفلسطينيون كانوا جيراننا أبدا. نحن نحترمهم ولا يوجد لنا أي تطلع لأن نحكمهم. هم أيضا يستحقون الحرية والوجود الوطني السيادي في دولة خاصة بهم”.
ويشير بلوتسكر إلى أن أرئيل شارون لم ينجح في أن يحقق مهمة حياته كما عرّفها في ذاك الخطاب، السلام الإسرائيلي – الفلسطيني فقد تعرض لنوبة دماغية كبيرة بعد أشهر من ذلك، لم ينهض منها، ويتابع “وأقواله يتذكرها التاريخ ويتذكرها غير قليل من أبناء جيلي. الآخرون نسوا وأنسوا. دليل قاطع على النسيان الواعي اعطاه قبل أيام رئيس الوزراء نفتالي بينيت بخطابه أمام الجمعية العمومية للامم المتحدة. الكلمة المحظورة “فلسطينيين” لم تخرج من فمه وتعبير السلام مع الجيران الفلسطينيين لم تخرج من فمه، فما بالك “دولة خاصة بهم”؟.
بلوتسكر المؤيد لتسوية الدولتين يقول إنه حتى بنيامين نتنياهو، خبير خطابات الاستفزاز المسرحية، رأى واجبا سياسيا – وطنيا عليه أن يعلن في الجمعية العمومية للامم المتحدة في أيلول 2016: “اعرف أن الكثيرين منكم رفعوا الأيدي ولكني أريد أن تعرفوا – أنا لم ارفع يدي. أنا لا أزال أؤمن بحل الدولتين للشعبين”.
ولاحقا دعا رئيس الوزراء في حينه نتنياهو رئيس السلطة الفلسطينية أبو مازن لأن يخطب في الكنيست ووعد، بالمقابل لان يخطب أمام البرلمان الفلسطيني في رام الله. ويضيف بلوتسكر ساخرا متسائلا “ليس هكذا رئيس الوزراء بينيت. فقد تجاوز النزاع الدموي الذي يصمم ويحسم مصيرنا كدولة وكشعب وكأن به بقعة ماء ضحلة ومهملة، دون أن تبل هوامش عباءته السياسية، فيما بالغ في الثناء على الحياة الطبيعية الإسرائيلية، فأي حياة طبيعية بالضبط يوجد في حكم ما لا يقل عن 2.5 مليون أبناء شعب آخر يرون فينا جيش احتلال؟.
وأوضح أن بينيت في المقابل، استطرد جدا في خطابه في الأمم المتحدة في التبجحات على حملة التطعيمات الإسرائيلية وكأن التطعيمات ضد فيروس الكورونا هو اختراع عبقري للعلم الإسرائيلي المحلي. ويخلص للقول “خطاب بينيت في الأمم المتحدة لن أؤطره ولن احفظه. لسماعي الخطاب شعرت، كإسرائيلي فخور، بأمواج من الحرج حتى الخجل والذي تضرب بي بشدة. سأرغب في أن أنساه بأسرع وقت ممكن”.
ووجه محلل الشؤون الحزبية في صحيفة “هآرتس” يوسي فيرتر انتقادات أكثر حدة لبينيت ويقول إنه بنظرة إلى الوراء، إذا كانت خطابات نتنياهو الرنانة قد تبين أنها تشبه زبد البحر فان الخطاب الذي القاه بينيت كان الزبد نفسه.
ويتابع فرتر “الاحابيل لم تختف فقط في هذه المرة عن المنصة، بل أيضا مكان الكارثة كان هو الرائد. لدى نتنياهو كان يمكن زج المحرقة في كل خطاب. هو لم يشبع من الكارثة. في كل خريف كان يصعد على المنصة ويزرع الخوف والرعب. ليس في قلوب الدبلوماسيين في القاعة، الذين تعبوا من المكائد، بل هنا أيضا في البلاد. فقد كان يقارن إسرائيل، التي هي إحدى الدول العظمى العسكرية القوية في العالم، بيهود أوروبا في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، وكأنها توجد على بعد خطوة من التدمير. وأنه هو المدافع الوحيد عنها والمخلص الوحيد لها. هذه كانت مناورة هزلية ومتلاعبة لأغراض داخلية. وقد أحسن بينيت صنعا عندما أبقى مقولات المنفى خارج خطابه. كان الاسلوب وطريقة التسليم في هذه المرة مختلفين. ولكن المضمون هو نفس المضمون: أبراز انجازات إسرائيل والتركيز على تهديد إيران”.
ونوه إلى أن بينيت ذكر إيران تقريبا مثلما ذكرها سلفه نتنياهو، لكن كلمة “فلسطينيين”، لم يتم ذكرها ويتابع ساخرا هو الآخر: “النزاع الأكثر قربا منا والذي يشكلنا ويقسمنا ويسفك دماءنا ودماءهم غير موجود في الخطاب الدولي لرئيس حكومة اسرائيل. أبو مازن في الاسبوع الماضي في خطاب هجومي و”تهديدات فارغة” قام بطرح أسئلة استفزازية كانت تحتاج إلى ردود قوية. وماذا بالنسبة لبينيت؟ لقد فضل أن يترك الكرة تمر من جانبه وأن ينتقل إلى ساحات أسهل عليه، وكأنه لم يكن هناك احتلال وسفك دماء ومعاناة وابرتهايد في المناطق في أي وقت”.
ويقول فرتر إنه بضغط من الائتلاف غير الممكن من هذه الناحية وبدون أي شيء حكيم يمكن قوله، بينيت ببساطة أعاد صفحة الرسائل خمسين سنة إلى الوراء، إلى عهد غولدا مئير “لا يوجد شعب فلسطيني” وهذا تجاهل صبياني مخجل”.
ويتابع فرتر في الحديث عن الحكمة والغباء في موقف بينيت “صحيح أن لا أحد توقع بالتحديد من نفتالي بينيت أن يقوم بدعوة الرئيس الفلسطيني للبدء في المفاوضات. ولكن لو أنه قال بضع جمل عن الاستعداد لتحسين حياة الفلسطينيين والتركيز على اقتصاد المنطقة ورفاه سكانها؛ والرغبة في مساعدة الغزيين البؤساء على إعادة التأهيل؛ والحاجة إلى تجنيد العالم لبناء بنى تحتية في القطاع مع نزع سلاح حماس، لما كان ذلك سيعيبه”.
مراقبون إسرائيليون شبهوا سلوك بيينت بموقف غولدا مئير الفارغ وغريب الأطوار
وينضم فرتر لمراقبين إسرائيليين آخرين شبهوا سلوك بيينت بموقف غولدا مئير الفارغ وغريب الأطوار حينما قالت “لا يوجد شعب فلسطين” واعتبروا أن بينيت ذهب للأمم المتحدة لالتقاط صورة تحقق له مكاسب انتخابية له ولحزبه الصغير (ستة مقاعد فقط) تؤثر على وعي الإسرائيليين في محاولة لإقناعهم بأنه زعيم ويستطيع تمثيل إسرائيل في ظل مزاودات داخلية عليه وتشكيكات بقدراته.
من جهته يؤكد الباحث في الشؤون الإسرائيلية أنطوان شلحت أن حكومة بينيت- لبيد حكومة جديدة تتبنى سياسة قديمة وقال إنها تبدو بعد مرور مئة يوم على إقامتها في حالة استقرار نسبية جيّدة، ومن المتوقع أن تواصل القيام بمهماتها في ظلّ ذلك، إلى حين ظهور أزمات قويّة من شأنها أن تهدّد هذا الاستقرار وقد تؤدي إلى انفراط عقدها.
ويستذكر أن وزير خارجية الاحتلال يائير لبيد عبّر عن رؤيته في مقال ظهر في صحيفة “هآرتس” (19/9/2021) تحت عنوان “الأيام المئة الأولى من سياسة خارجية مختلفة”، ويثير انطباعاً عاماً آخذاً بالتعزّز بأن سياسة الحكومة الجديدة حيال القضية الفلسطينية هي نفس السياسة القديمة للحكومات السابقة، والتي هناك شبه إجماع داخل إسرائيل على أن من بات يُحدّدها هو اليمين وأن “معسكر الوسط – اليسار” يسير منقاداً وراءه بإرادته، منوها إلى أن هذا ما أشارت إليه دراسة جديدة صادرة عن “مولاد- المركز لتجديد الديمقراطية في إسرائيل” قمنا بترجمتها ونشرها في مركز “مدار” ضمن العدد 73 من سلسلة “أوراق إسرائيلية”، وأكدت كذلك أن هذا الواقع صار إلى رسوخ من جرّاء تحوّلين شهدتهما المؤسسة السياسية في إسرائيل في الأعوام العشرين الأخيرة: من جهة، تبني “معسكر الوسط- اليسار” رؤى اليمين ولا سيما حيال ما تسمى بـ”عملية السلام” ومن جهة أخرى، صعود اليمين الشعبوي النيو ليبرالي الذي يسعى للهيمنة على جميع مؤسسات الدولة.
وبرأيه ينعكس هذا الأمر في ما كتبه لبيد ضمن المقال المذكور في منحيين: الأول، بذل “كل شيء- بما في ذلك مواجهات علنية مع أصدقائنا- كي نكشف الطبيعة الحقيقية للنظام الإيراني ومشاريعه للحصول على سلاح نووي”؛ الثاني، عدم التردّد في “شنّ عملية ضد قطاع غزة إذا ما واصلت حركة حماس إطلاق الصواريخ على مواطنينا”.
ويعتبر شلحت أنه من شأن مقال لبيد هذا أن يعيد إلى هويته السياسية هو وحزبه “يوجد مستقبل” وأول ما يتبادر إلى الذهن أن من يروّج تهمة اليسار حيال حزب لبيد هو بنيامين نتنياهو، في حين أن الأول لا يدع مناسبة إلا ويردّ فيها هذه التهمة، ويؤكد أنه وسطي. ويضيف “في إحدى هذه المناسبات – في نهاية العام 2020 – شرح لبيد أن الوسط الذي يقصد تأطير نفسه ضمنه، مغاير كليّاً لليمين الذي قال عنه إنه يتبنى قيماً قومية، ولليسار الذي وصفه بأنه يتبنى قيماً تقدمية وليبرالية. وبرأيه فإن ليبرالية اليسار في الممارسة الإسرائيلية استحالت إلى جزءٍ من ديانة حقوق الإنسان الكونية ما أدى إلى تركه الساحة الصهيونية وإلى قيامه بأفعال تناقض فكرة الدولة اليهودية فيما يحاول لابيد إنتاج نفسه كحزب وسط بالرغم من أن أفكاره السياسية والاقتصادية يمينية”.
ويؤكد أن الأساس الأيديولوجي لحزب “يوجد مستقبل” يشي بأنه انطلق من داخل الإجماع الصهيوني اليهودي حول هوية الدولة، والتي لا ينبغي برأيه أن تكون يهودية في هويتها وتوجهاتها الثقافية فحسب، بل أيضاً عليها أن تكون ذات أغلبية يهودية ودولة قومية للشعب اليهودي في أي مكان.
وأشار شلحت إلى أن يمينية الحزب تظهر في الجانب السياسي من برنامجه، حيث جاء: لا يوافق الحزب على الاتهامات الذاتية التي يُطلقها جزء من الجمهور الإسرائيلي في مسألة السلام بقوله “نحن نعتقد أن الفلسطينيين رفضوا مرة في إثر مرة يد إسرائيل الممدودة إلى السلام. ويقترح الحزب تبني “حل الدولتين” ولكن ليس بدافع الاعتراف بحقوق الفلسطينيين القومية، بل لغاية الحفاظ على إسرائيل كدولة يهودية ذات أغلبية يهودية، ويعتبر المستوطنين صهيونيين حقيقيين، حيث يشير البرنامج إلى أن “السلام هو الحل المعقول الوحيد للتهديد الديموغرافي ولأفكار مثل دولة كل مواطنيها ودولة ثنائية القومية”.
ونوه شلحت أيضا إلى أن شكل الحلّ النهائي الذي يقترحه لابيد فيتمثل في “حل الدولتين”، من دون العودة إلى خطوط 5 حزيران 1967، وعبر الإبقاء على الكتل الاستيطانية في الضفة، والإبقاء على القدس عاصمة موحدة وأبدية لإسرائيل، وحلّ مشكلة اللاجئين في الدولة الفلسطينية فقط، وتمتلك إسرائيل الحق في محاربة “الإرهاب” حتى داخل الدولة الفلسطينية التي ستُقام. ويوضح برنامج الحزب السياسي أنه لا يقدم تصوراً مختلفاً منذ تأسيسه، عما طرحه نتنياهو في “خطاب بار إيلان”، غير أن الأخير يريد من الفلسطينيين الاعتراف بإسرائيل كدولة يهودية بينما يريد لبيد انتزاع ذلك على أرض الواقع.