لم يبق أحد على وجه المعمورة تقريباً لم يشاهد على شاشات التلفزيون أو مواقع التّواصل الاجتماعيّ جانباً من معالم الأزمة، التي ضربت بريطانيا بداية الأسبوع الماضي وانعكست طوابير انتظار طويلة أمام محطّات الوقود ومشاهد رفوف وثلاجات فارغة في محلات السوبرماركت.
سخر كثيرون، لا سيّما في القارة الأوروبيّة، كما مستعمرات بريطانيا السابقة، من الحالة المزرية التي وصلت إليها الإمبراطوريّة، التي كانت قبل مئة عام الشمس لا تغيب عن أملاكها حول العالم، وصارت اليوم وكأنها أسد عجوز متقاعد منزوع الأنياب.
وإذا كان لسكان المستعمرات القديمة أسبابهم التاريخيّة المعروفة، التي تبرر لهم سخريتهم من الجزيرة، فإن الأوروبيين كانوا شهدوا منذ وقت قريب تلك الاستعراضات الشوفينيّة الشعبويّة الهائلة التي قامت بها النخبة المحافظة الحاكمة في لندن – بمن فيهم بوريس جونسون، رئيس الوزراء الحالي وطاقمه الحكوميّ – طوال خمس سنوات (2016 – 2020) ضد عضوية المملكة المتحدة في الاتحاد الأوروبيّ (والتي أنهيت ليلة 31 كانون الثاني/يناير 2020) وصراخهم المتبّل بالصلف والأوهام عن استعادة السيادة المختطفة من قبل بروكسل – مقر الاتحاد – وإيقاف موجات هجرة الأوروبيين الفقراء، واستعادة ملايين الجنيهات أسبوعيّاً من قيمة المساهمة الماليّة في ميزانيّة الإتحاد (فريق جونسون كان يتجوّل للدعوة إلى ما صار يعرف ببريكست بحافلة ضخمة كتب عليها أن بريطانيا ستوفّر حال إسقاط عضويتها 350 مليون جنيها أسبوعيّاً، يمكن أن تخصص لإنقاذ نظام الصحّة العامّة البريطاني الذي يواجه مصاعب ماليّة).
لكّن ما انتهت له المملكة كان نقيض ذلك تماماً، إذ أنّها بعد سلسلة من الإجراءات التي ترتبت على (بريكست) توقف عمليّاً تدفّق العمالة الرخيصة إليها من دول شرق أوروبا، بمن فيهم سائقو الشاحنات، بل وغادر حوالي خمسين ألفاً – من السائقين تحديداً – بشكل نهائي، في الوقت الذي تضاءلت قدرة هيئة ترخيص القيادة على إجراء اختبارات لسائقين جدد بسبب جائحة فيروس كورونا، الأمر الذي تسبب بعجز يقدّر بـ 125 – 175 ألف سائق لن يسهل تعويضه قبل عدّة أشهر على الأقلّ.
وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على قدرة شبكات الإمداد المحليّة على توصيل المحروقات والمواد الاستهلاكيّة للمحطات ومحلات التجزئة وكذلك نقل المواد اللازمة لأعمال الإنشاء والتصنيع والخدمات.
أكثر من أزمة وقود
المصاعب التي تواجهها بريطانيا 2021 تجعل من أزمة توصيل المحروقات والمواد الاستهلاكيّة مجرّد عرض شكلي يسهل نقله مصوراً ضمن نشرات الأخبار، وربّما لوم المواطنين على تدافعهم لتخزين المواد، لكنّه غير كاف لرسم صورة واقعيّة عن أبعاد العاصفة الهائلة، التي توشك أن تضرب استقرار المملكة، وتمتد رياحها عبر إمدادات مشتقات البترول، كما الغاز وتوليد الكهرباء وما يرتبط بها مباشرة كالتصنيع والنقل والزراعة والإنشاءات والتصدير والاستيراد، وبشكل غير مباشر في مختلف القطاعات الاقتصاديّة كصناعة الضيافة، وتجارة المواد الاستهلاكيّة، وخدمات الاتصالات، بل وأيضاً التعليم والصحة العامة وإنتاجيّة الموظفين.
العاصفة الكارثيّة الآتية هذه ليست ابنة لحظتها، أو نتاج فشل حكومة جونسون – الذي لا خلاف عليه – وإنما نتيجة لسياسات مستمرّة من قبل الحكومات المتعاقبة منذ عقود، والتي اكتفت بحلول مجتزأة وسطحيّة للعيوب البنيوية في الاقتصاد البريطانيّ غلب عليها الطابع النيوليبرالي، ووجهت أساساً لخدمة مصالح الرأسماليين الكبار، ومارست إهمالاً يصل إلى حد الإجرام تجاه التحديّات الاستراتيجيّة التي تواجهها البلاد.
أبعد من الجزيرة البريطانيّة
استكشاف طبيعة التحديّات الاستراتيجيّة التي تواجهها المملكة المتحدّة يشير إلى ارتباطها بشكل أو آخر بسوء إدارة الموارد، الذي مارسته الرأسماليّة العالميّة منذ بداياتها الأولى إبّان الثورة الصناعيّة (بداية من بريطانيا حوالي العام 1850) وكميّة الانبعاثات التي يطلقها الاعتماد على الوقود الأحفوري المستخرج من الأرض (البترول والفحم) والتي يعتقد أنّها قد تؤدي إلى ارتفاع في درجات الحرارة عالمياً بـ 1.5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الثورة الصناعيّة، والتي قد تصل إلى 2.7 درجة مئويّة مع حلول العام 2050، وهي الدرجة التي تستمر بعدها الصفائح الجليدية في القطبين الشمالي الجنوبي في الذوبان، وبالتالي حدوث تغييرات بيئيّة ومناخيّة جذريّة قد تستمر لألف عام أو أكثر وستكون ظاهرة لا يمكن وقفها. وبينما يتعيّن على دول العالم أن تخفّض مستوى انبعاثات الكربون بنسبة 45 في المائة لتجنّب حدوث ذلك، فإن أحدث تقارير الأمم المتحدة تشير إلى أن هذه الانبعاثات وفق المستويات الحالية ستصل إلى زيادة بنسبة 16 في المئة مما يعني كارثة محتّمة للكوكب.
لم تتبن الحكومات البريطانيّة المتعاقبة ما يكفي من الإجراءات للتعامل مع هذه المسألة واكتفت سياساتها دائماً بحل المشكلة على المدى القصير أو ترحيلها إلى مكان آخر. فقد أغلقت حكومة (مارغريت) تاتشر مناجم الفحم وانتقلت البلاد للاعتماد على الغاز، لكن آبار بحر الشمال التي قدّمت معظم الاحتياجات نضبت تقريباً، مما حدا ببريطانيا إلى استيراد الغاز عبر فرنسا من خلال خطوط وكابلات بحرية تحت القنال الإنكليزي، إضافة إلى شراء الغاز المسال من دول مختلفة مع ممارسة سياسة عداء غير مبرر تجاه روسيا، التي لديها القدرة على مدّ أوروبا كلّها بالغاز.
وقد أقامت بريطانيا 11 ألفاً من التوربينات الهوائيّة لتوليد الطاقة، لكنّ مستويات حركة الرّياح تراجعت نتيجة التحولات المناخيّة، فيما تبدو سياساتها بشأن التحوّل إلى السيارات الكهربائيّة مفعمة بالنّفاق، إذ أنّ توليد الكهرباء في الجزيرة يتم معظمه بالغاز والنفط، واستبدال أساطيل السيارات العاديّة بسيّارات الكهربائيّة يتطلّب كميّات هائلة من المواد الخام والأوليّة كالصلب والزجاج والمطّاط والرقائق الإليكترونيّة والبلاستيك وهذه جميعها يتم إنتاجها بعمليّات لا يمكن وصفها بأنّها صديقة للبيئة.
وحتى لو سّلمنا بمسألة السيارات الكهربائيّة فإن أيّ تحوّل جذري في الانبعاثات من بريطانيا يفترض أن يشمل أيضاً الطيران الجويّ، وأساطيل الشحن التجاري، والزراعة وصناعة اللحوم وغيرها، وهذه جميعها خارج نطاق اهتمامات الحكومة ولا خطط للتأثير عليها في أيّ مدى قصير أو متوسّط.
على من اللّوم؟
والأمر كذلك فإن الحالة البريطانيّة – بداية من مشاهد طوابير السيارات على الشاشات أمام محطات الوقود – تبدو وكأنّها نذير لكل شعوب العالم بأن الكارثة إن أتت فلن تكون رحيمة بأحد، وأن البشريّة يجب أن تتصرّف بعقلانيّة وتضع خططاً حاسمة لمنع انهيار الحضارة كما نعرفها.
وإذا كانت الحكومات المؤثرة في العالم الغربيّ مسؤولة بجزء أساسيّ عن الحالة المترديّة للبيئة بسبب انحيازها اللامحدود لمصالح الرأسماليّة العالميّة الطامحة أبداً للمزيد من الرّبح ولو على حساب المستقبل الجماعيّ فإن هذه الحكومات لم تأت من الفضاء بالطبع وانما كرّر انتخابها المواطنون مرّة بعد مرّة.
وهذه الحكومات بالطبع في مجموعها تدير السياسات العالميّة بحكم دورها المركزيّ. ولذلك فإن شعوب الدّيمقراطيّات الغربيّة تتحمّل المسؤوليّة التاريخيّة عن الكارثة المقبلة نتيجة خياراتها السياسيّة الفاسدة. ولذلك فإن المصطفين أمام محطات الوقود في بريطانيا لا يجب أن يلوموا أحداً على ما انتهوا اليه، وهم قد يستحقون سخريّة الشعوب الأخرى التي تتابع أخبارهم على شاشات الكون.
إعلامية وكاتبة لبنانية – لندن