الجزائر: بلد الشعر الملحون لا الفصيح!

حجم الخط
3

«الشعر في أزمة» ذلك ما نسمعه كل مرة في الجزائر، بأن الشعر قد بلغ الدرك الأسفل ولن يستفيق من غفوته، إنه يعيش ظلماً وتعسفاً واضطهاداً، وقد دخل مرحلة موت غير معلن، وألا أحد يهتم بحاله، لا الوزارة تعنى بالشعراء، ولا قراء يهمهم ما يصدر من دواوين، تحظى بتغطيات في الجرائد كما في التلفزيون، يكاد الشعر يصير قبراً لا يليق سوى أن نترحم على ساكنيه، لا يظهر شاعر على السطح إلا من أجل التشكي وتحميل الجميع المسؤولية، كما لو أن حال الشعر وما وصل إليه إنما هو سبب الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، التي تمر بها البلاد، كما لو أن الشعراء هم المخلصون، كما لو أنهم أنبياء هذا العصر، إذا وهبناهم نصف فرصة في الخروج من النفق الذي يحيون فيه، فسوف يبنون سفينة نوح وينقذون الآخرين، كل شاعر يتحدث بضمير المتكلم، في مديح ما يكتب، الأنا صار سيداً، نادراً ما يلتجأ إلى ضمير الجمع، يصر على أن المسؤولية تقع على عاتق الجميع سواه، فإنه بريء.
إن إنقاذ الشعر ليس سوى انتصار للجمال على حساب القبح الذي يعم كل مكان، هذا الخطاب الانهزامي، المقتبس من قواميس الخيبة والاستسلام والإحباط، الذي يصل في بعض الأحيان حد المبالغة، كما تشوبه دائماً نزعة فردانية وكثير من الأنانية، يبدو أنه خطاب منفصل عن الواقع، أولئك الذي يلكونه لا يعلمون شيئاً من تاريخ الشعر الفصيح في الجزائر، كما لو أنهم يعيشون في جزائر أخرى.
منذ متى كان الشعر في أفضل حالاته؟ لم يسبق، منذ النشأة، أن عرف الشعر حالاً مستقراً في البلد، بل سيرته من سير الانكسارات، دائماً في الظل غير مرئي، ولا أحد يقرأ للشعراء سوى شعراء آخرون مثلهم، من باب الاحترام، أو العطف، أو الغيرة أو بنية سرقة أدبية. لم يسبق أن عرفت الجزائر شاعراً واحداً بمستطاعه أن يحيا من عائدات ما يكتب. ولم يفلح واحد منهم في كسب إجماع حول ما يكتب، بل إن الشعراء، منذ سنوات، يدفعون من جيوبهم من أجل طبع دواوينهم، ويساهمون بذلك في إغراق السوق بنصوص لا ترتقي أحياناً إلى ثمن الورق والحبر اللذين أنفقا من أجلها. لم يسبق أن عرفت الجزائر شاعراً ـ نجماً، في الشعر الفصيح، على غرار ما هو معروف في دول عربية أخرى، ولم يستطع واحد منهم أن يدفع بالشعر إلى الفضاء العام، كما أن الصورة العامة التي ترسخت عن الشعراء، أنهم في الغالب شعراء موسميون، قد يظهرون بمناسبة مهرجان أو ندوة أو في حملة انتخابية في مديح وزير سابق أو نائب في البرلمان، ثم سرعان ما يتوارون، هكذا هو حال الشعر كان وما يزال، فلماذا نحاول اليوم إخفاء الشمس بالغربال، والتباكي على حاله، الذي نعرف مسبقاً أن كل الأسباب كانت ستودي به إلى ما هو عليه اليوم؟

منذ متى كان الشعر في أفضل حالاته؟ لم يسبق، منذ النشأة، أن عرف الشعر حالاً مستقراً في البلد، بل سيرته من سير الانكسارات، دائماً في الظل غير مرئي، ولا أحد يقرأ للشعراء سوى شعراء آخرون مثلهم، من باب الاحترام، أو العطف، أو الغيرة أو بنية سرقة أدبية.

عزوف الناس عن الشعر الفصيح له ما يبرره، لاسيما هذه النزعة النخبوية في الكتابة، ميل مفرط في فصل الشعر عن عامة القراء، قد يرى البعض أن ذلك هو جوهر الشعر، لكن الإسراف لا يقود إلا إلى إتلاف الشيء، كما يبدو أن الشعراء أنفسهم على وعي تام بأنهم يعيشون على الهامش، بل إنهم عزلوا أنفسهم بأنفسهم، وذلك ما يضعهم ـ مراراً ـ في مساءلة مع الذات، يفكرون في طرائق من شأنها معاونتهم في استعادة ثقة القارئ، وبدل أن يفكروا في تعديل ما يكتبون أو في مراجعة نصوصهم، يهجرون الشعر ويركضون خلف الرواية ـ مثلاً ـ لا من باب امتلاك الأدوات الفنية والتقنية في هذا النوع الأدبي، بل فقط من باب استدراج القارئ ثم عرض شعرهم السابق عليه، كما لو أنهم يبحثون عن سلعة براقة يدسون بين ثناياها سلعة أخرى صدئة.

لا يمكن أن نوافق على ذلك الرأي القائل إن الشعر مهمل من طرف الإعلام، فكلما صدر ديوان جديد، لحقته تغطية في جرائد، ولم يفرط الإعلام الثقافي في الشعر، بل إن الشاعر نفسه يبدو كما لو أنه مكتف بقراءة اسمه في جريدة، ولا يبادر إلى شيء أكبر من ذلك، لم يسبق أن شاهدنا شعراء ينزلون إلى الفضاء العام، مثل تنظيم أمسية شعرية على شاطئ صيفاً، حيث يتزاحم الناس، أو أن يصيروا فاعلين أكثر في استخدام وسائط التواصل الاجتماعي، بل من بين كل مكونات المشهد الأدبي، في الجزائر، يظل الشعراء وحدهم الأقل تفاعلاً مع قضايا راهنهم، قد يقع حدث جلل، دون أن نسمع كلمة منهم أو تعليقاً، قد نصادف رأي شاب يهيم في الطرقات أو تاجر على ناصية حي شعبي، لكن الشاعر يفضل الصمت أو الاختباء، كلما مرت البلاد بلحظات حاسمة، هذا ما يحصل في الشعر الفصيح، في الجزائر، لأن هناك شعراً آخر ينمو ويتطور، كل يوم، ولم يتوقف منذ قرون، نقصد به الشعر الملحون، الذي لا يلبث أن يتجدد، يجدد في قاموسه وفي شكل تعامله مع الحياة، يدرج آلات موسيقية في الإلقاء ويستجيب إلى ما يساور عقول الناس، بل يمكن القول إن الجزائر بلد الشعر الملحون وحده، فشاعر الملحون أو الشاعر الغنائي، وهو في الغالب من طبقة اجتماعية متوسطة، أو أقل من المتوسطة، لم ينل نصيباً من التعليم العالي كغالبية شعراء الفصيح، أفلح في استمالة الناس إليه، جعل من الشعر خبزاً يمضغه من هم حوله، ويتداولون كلامه، بل من شعراء الملحون من يحفظ الناس قصائدهم، وهو أمر يحسدهم عليه شعراء الفصيح. إن الفرق بين الشعر الفصيح والشعر الملحون في القدرة على التجدد، في ميل الثاني إلى التقاط كلماته ومتنه من هموم الناس، بينما الأول يحاول أن يفرض عليهم ما يفكر فيه أو ما يود قوله.

روائي جزائري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية