بعد قمة سوتشي بين بوتين واردوغان: القصف يتجدد في إدلب

منهل باريش
حجم الخط
0

ما أن هبطت طائرة الرئيس التركي رجب طيب اردوغان في أنقرة، وخلال أقل من 24 ساعة على انتهاء قمته مع الرئيس فلاديمير بوتين ومغادرته منتجع سوتشي، حتى علت أصوات المدافع في إدلب مجدداً. ويشير استمرار التصعيد إلى أن قمة الرئيسين الذين تحدثا 165 دقيقة من دون توقف، فشلت في تحقيق توافق جديد أو وقف روسيا لقصفها الجوي شبه اليومي على منطقة «خفض التصعيد» الرابعة (إدلب وجوارها) التي تشكل روسيا وتركيا طرفيها الأبرز.
قبل دوي المدافع وأصوات القذائف، انتهت قمة الزعيمين، بلا مؤتمر صحافي يعلن توصلهما لاتفاق أو بيان ختام يشير إلى ما تم بحثه أو الاتفاق عليه. وعلق الناطق الرسمي باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف بعد يوم من انتهاء القمة للصحافة أن القمة بحثت خمسة ملفات، شكل الوضع في إدلب أبرزها، إضافة إلى التبادل الاقتصادي بين الطرفين وملف لبيبا وإقليم كرباخ وأفغانستان.
وأكد بيسكوف ان موضوع إدلب كان محطة البحث، لكنه امتنع عن الخوض في التفاصيل لدى سؤاله عما إذا كانت القوات التركية ستنسحب من إدلب. واكتفى بالتأكيد بأن موضوع إدلب «نوقش بالفعل.. وجرى تأكيد الالتزام بالاتفاقات التي تم التوصل إليها سابقًا، والتأكيد على ضرورة تنفيذها، ومن بينها إخراج العناصر الإرهابية من إدلب».
على صعيد آخر، اتهم نائب رئيس مركز المصالحة الروسي في سوريا، اللواء فاديم كوليت، من وصفهم بـ»مسلحي جبهة النصرة الإرهابي، المحظور في روسيا «انهم نفذوا عملية قصف واحدة في منطقة إدلب لخفض التصعيد شمال غرب سوريا» يوم الخميس. وتعتبر موسكو أن هيئة «تحرير الشام» تسيطر على إدلب وتصنفها إرهابية، وتعتبرها المعيق الرئيسي لتطبيق اتفاق سوتشي 2018 وملحقه، المعروف باتفاق موسكو الذي وقع بين الرئيسين، الروسي فلاديمير بوتين والتركي رجب طيب اردوغان. ويركز على فتح طريق الترانزيت حلب- اللاذقية/M4 ومحاربة المجموعات المصنفة إرهابية حسب اعتبارات الأمم المتحدة.

طرد الإرهابيين

ركز الناطق باسم الكرملين على مسألة طرد الإرهابيين من إدلب، ومن خلفه تحدث المحللون الاستراتيجيون الروس على أن ما يعيق تطبيق الاتفاق في إدلب هو مسألة وجود الجماعات الجهادية المتنوعة وعلى رأسها «تحرير الشام» والتي يصرون على تسميتها باسم القديم «جبهة النصرة» كونها الاسم الأكثر التصاقا بـ»دولة العراق الإسلامية» أولا، وتنظيم «قاعدة الجهاد» العالمي.
في السياق، لم تنوه قمة سوتشي بين الزعيمين إلى آليات «طرد الإرهابيين» من إدلب، وجرى ترحيلها إلى اللجان التقنية العسكرية فيما شدد بوتين على تطبيق الاتفاق والقضاء على «الإرهابيين».
من جهته، اعتبر اردوغان في تصريحات للوفد الصحافي المرافق له، خلال رحلة عودة طائرته من منتجع سوتشي، انه وبوتين ناقشا مسألة تنظيم حزب العمال الكردستاني في سوريا، من دون توضيح عن حصول اتفاق لحل لوجود الحزب بنسخته السورية «وحدات حماية الشعب» الكردية، أو مسألة بقائها في مناطق ريف حلب الشمالي، وتحديدا مدينة تل رفعت وباقي منطقة الشهباء، كما تفضل الإدارة الذاتية تسميتها.
في مقابل ذلك، أشارت بعض المصادر في الكرملين للصحافة الروسية، أنه جرى البحث بين الرئيسين بمشاركة الوفود التقنية آليات «لإخراج الإرهابيين» من إدلب. وتبقى التفاهمات الأمنية في غاية الحساسية – في حال تم تأكيدها لاحقاً – تحديدا بالنسبة لأنقرة، بسبب طبيعة الانتشار العسكري التركي.
في سياق منفصل، لخص سفير روسيا في دمشق، ألكسندر يفييموف، نتائج التدخل العسكري لبلاده في سوريا مع اقتراب ذكرى تدخلها السنوية السادسة ضد الشعب السوري والمعارضة المسلحة. واعتبر في حديث لقناة «روسيا اليوم» الحكومي الرسمي أن «وقوف روسيا إلى جانب السوريين في الذود عن وطنهم، ساهم في هزيمة التنظيمات الإرهابية وإفشال مخططات القوى الخارجية».
وأضاف السفير «التدخل الروسي وهزيمة التنظيمات الإرهابية، منع انتقال التهديد الإرهابي من سوريا إلى دول أخرى في العالم العربي أو روسيا على سبيل المثال وهي في الواقع قريبة جدا جغرافيا من هذه المنطقة».
وأوضح أن «عملية التسوية السياسية في سوريا لا تكتسب في الوقت الحالي زخما كبيرا» مركزا على خطورة تدخل الأطراف الخارجية في القضية السورية أو تعطيل المفاوضات السورية البينية بشكل أو بآخر، واصفا الأمر انه «غير مقبول قطعا، فالعملية السياسية يجب أن يقودها وينفذها السوريون أنفسهم بدعم من الأمم المتحدة، على النحو المنصوص عليه في قرار مجلس الأمن رقم 2254».
وعن انعكاسات قمة سوتشي على الميدان في إدلب، تشير المعطيات أن لا تغيير إيجابيا قد حصل، فلا القصف الروسي توقف ولا مدفعية النظام سكتت. وعادت الأمور إلى طبيعتها إلى ما قبل يوم لقاء الرئيسين (الخميس) على العكس من ذلك، فقد تخوف أهالي محافظة إدلب والمهجرين قسرا إليها من تحركات الجيش التركي وإدخاله رتلين جديدين من معبر كفر لوسين العسكري إلى إدلب. وزادت تحصينات الجيش التركي في منطقة جبل الزاوية، ورفع الكتل البيتونية في عدة محاور في جبل الزاوية، بالأخص قرب المعسكرات التركية، من مخاوف المدنيين. وفي حال ربطها بإنشاء سواتر ترابية بوصفها خطوطا دفاعية متأخرة ابتداء من بلدة الأتارب في ريف حلب الغربي وصولا إلى شمال بلدة الدانا.
ربما من المبكر إطلاق صفة الفشل على قمة الرئيسين بوتين واردوغان. ومن غير المستبعد ان أنقرة قدمت مقترحات متعددة لمحاولة مقايضة جبل الزاوية وطريق M4 مقابل إطلاق يد تركيا في أي من مناطق سيطرة المقاتلين الأكراد، تحديدا تل رفعت. وهو الأمر الذي يمني كثير من المعارضين والمقربين من أنقرة أنفسهم به، معتقدين أن الوجود الكردي في ريف حلب الشمالي قابل للمفاوضة عوضا عن جبل الزاوية أو حتى إدلب نفسها. لكن في حقيقة الأمر إن بقاء «الوحدات» الكردية هو ورقة ضغط بيد النظام والروس ضد تركيا، ومن المحتمل ربطها بمسألة الخروج التركي من سوريا بشكل نهائي.
ختاماً، فان سوء العلاقات التركية – الأمريكية المعلنة، يضعف من موقف تركيا، ويفقدها الحليف التقليدي في حلف «الناتو» ودعم واشنطن السياسي، رغم عدم فاعليته، على غرار المواجهة بين تركيا والنظام التي جرت في شباط (فبراير) 2020 في إدلب.
ويدفع الانسحاب الأمريكي السياسي، من عموم سوريا وانحساره في منطقة شرق الفرات، إلى ادراك تركيا انها تخوض حربا خاسرة، بسبب عدم مقدرتها على مواجهة موسكو، خصوصا وان الدعم الأمريكي لها يتراجع بشكل ملحوظ، فتتجه إلى الحفاظ على ما يمكنها الحفاظ عليه مستندة بذلك إلى اتفاق اضنة الأمني الذي يجيز لها التوغل الأمني بعمق 5 كم وملاحقة تنظيم حزب العمال الكردستاني، إضافة إلى الشريط الحدود سيبقى ملجأ للمهجرين السوريين إلى أمد غير قصير ويرتبط بمسألة الحل السياسي في سوريا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية