مشاكل ثقافية وأخرى إبداعية نقاط ضعف القوة الناعمة

كمال القاضي
حجم الخط
0

آخر ما تم طرحة من مُشكلات المُبدعين على طاولة الحوار المركزية بالجهات السيادية وتصدر المشهد الإعلامي على نطاق واسع هو الصحة العامة للكُتاب والأدباء والفنانين التشكيليين والعاملين في المجال الفني بمختلف تخصصاته وفروعه. فقد وجهت القيادة السياسية الم§صرية بضرورة توفير العناية والرعاية للعاملين بالحقول الفنية والإبداعية قاطبة، باعتبار ذلك حقا مُكتسبا للمبدعين الذين يمثلون القوة الناعمة ويشكلون تأثيراً حضارياً وتنويرياً كبيراً يؤدي إلى زيادة الوعي العام لدى الجماهير ويقود البلاد إلى نهضة قوية ومستدامة.
وقد وجد التوجيه الرئاسي صدى إيجابيا ورحبت القيادات الثقافية بالمبادرة أيما ترحيب، حيث أبدت الغالبية تفاؤلاً كبيراً بهذه الخطوة كونها تأتي في توقيت تعاني فيه شرائح كثيرة من المبدعين والفنانين من عناء التكلفة العلاجية الباهظة في المستشفيات الخاصة، فضلاً عن عدم وجود رعاية صحية لائقة ببعض المستشفيات العامة، لا سيما إذا ما احتاج الأمر إلى إجراء عمليات جراحية كبيرة ودقيقة، حينئذ تكون الحاجة إلى جمع التبرعات المالية مسألة مُلحة ومُحرجة لمن يحتاج المساعدة. لهذا اعتبر الفنانون شمولهم بالرعاية الصحية فعلاً محموداً وباتوا ينتظرون تطبيق النظام العلاجي والصحي الكامل الذي يقيهم شر الاستجداء وألم العطف والاستعطاف.
ومن بين الذين أعلنوا تأييدهم وامتنانهم للقرار الإنساني الفنانة الكبيرة سميحة أيوب، التي كانت أول من ظهر على شاشة التلفزيون في برنامج جماهيري مهم لتؤكد حاجة الفنانين الماسة بشكل فعلي للرعاية الصحية والحماية من الأمراض المُزمنة موضحة أن الاعتقاد بقدرة كل الفنانين والمُبدعين على العلاج بأكبر وأفخم المُستشفيات وفق الفكرة السائدة والمغلوطة هو اعتقاد خاطئ، لأن الفئة القادرة في الوسط الفني قليلة تُعد على أصابع اليد الواحدة ومن ثم لا يجب تعميم مفهوم الثراء الفاحش على الجميع من أهل الفن لأن الامتيازات المالية تنطبق فقط على كبار النجوم والنجمات، أما البقية الباقية فهي الأغلبية المظلومة في هذا المقام والمأخوذة دائماً بجريرة المُقتدرين.
وذكرت سميحة أيوب أن بعض النجوم القدامى أهلكهم المرض لسنوات طويلة وماتوا بعد عناء وصراع شديدين، فأحوالهم المالية والصحية كانت مُزرية للغاية لأنهم لم يدخروا شيئاً للزمن كونهم لم يحصلوا في مراحل تألقهم إلا على القليل من الأموال اللازمة فقط لاحتياجاتهم، وبناءً عليه ماتوا فقراء ومُعدمين، واعتبرت الفنانة القديرة أن الرعاية الصحية هي أهم بنود احترام الفنان خاصة بعد تقدمه في السن وقعوده عن العمل، لأن الاهتمام بالصحة هو عنوان الأمان الرئيسي ولا يُمكن أن يتحقق الأمان في ظل الإهمال والنسيان والتجاهل للثروة البشرية من المُبدعين.
وبموجب الاطمئنان الذي خلفته المُبادرة داخل الوسط الفني جاءت ردود الأفعال عاكسة لحالة سرور كامل وأمل في تطبيق حقيقي وميداني للمنظومة الصحية الجديدة التي أشير إليها وقيل أنها ستشمل كل المُبدعين والفنانين من دون تمييز، وربما تُلقي عملية التأمين الصحي الشاملة بظلالها فتعمل على طمأنة الكُتاب والأدباء والشعراء على مستقبلهم باعتبارهم جزءا أصيلاً من حركة الفكر والثقافة والإبداع، ولعل من المُستفيدين أيضاً العاملين في مجال الطباعة والنشر بوصفهم تروس العملية الثقافية ومحاورها الرئيسة.
وإذا كنا أشرنا إلى أوجه الامتنان والسعادة والترحيب بالمبادرة الصحية الآمنة والشاملة، فيتوجب علينا أيضاً أن نُلفت النظر للمخاوف التي قد تساور البعض وهي أن تُصنف تلك الرعاية الصحية المأمولة إلى درجات مُتباينة ومختلفة فيما بينها، حيث يكون لنجوم السينما والمسرح وكبار الأدباء والمُفكرين النصيب الأوفر من الاهتمام، فيُوضع المريض منهم في الدرجة الصحية المتميزة في المستشفيات الكبرى ذات الإمكانيات الفائقة، بينما يودع صغار الفنانين والكُتاب والمُثقفين في آخر عربات قطار العلاج والمداواة، وحينئذ سيفقد المشروع الصحي الإنساني أهم خصائصه وجدواه فلا يبان له أثر يُذكر عند القاعدة العريضة من ذوي الحاجة الحقيقية له، وهؤلاء هم الأولى بالعناية والرعاية والمُتابعة لأنهم الفئة غير القادرة فعلياً على تحمل نفقات العلاج بالمُستشفيات الخاصة، وهو عود للنقطة الرئيسية التي أثيرت في البداية وأكدها كلام الفنانة سميحة أيوب التي أبدت إعجاباً شديداً بالمشروع المُنتظر، حيث شددت على أن المُستحقين للحماية والرعاية الصحية والعلاجية هم السواد الأعظم من العاملين في المجالات الفنية كلها على اختلاف أشكالها ومشاربها وليس نجوم الشباك القليلين المُختصرين في أربعة أو خمسة أو حتى عشرة أسماء على الأكثر.
ولو أن المشروع نُفذ وفق هذه القاعدة سيُصبح للمبادرة معنى وجدوى وفائدة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية