تمثل الرواية باعتبارها مسار أحداثٍ معينةٍ عنصرا كاشفا للحظة معينة، بكل ما يكتنفها من تداخل وغموض وتعدد الشخوص وما إلى ذلك، وتبقى الرواية وفق هذا المفهوم وثيقة حية ومتحركة في الوعي، باعتبارها فن إدارة الخيال، شاهدة على علاقة الذات القارئة بالمنجز الذي بين يديها، وعلى اللحظة التي تكتشف فيها القراءة مستوى جديدا من مستويات الكتابة، وفعلا، كانت رواية «حجاب طهران» لبارينوش صانعي، مدخلا بالنسبة لي إلى الرواية الإيرانية، كتبت عام 2004 باللغة الفارسية، تُرجمت إلى اللغة الإنكليزية عام 2013، ومنها إلى الفرنسية عام 2015.
جذر تأسيسي وكينونة مستمرة
تفتتح الرواية بهذه الجملة المتخفية داخل طبيعة السرد المتقلب والمتشعب والطويل، إذ تبلغ صفحاتها 424، وهذا العدد ربما يحيل القارئ إلى أن ضخامة الرواية أو صغرها لا يكشف عن فقر أو غنى خيال الروائي، بقدر ما يوحي بالتمييز بين تخييل عفوي وتخييل متكلف. تفتتح الرواية بهذه الجملة: «التحرر الذي تأخذ به صديقتي (بارفاني) يحيرني دائما، لا تفكر لحظة في شرف أبيها ولا في سمعته» فكرة تبدو عفوية اتجاه حركة عفوية، باعتبار الفتاة صديقة الراوية/الشخصية الرئيسية، لكن المعنى يحيل إلى فترة ما قبل الثورة الإيرانية، والواقع في فضاء مختلف ضمن الجغرافيا ذاتها، فعائلة الشخصية الرئيسية «معصومة» انتقلت إلى طهران قادمة من مدينة قم، عام 1961، وعائلة الصديقة «بارفاني» تمثل الليبرالية في مجتمع طهران، وبالتالي تحررها تعبير عن تمثل تلك الطبقة لما كانت تتبناه إيران ما قبل الثورة، لكن في الوقت ذاته سوف تكبر «بارفاني» وتسافر إلى ألمانيا، لكن تظل محافظة على العمق السلوكي الشرقي والإسلامي، أي حينما تصل ابنتها سن الزواج ويتقدم لخطبتها ابن صديقتها «سياماك» الذي هاجر سراً إلى ألمانيا بعد إزاحة الشاه، واكتشاف حرس الثورة أن له نشاطات معادية ضمن حركة «المجاهدين» رفضوا قبوله في الجامعة، فهُمش مجتمعيا، وكان على أبواب التجنيد والتوجه إلى الجبهة إبان الحرب الإيرانية العراقية، استقبلته بألمانيا «بارفاني» الصديقة القديمة لأمه، ونشأت علاقة حب بين ابنتها وبينه، واتفقا على فترة خطوبة تمتد لأربع سنوات، أي أن يعيشا في علاقة خليلية في إطار التسري، كما هو العادة في البلاد الغربية المتحررة، لم تقبل الليبرالية «بارفاني» بهذا الوضع، وهو ما يعني أن الجذور تبقى عميقة تحت ما يترسب فوقها حتى إذا مُست مباشرة في ما تعتقد الذات أنه من يقينياتها انتفض عرق الحياة في المبادئ المؤسسة.
التناقض المجتمعي وحركة الشخصية:
تتعرض الرواية لأربع مراحل من الواقع الإيراني السياسي والاجتماعي والثوري، مرحلة الليبرالية وما قبل الثورة ومرحلة الثورة وما بعدها، وجميعها لعبت فيها «معصومة» الدور الرئيسي، باعتبارها محركة الحدث في جميع اتجاهاته، وشكلت سدى النسيج السردي كنواة تربط بين فواعل ومفاعيل الحدث، فهي القادمة من مدينة قم المقدسة، الناشئة في عائلة محافظة حد التزمت، تتعرف في المدرسة على «بارفاني» الناشئة في عائلة ليبرالية متحررة، فُصلت عن حبها الأول «سعيد» بعنف وزُوجت ضد رغبتها من «حميد» الماركسي المتطرف، أخواها «محمود» المتدين المتطرف، و»أحمد» السكير غير المبالي بالأعراف ولا بالدين، لكنه يرفض أن تعيش اخته معصومة أفكارها، أثناء زواجها يتم الاتفاق بينها وبين حميد على أن كلا منهما يعيش حياته وفق مبادئه، ولا يضيّق على الطرف الآخر.
تتعرض الرواية لأربع مراحل من الواقع الإيراني السياسي والاجتماعي والثوري، مرحلة الليبرالية وما قبل الثورة ومرحلة الثورة وما بعدها، وجميعها لعبت فيها «معصومة» الدور الرئيسي، باعتبارها محركة الحدث في جميع اتجاهاته، وشكلت سدى النسيج السردي كنواة تربط بين فواعل ومفاعيل الحدث.
تُتم تعليمها، تمارس حياتها بكل حرية وفق قناعاتها. ضمن مكتبة حميد استطاعت أن توسع مداركها الثقافية وتتعرف على الاتجاهات الفكرية في السياسة، خلعت غطاء الرأس، لأن حميد كانت تضايقه المظاهر الدينية، لكن في عمقها ظلت تحتفظ بكينونتها المجتمعية الأصيلة. ضمن هذه البانوراما المجتمعية السياسية والثقافية والثورية، تَطور فكر ووعي معصومة وأصبحت علامة بارزة داخل السرد تدور حولها الأحداث، مُساهمةً في تطورها. قُبيل عام 1979، تتحد القوى المناضلة ضد حكم الشاه، فيلتقي المتدين المتطرف بالشيوعي المتطرف (حزب تودة) وأيضا بحركة المجاهدين (مجاهدي خلق) الحركة ذات الأساس الماركسي، وتسمي نفسها «اسلامية ثورية ديمقراطية». تتواصل معصومة اجتماعيا مع عائلتها المتزمتة، والسيدة بارفان جارتهم، التي كانت عشيقة أخيها أحمد، وخلال كل هذا شكلت شخصيتها التي استطاعت أن تواجه بها الحياة في ظل غياب الزوج وبعدها قتله من قبل الثورة باعتباره شيوعيا، وابتعاد عائلتها، إذ أصبح محمود من الفاعلين في الثورة الإسلامية وأجهزتها ونظامها، فلم يعد يبالي بإحساس الأخوة، وطبيعي ضمن مناخ الثورة المناهض والقامع للحريات الفكرية والسياسية، كان لها موقف سلبي اتجاهه، وخصوصا بعد إعدام حميد زوجها، وسجن ابنها «سياماك» وتسريحها من العمل باعتبارها زوجة شيوعي مناهض للثورة، كما حُرمت هي وأبناؤها من إتمام تعليمهم الجامعي للسبب نفسه، فشكلت كل هذه التجارب القاسية شخصيتها العنيدة غير المهادنة، منتجة كل المواضعات الرابحة داخل الكيان العائلي الصغير.
الحجاب السياسي أو سوسيولوجيا التغييم
تشكل أحيانا بعض التناقضات داخل الكيان السياسي الثوري فسحة للهامش كي يعود إلى المركز، ومن خلال قناعات الثورة التي لا ترى في الوجود المجتمعي كلية إلا من يساهم في تطورها واستمراريتها ولو خارج قناعاتها، فمن كان ابن الشيوعي في فترة المحاكمات، سواء الثورية أو المجتمعية المحروم من التعليم والعمل، أصبح متمتعا بكل امتيازات العهد الثوري الجديد بعد أدائه للخدمة العسكرية في الجبهة ضد العدو العراقي، هذا التناقض الرهيب في تركيبة الحركات السياسية الانتهازية، التي لا ترى في النضال سوى الوصول إلى السلطة والبقاء فيها، هو ما يجعلها راديكالية وبراغماتية سلبيا في تعاملها مع كل مظاهر الحركة السياسية والثقافية والاجتماعية، وتخلق بذلك جوا مناسبا للتصادم المجتمعي، بين الفئات المناضلة من أجل الحرية وممارسة فعل السياسة ضمن المسار التحرري الديمقراطي أي المعارضة السلمية والنظام القائم، ويكون السير نحو الصدام مفتعلا لأجل القضاء على كل معارضة.
ينتقل «الحجاب» في الرواية من الغطاء الذي يصبح علامة رامزة داخل المتن إلى العنصر الغائم على مراحل تطور المجتمع الإيراني بمفهوميه السوسيولوجي والسياسي، إذ تمثل المراحل الأربع، التي تبدأ حسب الرواية من عام 1961 إلى ما بعد الثورة بأعوام عدة، حالة من حالات التعثر المجتمعي المغطى بحجاب عدم الوعي بمفاهيم الحداثة المجتمعية، التي تتطور وتنبثق حسب حاجة المجتمع إلى التغيير والتحول ضمن نظمه المجتمعية والثقافية، ومدى قابليته للانفتاح الواعي على العالم، وهذا ما لم يؤثث أحداث الرواية التي تنتهي بجملة تحمل من الإيحاء الأليم والمفجع المعيق لكل رغبة إنسانية ومجتمعية في الوصول إلى المستوى المتساوق، والمعنى الأصيل في جمالية الرغبة في التحول نحو الأرقى والأجمل، نظرا للتوافقات الحاصلة في النفس وفي المجتمع، بين مستويات التدافع التنموي المنتج للحضارة ومظاهر التمدن، تنتهي الرواية بهذه الجملة: «أوه! ياله من شتاء طويل ينتظرني» برودة الفصل ورجفة الجسد تبعا لذلك، والسماء الغائمة عادة، عناصر تكشف عن عدم إطلالة الربيع المنتظر من خلال مسار السرد وحركة الحدث اللذين لم يبلغا المدى والأمل في التغيير، فما تحكم في الثورة هو مفهوم البازار، أو تراكم الثروة بالمفهوم الاستهلاكي، ويمثله محمود أخ معصومة، الذي استفاد من مناخ الثورة ليراكم الثروة، وأبناء معصومة ذاتهم لم يحاولوا أن يفهموا أن الحياة مشاعر وليست مادة فقط، حينما أعاقوا بموقفهم الرافض لزواج أمهم من حب حياتها الأول «سعيد» عزوفها عن إتمام دراستها الجامعية، وبالتالي فالشتاء هو رمز الوحدة القاتلة التي سوف تغطي على حياة «معصومة المتبقية» فهل هي عزلة النظام الإيراني برمته على أساس العزلة الثقافية والسياسية والسوسيولوجية، التي يعيشها بمفرده في حوزة الحياة الأيديولوجية؟
كاتب جزائري