«البشر والسحالي» مجموعة القاص المصري حسن عبد الموجود: سرديات المعرفة واجتراح النوع

عادل ضرغام
حجم الخط
0

يعيد حسن عبد الموجود في كتابه «البشر والسحالي» تدوير الشفاهي والخرافي المنقول من جيل إلى جيل، ومن زمن إلى زمن، مكتسبا مشروعيته من دورانه أو بقائه مستمرا في أدمغة الناس مفسرا وجودهم وحركتهم ونزوعاتهم. وهذا الشفاهي المنفتح على الخيال يتفاعل مع أنساق الثقافة، ويأخذ مناحي جديدة تتوالد بالتدريج مولدة انعطافات جديدة تمارس وجودها، مبقية على استمرارها وديمومتها بأشكال مختلفة.
فالخرافة في الاعتقادات الأسطورية تؤدي دورا أساسيا في تقديم تصور عن العالم، من خلال تنميط حكاياته وسردياته، وحسن عبد الموجود في مجموعته لا يكتب قصصا عن الحيوان، وإنما عن الإنسان وعالمه المنفتح على جزئيات الوجود، وعن وعي هذا الإنسان في مرحلة عمرية أو في مراحل عمرية مختلفة، لأنه في قصصه لا يقدم وعيا واحدا، وإنما يقدم وعيا متحركا ممتدا وليس ساكنا، منها ما يبهت ويتحلل لأسباب عديدة، ومنها ما يستمر ويأخذ شكلا مختلفا.
وهذا يكشف عن المدى الفسيح الذي تتحرك فيه المخيلة البشرية، حيث تستند إلى قائمة طويلة متداخلة من الفلكلور الشعبي والقصص الشفاهية التي يتشكل في حدودها الوعي الإنساني. فما يقدمه حسن عبد الموجود في هذه المجموعة إنعاش لذاكرة، وتثبيت لطبقات معرفية، وانتصار لمخيلة حتى لو كانت في بعض توجهاتها تمارس تذويبا للأسطورة، وكسرا للمعهود والمقرر لاستناده إلى الحياة وحركتها فاسم (أبو دقيق) طبقا لمخيلة ودلالات الاسم يحمل معنى إيجابيا، ولكن طبقا لأثره الفعلي والسائد والمعهود والمقرر يحمل معنى سلبيا، ولكن الكاتب ينتصر لمخيلته، ولفتح دائرة دلالية جديدة تستند إلى الوعي الملازم للكلمة بحدودها الدلالية الأولى.
ولكنه في بعض القصص لا يكتفي بتقديم السرديات فقط، وإنما يقدم مساءلة مستمرة لهذا المستقرّ الذي تحوّل وتجلى في سلوك بشري بحثا عن التفسير، مثل النظرة إلى السحلية أو النظرة – متلبسة بأفق ديني – إلى الخنزير. فالنظرة السلبية إلى السحلية التي تجعلها هدفا دائما للقتل بالرغم من كونها كائنا غير مؤذ تعود في جانب كبير منها إلى معتقد شعبي، وإلى سردية قديمة تزعم أن الشخص الذي جمع الحطب الذي ألقي فيه إبراهيم عليه السلام مُسخ سحلية عقابا على سوء عمله.
سرديات المعرفة وتذويب الأسطورة
كتابة القصة في هذه المجموعة تعيد تشييد المعرفة أو الإدراك، فالكاتب يتوقف عند مساحات وعي ماضية وآنية، ويحاول أن يثبتها بوصفها تمثل حضورا يتغير شكله بالتدريج، وتكفل إدراكا معينا للواقع في كل فترة زمنية. والكتاب على هذا النحو نوع من أنواع التأمل والمعرفة والتفكير، فتأمل الحوادث وسردياتها يمثل بحثا عن أثر ما، أثر لا يمحى بل يستمرّ، لأنه وثيق الصلة بالروح، ويظل هذا الأثر فاعلا في تنميط العلاقة بين البشر والكائنات المحيطة.
الجديد في قصص حسن عبد الموجود أنه لا ينطلق من الأسطورة التي يمكن أن تشكل حدودا لحركة القصة، وتمارس نوعا من التنميط، بل نجد الكتابة – في تباين مع العنوان – تبدأ من الحياة، فالأسطورة محددة، ولكن الحياة منفتحة تستوعب الأسطورة وغيرها، أو تجعلها – على الأقل – تتجلى بشكل جديد. فهناك (الأم) المسلمة، وهناك (دميان) المسيحية والبطل أو الراوي الذي يمثل (أدونيس) في الأسطورة.
في كل قصص المجموعة هناك اكتشاف لحياة دافقة تعيده لاكتشاف ومعاينة الأسطورة بأنساقها المضمرة، حتى لو كان الإطار العام للقصة إطارا معاصرا في تجليه، فهذه المعاصرة تكفل له مساحة للحركة، ولإدراك التشابهات والتباينات بين السرديات القديمة والآنية. يتجلى ذلك واضحا في قصة (الحمار سعف ذهبي ونبيذ وأحذية قديمة) فهناك في العنوان جمع بين متناقضات، وكلها مرتبطة (بالحمار) انطلاقا من سردية قديمة وارتباط خاص بسردية معاصرة تتشكل في حدود (حمار جدي لأبي) و(حمار جدي لأمي)، فالمقارنة بينهما تؤسس حضورا لسرديتين متقابلتين.
في تشكيله للمقارنة وانحياره للشعبي بعيدا عن السلطوي ثمة إصرار على الانتساب إلى تلك الشريحة الحانية من البشر، وكأنه انتساب قديم: (بسبب حياة سابقة بعيدة أحببت الحمير، واعتبرت أنني أحد أفرادها. أمتطيها لكنني لا أتعالى عليها، أوشوشها ولا أنهرها، أمسّد شعر رقبتها ولا أسبها، آمرها بصرامة ولا أضربها. هذه أمور قاسية لا يقوم بها إلا جدي لأبي). ويقول في جزئية أخرى بشكل واضح (أنا حمار من أيام سيدنا نوح). وفي ظل هذا التماهي يمكن أن نتوقف عند محاولة نفي الاستكانة والتسليم والتبلد بحيث يبدو الحمار – مشابها للرعية المغلوبة على أمرها – رمزا للذلة والمسكنة من خلال إعلاء تأويل جديد لذلك التسليم.
في قصة (القط نصف نوبة حراسة) يستند الكاتب إلى النسق الشعبي الذي يوجد فيه الكثير من القصص الغريبة التي تقترب من الخرافة، ويلحّ على أذهاننا أثناء القراءة سؤال، لماذا يتمّ النهي دائما عن ضرب القطط ليلا؟ العودة إلى هذا الفلكلور ربما تجيب عن هذا السؤال، ففي التراث الشعبي – وخاصة في قرى جنوب مصر – تتناثر قصص عن أرواح التوائم التي تتجسد ليلا في شكل قط للبحث عن الطعام، ويجب أن يحصل عليه وإلا وقع مريضا. تبنى القصة بداية من عنوانها على جزء من الأسطورة فنصف نوبة الحراسة إشارة إلى الليل التي تغادر فيه روح أحد التوائم للتجول ليلا، ويصبح عمل الأم في مراقبة حركته، وإغلاق النوافذ والمرور على الجيران والتنبيه عليهم بعدم ضرب أي قط ليلا.
الاتكاء على الأسطورة في تلك القصص-لارتباط الكتابة بالحياة- لا يؤدي إلى التعبير عنها في شكلها البسيط والفطري الأولي، ولكنها تأتي مزدانة بالحياة في كل تموجاتها، فلن تخلو أي قصة من هذه القصص من الحياتي البسيط أو المعيش، لأنه لا ينطلق من الأسطورة، وإنما ينطلق من إشارات لافتة أو توجه يستدعي سؤالا لغرابته.
اجتراح النوع
لا يقدم حسن عبد الموجود في مجموعته قصصا عادية، وإنما يقدم لنا سرديات المعرفة، بامتداد الوعي الموغل في القدم حتى البدايات الأولى، لا يقدم لنا قصصا عن الحيوانات والطيور، كما فعل السابقون سواء من الكتاب العرب أو الأجانب، ولكنه مهموم بتقديم حكايات قديمة تركت مسها أو أثرها في تنميط المدى أو الدوائر الدلالية المحيطة بكل كائن، فهو يلح على تقديم مجمل الرؤى على مرّ التاريخ مستندا إلى تنوع الثقافات، فإذا عرض إلى حالة معرفية مرتبطة بحيوان أو طائر، فلا يقدمها مستقرة وادعة، وإنما يناوشها بتقديم الوجه المقابل.
في قصة (الحمار سعف ذهبي ونبيذ وأحذية قديمة) نجد أن كل وصف تفسيري من هذه الصفات المسدلة ينتمي إلى سردية لها زمنها، ولها خطابها الذي يكفل إطارا محددا، (فالسعف الذهبي) يشير إلى احتفال البشر بقدوم المسيح إلى أورشليم، مولدا سردية التقديس. أما الوصف الثاني (نبيذ) فيشير إلى سردية (باخوس)، وارتباطها بالمتعة واللذة والقوة الجنسية، وهي تشير إلى لحظة زمنية سابقة للأولى. ويجيء الوصف الثالث والأخير (وأحذية قديمة) مرتبطا بسفينة نوح، وميلاد سردية سلبية قديمة تجاه الحمار ظلت مهيمنة إلى اللحظة الراهنة، وقد كشفت نهاية القصة عن استمرار هذه الهيمنة.
وإذا كان الزمن على هذا الشكل من التعدد داخل الإطار المعرفي الذي يجمع ويكيف هذا التعدد، فإن المكان أيضا هلامي، وليس هناك اهتمام بتشييده أو تعمد تشكيله، فالحركة الفاعلة محسومة للفكرة، وفي طريقة تمددها متجاوبة أو متنافرة مع سابقتها. فتأمل قصص المجموعة يكشف عن هذا الاهتمام، خاصة في قصة (القط نصف نوبة حراسة)، أو في قصة (الدودة حديث دافئ في المقبرة) حيث تحفل الأخيرة بسرديات فلكلورية خاصة تمارس دورها في تشكيل الوعي الجمعي والإدراك مثل الساحرة وقدرتها على إخراج الدود من الأذن.
ربما تكون طبيعة السارد أو الراوي في قصص المجموعة أو بشكل قد يكون أكثر صحة وعي السارد هو أكثر الأشياء حضورا وشدا للانتباه، فوعي السارد وعي متطور نامٍ لايقف عند مرحلة عمرية واحدة. ربما يكون المثير مرتبطا بأسئلة ووعي الطفولة على نحو ما يمكن أن نرى في القصة الأخيرة (أبو دقيق تراب أبيض مقدّس)، فالدلالة الأولى المستقرة لكلمة دقيق ظلت لها الفاعلية في محاول استيلاد أفق جديد بعيدا عن المستقر والمقرر، فهناك محاولة لتشكيل أفق يتمحور حول قداسة تنفيها دلالة سلبية ممتدة بشكل خاص منطلق من النفعية.
وربما يأتي العنصر الأكثر إلحاحا في هذه المجموعة لتغييب أسس النوع متمثلا في غياب فكرة الصراع بالمعنى المحدد والمعروف، فليس هناك صراع، وإنما هناك وعي وإدراك ناميان ليسا محددين بزمن، ولكنهما موضوعان تحت تأثير المساءلة المبطنة المستمرة الهادئة من خلال تجاور الطبقات المعرفية المتراكمة أو المتوازية. فالكاتب حين يقدم توجهات معرفية قد تكون متباينة أو متجاوبة مع حيوان أو طائر لا يؤسس لفكرة الصراع، بل يؤسس لفكرة التجميع والحركة من النقيض إلى النقيض، فالقصص تشير إلى أنساق أو توجهات تتوالد بالتدريج على فترات زمنية متباعدة، وهذا ينفي جزئية الصراع داخل عملية الكتابة، ويجذرها داخل الذهن والوعي والمعرفة، فالصراع ليس في حبكة الكتابة، وإنما صراع طبقات معرفية تتجاور آنيا وإن كانت تنتمي إلى لحظات زمنية متباينة.
وفي قصة (الديك خمسة ذقون ناعمة) تتجلى الجمل أو الجزئيات المعرفية من خلال الربط بين القصة الواقعية الخاصة بالبطل (صف ضابط) وتحوله إلى ضابط والديك، في وجود إحساس لا يبارحه بالدونية تجاه الضباط العاملين الآخرين، يقول النص مشيرا إلى الرتابة أو إلى أثر الانحناء المستمر أو الارتباط بمنزع وحيد مستكين في مقاربة الحياة: (الحياة الخالية من الشوائب، الحياة المكونة من عنصر واحد، الحياة الرتيبة، تكون قابلة بسهولة للخدش، والإنسان الذي لا يعرف سوى الاستقامة قابل للكسر).
الكتابة في مجموعة «البشر والسحالي» كتابة معرفية في الأساس وثيقة الصلة بمقاربة الحياة في انفتاحها على الواقعي، وارتباطها بالأسطوري، وما يحدثه من تحديد نسق أو طريقة مقاربة الحياة، والنظر إلى الوجود وفق مكوناته وجزئياته التي كانت تعيش – الإنسان والحيوان والطير – قريبة من بعضها البعض، وبالرغم من من دور المدنية في خلق الحواجز بين عالم البشر وعالم الحيوان والطيور إلا أن الأساطير ظلت فاعلة بتجليها وفق رموز تشير إلى وجودها البعيد.
حسن عبد الموجود:
«البشر والسحالي»
الدار المصرية اللبنانية،
القاهرة 2021
159 صفحة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية