هل حان وقت خضوع «الكرة الذهبية» إلى محمد صلاح؟

عادل منصور
حجم الخط
0

لندن – «القدس العربي»: لم يعد هناك أدنى مجال للشك، أن النجم المصري محمد صلاح، تجاوز قصة المقارنة بأساطير العرب، سواء القدامى أو الحاليين، بعد الطفرة المرعبة في رد فعله ودقة لمسته في الثلث الأخير من الملعب، بخلاف التغيير الجذري في عقليته وبنيانه الجسدي، ليتحول إلى ذاك الوحش الكاسر، الذي فتن القلوب بقوامه الرياضي المثالي، وسحر الأعين بأهدافه السينمائية، آخرها اللوحة الفنية «المارادونية» في شباك مانشستر سيتي، في قمة «آنفيلد»، التي انتهت بهدفين للكل قبل هدنة الفيفا الحالية.

نسف الشبهة

بعيدا عن مجاذيب أبو صلاح في مصر والجزء الأحمر لمدينة ليفربول، كان الاعتقاد السائد بالنسبة لأغلبية النقاد والمتابعين المحايدين، أن ما حققه الفرعون من إنجازات وأرقام خرافية في حملة 2017-2018، لن تتكرر مرة أخرى في مسيرته، والبعض اعتقد أنه سيتحول إلى عمرو زكي جديد، أو واحد من أولئك الذين يُعرفون بـ«نجوم الموسم الواحد»، خاصة بعد النهاية المفزعة لموسمه الأسطوري، حين «تعمد» قائد ريال مدريد السابق سيرخيو راموس، إسقاطه أرضا بطريقة أقل ما يُقال عنها «مؤذية» في مشهد نهائي دوري أبطال أوروبا الشهير، ليدفع فاتورة باهظة الثمن، بمعاناة امتدت لفترة ليست بالقصيرة، ليس فقط لعودة كتفه كما كان قبل ليلة «كييف» الحزينة، بل أيضا للتغلب على هاجس السقوط على الأرض، خوفا من تجدد الخلع، هذا بخلاف الاغتيال المعنوي، بالابتعاد عن أول وأهم مباراتين لمنتخب بلاده في نهائيات كأس العالم أمام أوروغواي وصاحب الأرض المنتخب الروسي، ما تسبب بشكل أو بآخر في ظهوره في الموسم التالي بنسخة أقل حدة وبريقا مما كان عليها في موسمه الأول في «آنفيلد».
لكن في المجمل، كان موسما مميزا على المستويين الفردي والجماعي، منها احتفظ بجائزة هداف الدوري الإنكليزي الممتاز للموسم الثاني تواليا، وهذه المرة كانت مناصفة مع ابن قارته بيير إيميريك أوباميانغ والزميل الغريم ساديو ماني، برصيد 22 هدفا، أقل بـ10 أهداف من الموسم الإعجازي، لكن الأهم، أنه تغلب على أحزان نهائي «كييف»، بقيادة الفريق لقهر توتنهام بثنائية نظيفة في نهائي «واندا متروبوليتانو» 2019، ليختم الحملة وفي سجله 27 هدفا و12 تمريرة حاسمة من مشاركته في 52 مباراة في مختلف المسابقات، كأقوى رد عملي على المشككين في قدرته على الاحتفاظ بالصورة المخيفة التي رسمها لنفسه بعد عودته إلى الدوري الأشهر عالميا، وبالتبعية فرض نفسه، كواحد من أشرس خصوم الثنائي كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي على جوائز الأفضل عالميا، جنبا إلى جنب مع روبرت ليفاندوسكي ولوكا مودريتش والقلائل الذين فتحوا الباب على مصراعيه لإنهاء عصر هيمنة صاروخ ماديرا والبرغوث على جائزتي الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) ومجلة «فرانس فوتبول» الفرنسية.

صناعة الوحش

في الوقت الذي تبدلت فيه أحوال وأوضاع جُل نجوم الصفوة في الفترة بين عامي 2018 و2021، بمن فيهم كريستيانو رونالدو وليونيل ميسي، كما يظهر في الفارق المهول في محتوى ونسخة الاثنين في الوقت الراهن، مقارنة بما كانا عليه في عشرية الهيمنة على كافة الجوائز الفردية، فهناك في عالم مواز، من جعلنا نصدق أنفسنا ونعيش لحظات سنُحسد عليها ونحن نتفاخر بها أمام الأبناء والأحفاد في المستقبل، دعك عزيزي القارئ مما كان يُوصف في الأمس القريب بـ«تطبيل» الإعلام المصري والعربي لصلاح، لكن بإلقاء نظرة سريعة على أعتى وأشهر المؤسسات الإعلامية العالمية، ستُدرك من الوهلة الأولى التغيير الجذري في صيغة وطريقة تسليط الضوء عليه، تتجلى في عشرات التقارير والمقالات الدسمة، التي تشرح وتفسر أسباب الصعود الصاروخي للدولي المصري منذ بداية الموسم الجاري، ولماذا أصبح الاسم الأبرز والأكثر جاهزية لكتابة الفصل الأخير لعصر كريستيانو وميسي، مثل عنوان «إي إس بي إن» الناري بعد هدفه الاستعراضي في مانشستر سيتي بأنه «الأفضل في العالم في الوقت الحالي»، وقبلها فردت مجلة «فوربس» الصفحات في تحقيق بعنوان «هل يكون صلاح الأفضل في العالم قريبا؟»، لتحليل النقلة النوعية في مسيرته الاحترافية، والتي جاءت تزامنا مع وصوله لسن «الانفجار الكروي»، أو ما تُعرف «سنوات الذروة»، في أواخر عقد العشرينات وبداية الثلاثينات، كمؤشر إلى بدء العد التنازلي لسحب البساط من تحت أقدام رونالدو وميسي.
والأمر لا يتعلق بظهور علامات الشيخوخة على الثنائي الفضائي، بل للعمل الخارق، الذي قام به أبو مكة على مدار السنوات الثلاث الماضية، ليجني ثمار التعب والاستثمار في جسده، بالطفرة الواضحة في بنيانه الجسدي وعضلاته، مقارنة بقوامه النحيف في السابق، هذا بخلاف تطوير أسلوبه «المفاجئ» في الهجوم، معتمدا على حيلته الماكرة، بإرباك المدافعين بمراوغاته ومهاراته، وأيضا زوايا التسديد بكلتي القدمين، وتقنيات أخرى في جعبته ما زالت مجهولة بالنسبة للمدافعين، تظهر فقط في لحظات اندفاعه نحو المدافعين، أو بالأحرى لحظات انفجاره في الثلث الأخير من الملعب، حين يبدو وكأنه لا يعرف ماذا سيحدث، وفجأة تتحول الكرة وكأنها قطعة مغناطيس يتركها ويلتقطها بحذائه كما يريد، ما يعكس صعوبة التنبؤ بما سيحدث معه أو سيفعله، على غرار ما فعله في الدفاع السماوي، وهي الطريقة التي جعلته يكسر حاجز الـ100 هدف مع الريدز من مشاركته في 152 مباراة على مستوى البريميرليغ، كأسرع لاعب في تاريخ النادي يصل إلى هذا المعدل التهديفي في أقل عدد من المباريات. بينما رونالدو وميسي، فالزمن لن يعود بهما إلى ما قبل 2018 مرة أخرى، رغم تشبث كل أسطورة بالاستمرار في أعلى مستوى تنافسي لأطول فترة ممكنة من الزمن، هذا بخلاف حالة عدم الاستقرار التي يمر بها الثنائي، بعد عودة البرتغالي إلى ناديه الأسبق مانشستر يونايتد، ورحيل الأرجنتيني عن برشلونة وانتقاله إلى باريس سان جيرمان، وأيضا المشاكل التي يواجهها كل على حدا، بتصادم كريستيانو مع مدربه أولي غونار سولشاير، اعتراضا على أسلوب ونتائج الشياطين الحمر، وبالمثل يحاول ليو استعادة نسخته الذهبية بالقميص الباريسي، لكن حتى الآن يعاني الأمرين للظهور بالصورة المنتظرة والمتوقعة منه بجانب زميل الأمس نيمار جونيور والمدمر كيليان مبابي.

واقع مختلف

بعيدا عن رونالدو وميسي، فلا أحد من «السوبر ستارز» استطاع الحفاظ على مستواه في المواسم الثلاثة الماضية، إما لظروف طارئة بداعي الإصابات، وإما لسوء الطالع وتذبذب المستوى، كما يحدث مع كل البشر، على سبيل المثال، الصخرة الهولندية فيرجيل فان دايك، الذي تجرأ على منافسة الدون وليو في العام 2019، ابتعد عن الصورة طيلة الموسم الماضي، بعد خضوعه لعملية جراحية في الرباط الصليبي، وبالمثل جلاد الجلادين روبرت ليفاندوسكي، هو الآخر ألمت به انتكاسة في أهم أوقات الحملة الأخيرة، ما تسبب بشكل أو بآخر في تقليص فرصه في الاحتفاظ بجائزة أفضل لاعب في العالم من قبل «الفيفا» للعام الثاني تواليا، حتى كبير سحرة البرازيل نيمار جونيور، ما زال يكافح لاستعادة النسخة البراقة التي كان عليها في سنواته الخوالي برفقة ثلاثي (MSN)، ناهيك عن كابوس الإصابات التي أبعدته عن الملاعب لفترات طويلة في فترة ما بعد 2018 وحتى وقت كتابة هذه الكلمات، ولا ننسى أن قائد ريال مدريد كريم بنزيما، ظل مهمشا ومادة دسمة للسخرية بعد رحيل كريستيانو رونالدو، ولم يحصل على حقه إعلاميا وجماهيريا إلا منذ فترة قليلة، فقط كيليان مبابي وإيرلنغ براوت هالاند، ارتفعت أسهمهما في المنافسة على إرث ميسي ورونالدو.
أما صلاح، فبالكاد لم تأخذ مسيرته أو مستواه منحنى منخفض طيلة السنوات التي نتحدث عنها، ما شاء الله لم يعاني مع الإصابات، ظل يعمل على تطوير مستواه وتحركاته داخل المستطيل الأخضر في صمت، فكانت المحصلة، تلك الأرقام القياسية التي تتحدث عنه، آخرها تجاوز أهداف الكاميروني صامويل إيتو في دوري أبطال أوروبا، لينفرد بالوصافة بـ31 هدفا، بفارق 13 هدفا عن زعيم الهدافين الأفارقة ديدييه دروغبا، وبعد هدفه العالمي في مرمى السيتي الأسبوع الماضي، أعاد إلى الأذهان لحظاته العبقرية في نسخة 2017-2018، بعدم التوقف عن التسجيل في آخر 7 مباريات بالقميص الأحمر في كل البطولات، وهو أمر لم يحدث معه في المواسم الثلاث الماضية، دليلا على أنه عرف من أين تؤكل الكتف، أو بمعنى أكثر وضوحا عرف كيف يطور مهاراته وأسلوبه في التسجيل، ليتحول إلى هذا المزيج بين قوة رونالدو الجامحة وبين سحر البرغوث بالقدم اليسرى، وبعيدا عن أي عاطفة أو انتماء، يمكن القول إنه اللاعب «الأعلى فرديا» والأكثر تأثيرا وحسما في نتائج فريقه، ليس فقط هذا الموسم، بل في المواسم الأربعة الأخيرة، متفوقا على الجميع بدون استثناء، رونالدو وميسي ومبابي وليفاندوسكي ونيمار والبقية، كونه يحقق هذه الأرقام، أمام أعين جبابرة التدريب على هذا الكوكب، على رأسهم الفيلسوف بيب غوارديولا والعبقري الألماني توماس توخيل وأسماء أخرى عجزت أمامه قبل مغادرة البريميرليغ كمدربه السابق جوزيه مورينيو وماوريسيو بوتشيتينو، وهذا يعطي صلاح أفضلية على الجميع في الصراع على «الكرة الذهبية».

ماذا بعد؟

قال الماجيكو محمد أبو تريكة: «لو كان صلاح شعره أصفر وبتوكة مثل غريليش لحصل على البالون دور»، صحيح أسطورة الأهلي بالغ في تهكمه، لكنه كان محقا في الهدف الرئيسي من رسالته، أن ابن جلدته الأحق بالجائزة الفردية العالمية، ولنا أن نتخيل أننا نعيش في منتصف حقبة التسعينات وبداية الألفية الثالثة، قطعا كانت معايير اختيار اللاعب الأفضل، ستنحاز لأبي مكة، حيث كانت تُمنح للاعب الأكثر إمتاعا وتأثيرا على نتائج فريقه وبدرجة أقل منتخب بلاده، خاصة في السنوات الفردية التي لا تقام فيها المحافل الكبرى (كأس العالم واليورو)، وإلا لما حصل عليها رئيس ليبيريا الحالي جورج وياه، لتألقه مع موناكو قبل ذهابه إلى ميلان العظيم في التسعينات، وهي نفس المعايير التي على إثرها فاز ريفالدو بالجائزة عام 1999 ومايكل أوين 2001 وبافيل نيدفيد 2003 وأندريه تشيفتشينكو في العام التالي، وكان ذلك في أوج سنوات أساطير بحجم رونالدو الظاهرة، وزين الدين زيدان، وتيري هنري، وفرانشيسكو توتي وأليساندرو ديل بييرو وباقي نجوم تلك الحقبة، لكن في السنوات الأخيرة، أو بالأحرى في زمن «السوشيال ميديا»، حيث سيطر المال على كل مفاصل اللعبة، لم تعد هناك معايير ثابتة، بل أحيانا تبدو وكأن أصحاب القرار قاموا بتعديل المعايير، حتى تذهب لاسم بعينه.
لكن دعونا نتفق، أن هناك إجماعا أنها تذهب إلى صاحب المعادلة الصعبة، بتقديم نفس التأثير مع فريقه ومنتخب بلاده، وهذا الأمر، قد يعطي ميسي أفضلية على الجميع هذا العام، خاصة إذا تأثر الأشخاص المعنيين بالتصويت، بالضجة والهالة الإعلامية التي أثيرت حول ليو، بعد معانقة كوبا أميريكا في قلب «ماراكانا»، بفوز الأرجنتين على صاحب الأرض المنتخب البرازيلي، ليكسر صاحب القميص رقم 10 عقدته مع البطولات الدولية، بقيادة بلاده لأول لقب قاري منذ عام 1993، وبالتبعية أول لقب دولي في مسيرته، أما إذا حدثت مفاجأة في التصويت، فقد تذهب إلى جورجينيو لدوره في فوز تشلسي بدوري الأبطال والمنتخب الإيطالي باليورو، وبدرجة أقل شريكه في وسط البلوز نغولو كانتي، أما غير ذلك، فلا أحد أحق بجائزة «البالون دور» من محمد صلاح، وفي أسوأ الظروف، إذا لم تبتسم له هذا العام، وصدقت التوقعات التي ترشح ميسي لجائزته السابعة، فستكون عملية خضوع «الكرة الذهبية» مجرد مسألة وقت، إذا حافظ على مستواه ومعدل أهدافه الجنوني، ويا حبذا لو اكتملت الأرقام الفردية ببطولة جماعية كبرى في نهاية الموسم، بجانب استغلال البطولة الأفريقية والتصفيات المؤهلة لكأس العالم، وسيكون ذلك في نهاية خريف مسيرة رونالدو وميسي، والسؤال الآن: هل اقترب حلم حصول لاعب عربي على جائزة أفضل لاعب في العالم؟ أم نحن نبالغ في ما نشاهده على أرض الواقع؟

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية