عين إيران على انتخابات «برلمان لبنان» بعد ضمان إمساكها بـ»برلمان العراق»

رلى موفق
حجم الخط
1

تقول الإحصاءات العراقية الرسمية إن 565 شخصاً، منهم عشرات الناشطين اغتيلوا على أيدي مجهولين منذ الأول من تشرين الأول/أكتوبر 2019 تاريخ انطلاق الموجة الأخيرة من التظاهرات في ساحة التحرير التي امتدت من العاصمة إلى المحافظات الشيعية احتجاجاً على تردّي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وحال البطالة واستشراء الفساد السياسي والإداري الذي يُعانيه العراقيون، بعدما ظنّت أطياف واسعة من المجتمع العراقي أن فجر الحرية سيُشرق مع الإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003 على أيدي الأمريكيين، وأن مرحلة جديدة ستبدأ في بلاد الرافدين من الحكم الرشيد.
بالطبع لا يُعْـتَد بالرقم الرسمي في العالم الثالث حيث لا قيمة أصلاً للإحصاءات والأرقام والبشر، فكيف إذا كانت أنظمة تلك الدول قمعية وفاشلة ومارقة، وشعوبها مبتلية بدويلات ضمن الدولة وبميليشيات تحت مسميات متعددة، وبكل ما لا يمت بصلة إلى الديموقراطية وزيفها في ما يُسمى انتخابات على مرأى من العالم الذي يطبّل لحفنة من المراقبين الدوليين هم شهود زور غب الطلب، ما دام العطب هو في أصل الحكاية.
العراق بوابة الدفاع عن الخليج العربي سقط بقرار أمريكي بيد إيران. هي الحقيقة التي يُدركها العراقيون، والتي هلّل لها فرحاً جزء منهم، وشعر جزء آخر بالانكسار. المنكسرون وغالبيتهم من السُّنة ما زالوا على حالهم التي تزداد سوءًا، مع وسمهم بالإرهاب والتعامل معهم على هذا الأساس إلا إذا كانوا من حلفاء طهران. الأكراد لهم وضعهم الخاص الذي كان وسيبقى، والذي يوازنون من خلاله علاقاتهم مع إيران ومع تركيا وأمريكا وإسرائيل والخليج. المفارقة أن المأزق العراقي الحالي يأتي من قلب «البيت الشيعي» الذي اعتقد أنه تنفّس الصعداء مع طيّ صفحة صدام. قلق قيادات العملية السياسية هو من بيئتهم، من شبابهم الذين لم يعيشوا الحقبة السابقة ولم يعانوا منها، إنما يعيشون اليوم مآثر حكم قياداتهم وأحزابهم وفسادهم وانفلات الميليشيات تحت مسمى «الحشد الشعبي» الذي لا يتبع قيادة واحدة ولا هدفاً واحداً كما أرادته المرجعية أن يكون يوم دق خطر «تنظيم الدولة الإسلامية» أبواب بغداد، في زمن رئيس الوزراء نوري المالكي، الذي أُرغم على الخروج من جنّة رئاسة الوزراء لسنوات في ظل عودة الأمريكيين لمحاربة «داعش» وعاد اليوم مع تبدُّل المشهد الأمريكي في المنطقة إلى تهيئة العدة للعودة.
لن تحمل انتخابات 2021 تغييراً فعلياً في موازين القوى السياسية التي تُسيطر على المشهد العراقي والذي تتحكم به طهران. تمَّ ضرب «ثورة تشرين» بالترهيب والقتل والاغتيالات، ولعب مقتدى الصدر دوراً في إجهاضها من الداخل بالتواطؤ مع إيران، وهو أمر يتغنّى به «منظرو المحور». وبالتالي، فإن ما سيحصل لا يعدو كونه عملية تنافس سياسي ضمن «البيت الإيراني» وستعمل طهران بعد صدور النتائج على تدوير الزوايا، استناداً إلى نتائج ذلك التنافس، في عملية اختيار رئيس الوزراء الجديد.
جُلَّ ما يمكن أن يحصل هو الذهاب إلى اختيار شخصية من خارج الأحزاب المتنافسة إذا لم يستطع مرشحوها الاتفاق على واحد من بينهم. وهنا، تعود أسهم رئيس الوزراء الحالي مصطفى الكاظمي إلى الارتفاع. ففي معطيات «منظري المحور» أن الرجل استطاع في زيارته الأخيرة إلى طهران أن يحجز لنفسه مكاناً للمرحلة المقبلة. بقي الكاظمي بعيداً عن لعبة خوض الانتخابات كي يبقى خياراً توافقياً في ظل صراع «الديوك» على منصب رئاسة الحكومة.
تعتبر إيران نفسها أنها في قلب «معادلة ربح ربح». الكل أولادها في النهاية. كان يهمها قطع الطريق على إمكانية وصول أصوات عراقية صافية. وهذا أمر حققته مع مقاطعة «التشرينيين الفعليين» للانتخابات، فيما مَـنْ قرَّر خوضها بوجوه مستقلين لا يمكنه أن يُحدث انقلاباً، ولا أن يُعَـدّل في الحصيلة السياسية النهائية.
حسمت إيران مستقبل ثلاثة انتخابات من أصل أربعة. ضمنت المجيء ببشار الأسد رئيساً لسوريا، وجاءت بالمتشدد إبراهيم رئيسي رئيساً لبلادها. وهي واثقة من أن الانتخابات التشريعية العراقية ستأتي بحلفائها وستؤمّن لها غالبية برلمانية. يبقى أمامها استحقاق الانتخابات النيابية اللبنانية المقرّر حصولها في آذار/مارس 2022، حيث تُريد لذراعها الأكبر «حزب الله» تحقيق انتصار سياسي جديد لها بالحصول على الغالبية البرلمانية مع حلفائه من المسيحيين والسُّنة والدروز، كما فعل في الانتخابات الأخيرة بعدما فرض قانوناً على القاعدة النسبية اخترق من خلاله المكوّنات اللبنانية بيسر. نجح «حزب الله» في شل القوى التي كانت مناهضة له وتنضوي تحت عباءة الرابع عشر من آذار، وشاحت تلك القوى بنظرها عن العنوان السياسي المتمثل بمواجهة الهيمنة الإيرانية الذي جمعها في سابق الأيام، لا بل إنها تعدُّ العدة في الانتخابات لحصد ما يمكنها من مقاعد كي تكون قوة وازنة تجعلها قادرة على الحوار مع «حزب الله» من الند للند.
يُسلّم كثيرون بمقولة دخول المنطقة في العصر الإيراني، بعدما مدَّ الحرس الثوري يده على عواصم أربع دول عربية. وحدها اليمن، لا انتخابات فيها، لكن إيران أنجزت سيطرتها في هذا البلد لسنوات طويلة.
كل ذلك يحصل على وقع انسحاب أمريكي من المنطقة. صحيح أن لا نهائيات حتى الآن، لكن المكتوب يُقرأ من عنوانه!

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية