مد وجزر في العلاقات الجزائرية الفرنسية… وداعا «درياسة» أيقونة الفن الخالد… هل يخدع الملح والطعام الأشقاء؟

تشهد العلاقات الجزائرية – الفرنسية توترات حادة، تجلت على النقاشات الواسعة والمناوشات الكلامية ومن أهل الاختصاص، ومن غيرهم من أفراد المجتمع الجزائري، على مختلف منصات التواصل الاجتماعي، بعد تصريحات الرئيس الفرنسي وسؤاله عما إذا كانت هناك أمة جزائرية قبل الإستعمار الفرنسي.
بدأ ذلك عند استقباله لشباب من أصل جزائري، من مزدوجي الجنسية، مأ ابناء «الحركى» ممن تعاونوا وحاربوا الى جانب فرنسا.
ملاحظ السعي المكثف للتدليل على أي البلدين أقدم تاريخيا وسيادة ونظاما سياسيا، يدرك أن العلاقات الجزائرية – الفرنسية ينطبق عليها المثل الشعبي «ما نحبك ما نصبر عليك»!
قد يعبر المتذمرون من تلك العلاقات بـ»هل خلقت رأسنا ورأسهم في «شاشية واحدة»؟
فرنسا المستعمر المؤبد في الجزائر. فرنسا الحليف الاستراتيجي بعد الإستقلال، صديقة وعدوة الجزائر في آن، والذي فعلا اقترن مصيرنا بمصيرها، ساعات يغضب رؤساؤها، سطحيا أو لشيء في نفسهم ونفس «ماكرون» الشاب «الطائش» الذي تغفر هفواته. ثم يعود الود القائم على المصلحة التي لا تنضب. بيننا وبينهم الخيرات مقابل التأشيرات واستقبال وفود «المهاجرين». وحتى هذه التأشيرات يريدون الحد منها وفي كل مرة يلوحون بتقليصها. الخدمة الوحيدة التي تسديها فرنسا لعامة الشعب الجزائري، تفاوض فيها وتساوم على أعلى مستوى، مهما كانت دوافع ماكرون لتصريحاته، التي أثارت حفيظة الجزائريين، وبعض المؤرخين الفرنسيين، كان لزاما علينا أن يبحث كل واحد من جهته وتخصصه عن الجزائر ووجودها الضارب في أعماق التاريخ. فهناك من أرجع وجودها إلى ألفي سنة أو يزيد، كما صرح بذلك السيد عبد الكريم باجاجة، المؤرخ والمدير العام الأسبق للأرشيف الوطني، لجريدة «لوسوار دالجيري» (نقلا عن موقع أوراس) ردا على تصريحات ماكرون أن وجود الجزائر يعود إلى 202 سنة قبل الميلاد، أي منذ 2500 سنة. وتوحدت في سنة 202 ق. م، تحت راية الملك ماسينيسا، بعد انتصاره على سيفاكس خلال معركة «زامة» في السنة نفسها، والتي دارت بين امبراطوريتي المتوسط آنذاك قرطاج وروما». ويضيف أنه «في الوقت الذي كانت فيه سيرتا (قسنطينة حاليا) عاصمة نوميديا (منذ 303 ميلادي) كانت فرنسا القديمة معبرا للجنرال القرطاجي حنبعل وفيلته لمهاجمة روما من الشمال.
وأضاف أن «شعب فرنسا القديمة كان يعيش في أكواخ في حين كانت سيرتا تنافس في جمالها روما وقرطاج». هذا إضافة إلى «استيلاء فرنسا على أرشيف وثروات ايالة الجزائر، هذه الثروة التي قدرتها المصادر التاريخية بـ 300 مليون فرنك ذهبي، والتي تعادل 90 مليار يورو».
وهناك من قدر تاريخها بأكثر من مليوني سنة. ولو تكررت حادثة المروحة الشهيرة، في الوقت الحاضر، لضرب الرئيس الجزائري نظيره الفرنسي بالمبرد أو مروحة معدنية، كما تداول الفكرة بالصورة رواد مواقع التواصل الاجتماعي فيسبوك على سبيل التندر.
فهل ينفع كل هذا التاريخ الطويل لمن يهاجرون في اتجاه فرنسا وأوروبا كل ليلة هجرة خطرة دامية؟ هل يشفع الماضي لما يحدث في الحاضر بكل مرارته وقسوته، والحياة تزداد صعوبة لدينا يوما بعد يوم؟ هل ربحنا جولة التاريخ، بالرغم من الرمال المتحركة، التي تشد بالأرجل والأحلام نحو بحر الطوفان؟ هذه هي رهاناتنا التي إن ربحناها تشحذ الهمم من جديد، وتلتهب الأشواق للماضي السحيق وللتاريخ المجيد.

رابح درياسة: أفول نجمة الطرب القطبية

انشغلت منصات التواصل الاجتماعي ومختلف المواقع الجزائرية والعربية برحيل الحنجرة الذهبية وصاحب المواويل الرقراقة، الفنان رابح المبدع درياسة، الذي رافق كل المشاريع الوطنية وغنى السير والمغازي الشعبية وألف المدائح الدينية.
رحل من غنى روائع مثل «راس المحنة» و «حيزية» و»قلبي توحش عربان رحالة» بأداء متميز وخالد. نعاه الجميع شعبا ومسؤولين، من هؤلاء الأستاذ الهاشمي نوري، الذي جاءت عبارات نعيه للفنان تختصر مسيرته الفنية وما قدم خلال مشواره الطويل الحافل بالأحداث والمناسبات، التي عاشها المجتمع الجزائري، فمما جاء في تأبينيته: «حين حضرت الساعة وتوقفت عن الدوران، افأ صاحب «النجمة القطبية» إلى «العلالي» تاركا خلفه «وردة بيضاء» كبياض مئزر «الممرضة» تذبل. ارتحل «الحاج» بعد أن جاب بلاد الجزائر، بقعة بقعة، وبعد أن حج واعتمر ملتمسا «التوبة» وقد ترك «لحمام البلدي» حزينا في البليدة الوريدة. سنذكرك كلما حل موسم البكالوريا على مدى أجيال الذين «جابوها» بفرحة لا تضاهى. سنذكرك رجالا ونساء، وقد رفعت من شأنهن حين ذكرت من غفل عن ودهن بـ»قارئ سورة النساء». سيذكرك «العربان الرحالة» في البوادي والفيافي والصحاري، كما تفكرهم قلبك الرهيف الواسع. سيذكرك «حزب الثوار» ملهم الأحرار في ديار الجزائر. سيذكرك أبناء المهجر حين «طالت علينا الغربة». سيذكرك «عبد القادر أمير الأبطال» وأحفاده من بعده. سيذكرك أحرار الجزائر، وهم من بعد عبد القادر، شهدوا بروز رهط «جعلوا سلك الذهب رجع نحاس»؟ سيذكرك «أولاد بلادي» غاية، ويذكرك آل محمد (صلعم) كلما استمعوا إلى «يا محمد يا حبيبنا». سنذكرك اليوم مساء على درب انتصارات الفريق الجزائري، دون هزيمة وما هي إلا «بداية وما زال ما زال». ستذكرك عين الأشياخ، ضواحي خميس مليانة، التي ألهمتك في بيت عمتك، التي حظيت بشرف زيارتها على ربوة بيتها ذات ليلة صيف مقمرة، كلمات «نجمة قطبية» وانت تقلب وجهك في السماء المتلألئ بالنجوم. النجمة التي خلدتك قطبا من الأقطاب في ميدانك. رحم الله الحاج رابح درياسة، الذي وافته المنية اليوم». أي الجمعة الماضي الموافق للثامن من الشهر الجاري، عن عمر ناهز 87 عاما بعد معاناة مع المرض. إنه الملقب بـ»ملك الأغنية البدوية» لكنه، أيضا، ترك بصمته على الأغنية العصرية. مطرب وملحن ومؤلف كلمات ورسام. ذاع صيته في العالم العربي، الذي صال وجال على مسارحه بأدائه الساحر وبكلماته المعبرة الشيقة السلسة، المكثفة بالحكمة والجمال. وبالرغم من كل ذلك فهو يستمع للجيل الجديد كثيرا ويعتبره قدم وأبدع وطور الأغنية، لا سيما الفرق الشبابية، ونوه بأنهم أوصلوا الأغنية للعالمية، مثل «بابيلون» على سبيل المثال.
ومما جاء في آخر تصريحاته، عن سؤال محاوره، على قناة «الشروق نيوز» باعتباره عميد الأغنية الجزائرية، فقال «العفو لست عميد الأغنية الجزائرية، العميد في الوقت الحاضر هو «الحاج الندرومي الشيخ الغفور» هو العميد ويأتي بعده الأستاذ «آكلي يحياتن» ومن بعد آتي أنا في المرحلة الثالثة».
غنى للوحدة المغاربية في موال قوي بالطابع البدوي، على مسارح بلدان مغاربية وعربية، فأنشد وأطرب صادحا:
« باسم الله نبدا كلامي يا حُضرة… والصلاة على النبي طيب لذكار.
وأهلا بالأحباب في هذي الحَضرة… حضرة جمعت خاوتي مثل النوار.
وردة بيضا مقابلة وردة حمرا… وجنة خضرا فاتحة فيها لزهار.
زهر ملون فوق أرضنا الحرة… ومغربنا نادى وليداتو لحرار.
أحرار اتفقوا على الوحدة مَرّة… يد فريدة ما يحطمها غدّار.
والغدار بقى وحيد على برّه… طردوه الأحرار مايبقاش في الدار.
دار المحبين تونس الخضرا… عندي فيها أحباب أعز من الأبصار.
والمغرب الحبيب وطن المسرّة… والرباط وردة جميلة بين أزهار.
والجزاير فاتحة مثل الزهرة… وردة بيضا عطورها عمت لقطار.
أيام كان للكلمة صيتها، وتلقي بالحرارة في قلب مستمعيها. رحم الله تلك الأيام ورحم مؤديها.

الخبز والملح المغاربي والـ«سوشيال ميديا»

عندما صنف «الكسكسي» تراثا ثقافيا غير مادي، من طرف اليونسكو كملف مشترك بين الجزائر وتونس والمغرب وموريتانيا، اكتسحت عبارات «الكسكسي يوحد المغاربة» «أكثر من الدين والسياسة واللغة» «استطاع توحيد أبناء المنطقة» (مقولة أمين الزاوي).
لكنها عبارات جوفاء لا محل لها في الواقع، لأن زمن «ميثاق» الملح والطعام قد ولى. في زمن النرجسية، التي طغت على كل المجالات والأصعدة، وفقاعة «الوحدة الكسكسية» ووحدة البطون الشبعانة لم تكن سوى نزوة عابرة ألبسها التصنيف هالة لا تصمد أمام المناوشات الفيسبوكية ومقاطع الفيديوهات، التي تشتعل شتائما وبذاءة بين المغرب والجزائر، البلدين الشقيقين، وكأننا كأشقاء تجمعنا الملاعق والصحون ولا تجمعنا الامتدادات الجغرافية والتاريخية والعقائدية؟! كل شيء يمكن أن يجمع إذا أردنا، لكن لا نحمل «الكسكسي» وزر أوهامنا وأنه الجامع للفرقاء والسد المنيع أمام النعرات، فلم يعد الكسكسي الطبق الذي يجمع الأرحام المتقطعة بالأسرة الواحدة، فكيف يجمع من فرقتهم السياسات والإيديولوجيات المتطاحنة؟ أم ما زلنا نعيش في بهرجة المهرجانات والألوان والتبذير وهدر الثروات، في سبيل وهم الوحدة والتلاحم والترابط والعيش بسلام بفضل الملح والطعام، الذي كان يحد من الخصومات في وقت مضى؟ هل يمكن للطعام أن يواجه سيل مواقع التواصل الاجتماعي الجارف الذي يحول الطعام والكلام حلو المذاق إلى مرارة العلقم في لمح البصر؟ فلا يمكننا أن نطعم الأفواه بالملاعق ونعمي الأعين بالأعواد اليابسة! (من مثل شعبي بتصرف)

 كاتبة من الجزائر

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية