الجزائر – «القدس العربي»: تعيش الجزائر هذه الأيام على وقع جدل جديد ـ قديم تسبب فيه إمام سلفي أهدر دم كاتب صحافي ودعا لإقامة الحد عليه. قضية اعتقد الكثير من الجزائريين أنهم تجاوزوها للأبد، بعد المآسي التي تسبب فيها هذا النوع من الفتاوى خلال تسعينيات القرن الماضي، عندما كان «جهال» برتبة إرهابيين يذبحون ويقتلون الكتاب والمثقفين والأدباء والشعراء ورجال المسرح والمثقفين والفنانين، لمجرد أن رجلا بلحية قال لهم أن فلان كافر، أو أن كل من يعمل في مهنة ما هو داعم «للطاغوت» وجب قتله، مثلما وصل بهم الأمر إلى قتل الأطفال والشيوخ وفتح بطون النساء الحوامل، وكل هذا باسم الدين.
هذه المرة إمام سلفي ينشط منذ سنوات بشكل غير رسمي لكن دون أن يعترض طريقه أحد، هو عبد الفتاح حمداش زيراوي الذي أسس جمعية «صحوة المساجد» دون أن يحصل على اعتماد رسمي من السلطات، ولكن أيضا دون أن تقوم السلطات بحظر نشاطه.
ضحية هذه الفتوى هو الكاتب الصحافي كمال داود، الذي يكتب عمودا يوميا في جريدة «لوكوتيديان دوران» ( الصادرة بالفرنسية) وصاحب رواية «مورسو .. تحقيق مضاد» أول رواية يصدرها داود وتحقق نجاحا منقطع النظير، بدليل أن الرواية رشحت للفوز بجائزتي الغونكور والرونودو أكبر جائزتين أدبيتين في فرنسا، وكان داود قاب قوسين أو أدنى من الظفر بجائزة الغونكور، التي أفلتها بفارق صوت واحد، وهي أول مرة يصل فيها أديب جزائري إلى هذه المكانة، بل إن الكثيرين قالوا بأن خسارته لجائزة الغونكور، هي نتيجة تحالفات ومؤامرات بين دور النشر، وحتى البعض ممن سبق لهم الفوز بجائزة الغونكور، سعوا حتى لا يفوز عربي آخر بجائزة الغونكور، بصرف النظر عن هذا الأمر، فإن كمال داود دخل السوق الأدبي في فرنسا من أوسع أبوابه، خاصة وأن موضوع الرواية مثير جدا.
كمال داود انطق من مقال نشره في الجريدة التي يكتب فيها لكتابة رواية «مورسو.. تحقيق مضاد» المقال كان عن الكاتب البير كامو، صاحب رائعة «الغريب» الحاصلة على جائزة نوبل للأدب، الرواية عن مورسو المعمر الفرنسي الذي يعيش حياة عادية في الجزائر دون أي طموحات، تمضي أيامه بنوع من الرتابة، حتى لما توفيت والدته لم يشعر بحزن كبير، اكتفى بحضور الجنازة والعودة سريعا إلى العاصمة، واستأنف حياته بشكل عادي، إلى أن جاء اليوم الذي ارتكب فيه جريمة قتل، مورسو قتل عربيا على الشاطئ لأسباب غير واضحة، وأطلق النار عليه عدة مرات، حتى وهو ساقط على الأرض، ليسجن بعدها ويحكم عليه بالإعدام دون أن يقاوم أو يرفض أو يبدي أي ندم على قتل ذلك العربي، الذي لم يقل لنا الكاتب اسمه، هل كان احتقارا؟ أم أن الجزائريين العرب خلال فترة الاستعمار لم تكن لهم أسماء وملامح، بل كانوا مجرد أشباح، يمكن للمعمرين الأوروبيين أن يقتلوهم متى شاؤوا؟
كمال داود انطلق من رواية «الغريب» لا ليحكي قصة مورسو مجددا، فهذه القصة حكيت كثيرا، وحكيت جيدا، إلى درجة أن الناس نسيت أن هناك قاتلا وأن هناك جريمة ارتكبت، والأهم أن هناك قتيلا له اسم ووجه وحياة وعائلة، داود أعطى اسما لذلك العربي في رواية الغريب، اسمه «موسى» وحكايته يحكيها شقيقه هارون، الذي يقول في رواية كمال داود أنه تعلم لغة القاتل ( الفرنسية) حتى يحكي قصة شقيقه هارون، الذي قال عنه أن «رأسه كانت تناطح السحاب، ويديه قويتين للدفاع عني، وأنه كان ينظر إلينا كالأموات، لقد كان فعلا يحبنا كما يحبنا الأموات، أي بتلك العيون التي تنظر إلينا من الآخرة».
ثمن النجاح
النجاح الذي حققه كمال داود في روايته، جعله يحصل على اعتراف جميع الأوساط الأدبية، الكتاب ترجم حتى الآن إلى 15 لغة، لكنه لم يترجم بعد إلى اللغة العربية، كما حصل على عدة جوائز أخرى، والمبيعات تسير بشكل جيد، أكثر من 1200 نسخة يوميا، والكاتب يستعد لإصدار كتاب جديد، لكن هذا النجاح له ثمن أيضا.
كمال داود دعي للمشاركة في برنامج تلفزيوني يعتبر من أكبر وأشهر البرامج «أوني با كوشيه» الذي يقدمه الإعلامي لوران روكييه على قناة «فرانس2»، وهو برنامج أسبوعي ويذاع مساء كل سبت، ويستضيف البرنامج كتابا وأدباء وسياسيين وكل من صدرت لهم أعمال ناجحة، وتجري محاورتهم حول كتابهم من اثنين من الصحافيين، ويختارهم روكييه بعناية لتوفرهما على خاصية «القنص» أو ما يسمى صحافيين قناصين، فبعد الثناني إيريك نولو وإيريك زيمور، اللذان غادرا بسبب مواقفما اليمينية التي يتطرفان فيها كثيرا، ليخلفهما الثنائي النسوي ناتشا بولوني وأودري بولفار، ثم غادرت الأخيرة وتم تعويضها بإيمريك كامرون، ثم غادرت بولوني نحو قناة كنال بلوس وعوضت بليا سالامي.
الجميع يعرف أن الجلوس على الأريكة أمام هذا الثنائي أمر صعب، فالكثير من الكتاب والسياسيين سحقوا بسبب الانتقادات التي واجهوها، والتناقضات التي عثر عليها الثنائي القناص في الكتب التي يفترسونها جيدا، مع البحث في أي تفصيل في أي كلمة في مشوار الكاتب أيا كان.
كمال داود نجح في الامتحان الصعب، وجعل الثنائي الذي عادة لا يصمت يبحث عن كلماته، ومن سوء حظه ( إن صح التعبير) أن ناتاشا بولوني كانت مدعوة لحضور البرنامج كضيفة، دون أن يمنعها ذلك من التدخل والإدلاء بدلوها، ولكن الكاتب الجزائري تمكن من الرد على كل الأسئلة بثقة كبيرة، حتى وإن كانت المطبات التي وضعت في طريقه كثيرة، خاصة فيما يتعلق بأمور الهوية، قضية الاستعمار الفرنسي للجزائر، الدين واللغة العربية.
الأسئلة المطروحة كانت تدفع نحو القول أن الجزائر التي تعيش اليوم وضعا لا يرضى عنه الكاتب وينتقده، والذي يقول بأن الجزائريين هم من يتحمل مسؤوليته، لا تختلف كثيرا عما كانت عليه خلال الاستعمار الفرنسي، وهو الأمر الذي رفضه صاحب رواية «مورسو.. تحقيق مضاد» الذي أكد أن ثورته على الأوضاع في بلاده، لا يمكن أن تنسيه أو تجعله يلغي من ذاكرته ما فعله الاستعمار الفرنسي في الجزائر طيلة 132 سنة، أما بخصوص العربية، فأوضح أنها ليست جنسية، وأن جنسيته جزائرية، وأن العربية هي ثقافة وتراث، مشيرا إلى أن اللغة العربية، في الجزائر على الأقل، لم تتخلص من كل ما هو مقدس، وأنه يجب مراجعة العلاقة مع الذات الإلهية حتى نعيد الاعتبار للإنسان، كلام فلسفي طبعا بالدرجة الأولى، لكنه لم يفهم، مثلما لم يفهم كثيرون أن هناك فارقا بين مواقف وكلام وآراء كمال داود وبين مواقف وكلام وآراء أبطال روايته.
بدأت الانتقادات على شبكات التواصل الاجتماعي، من بعض المثقفين المحسوبين على التيار «المتأسلم» والأغلبية الساحقة منهم لم يقرؤوا ولم يسمعوا كلام داود، وإنما اكتفوا بترديد ما قيل وما كتب، عن بعض المثقفين، أي أن شخصا واحدا أو اثنين كان يكفي لأن يقرأ نيابة عن نخبة مثقفة كاملة، والجميع يعتبر هذا كافيا للحكم على داود، والتهم في مثل هذه الحالات دائما جاهزة، الإنسلاخ عن الهوية، محاربة العربية، محاولة إرضاء الغرب، وهذه التهم تعتبر سلعا رائجة، يمكن بيعها في أي سوق، ولديها زبائن مضمونين، إلى حد الآن، الأمور بقيت في إطار الاستقطاب الأيديولوجي بين معربين وفرانكفونيين، قبل أن يدخل رجال الدين على الخط.
لحية وفتوى
القضية عرفت منحى جديدا أخطر، عندما أصدر عبد الفتاح حمداش زيراوي رئيس ما يسمى جمعية «صحوة المساجد» فتوى فيسبوكية، عنونها «دعوة لإقامة الحد» وكتب يقول:»الكاتب الزنديق الكافر الجزائري كمال داود المتصهين المجرم يسب الله تعالى، ويتطاول على القرآن، ويحارب الإسلام واللغة العربية، ويعادي أهل الإسلام. جبهة الصحوة الحرة الإسلامية السلفية الجزائرية تقول أنه لو كان فيه شرع إسلامي يطبق في الجزائر، لكان جزاؤه القتل حدا بالردة أو الزندقة، بسبب كفره وزندقته وحربه ضد الإسلام»…
هذه الفتوى قلبت الدنيا ولم تقعدها، خاصة وأنها المرة الأولى التي تصدر فيها فتوى بهذا الشكل منذ سنوات، الكاتب كمال داود سارع لرفع دعوى قضائية أمام القضاء الجزائري، مؤكدا أن السلطات تتحمل مسؤولية حمايته. رد فعل الكاتب كان منقسما بين الحزن والصدمة، خاصة وأن هذه الفتوى الفيسبوكية وجدت من يتبناها، فالجموع التي لا يمكن إلا أن تصدق شخصا بلحية على شخص آخر بدون لحية، سارعت لشتمه وسبه، حتى دون أن تفهم خلفية القضية، وحتى دون أن تسمع أو تقرأ لكمال داود، الفتوى كانت كافية ليتحول الكاتب إلى شيطان في نظر الكثيرين.
كمال داود أكد أن «وحش» التطرف ما يزال حيا، وأنه ما زال بإمكان أي كان أن يصدر فتوى بقتل شخص ما، لمجرد أنه كتب كتابا أو رواية، وانخرط في هذه المهمة مثقفون وأدباء آخرون صمتوا إما من باب التشفي والغيرة، أو راح بعضهم يهاجم كتاب كمال داود في هذا التوقيت بالذات، بدعوى نقد روايته، لكنه كان نقدا غير مؤسس وتوقيته خاطئ، لأن الوقت كان وقت تضامن من أجل مبدأ.
الكاتب استغل الفرصة للحديث مجددا عن موقفه من الدين، مؤكدا أنه إنسان متدين ومسلم، وأن الدين أخذ ويأخذ 90 في المئة من تكوينه وتفكيره وكتاباته، ولكن الإسلام الذي يدافع عنه هو، إسلام النور، إسلام يحيي الناس ولا يميتهم، وليس إسلام القتل والذبح.
ردود الفعل المساندة لداود كانت واسعة من طرف الكثير من الصحافيين، ولكن أغلبية المثقفين والكتاب وقفوا متفرجين، ومن بين الذين تحركوا وزير الإعلام حميد قرين، وهو كاتب وصحافي سابق، منددا بأي تهديد ضد حياة أي مواطن، وبالأخص ما جرى لكمال داود، مشيرا إلى أنه يؤيد الثقافة والحوار والتسامح وتبادل الآراء، وأن القضاء سيقوم بدوره كاملا وبكل استقلالية فيما يخص هذه القضية.
كما أصدر الروائي أمين زاوي بيانا أكد فيه «أن الأصوات النكراء عادت لتعوي باسم الدين السياسي، في جزائر كنا نعتقد بأنها تسير بسلام نحو السلم واحترام الاختلاف وحقوق الإنسان، عادت هذه الأصوات النشاز مستثمرة كالعادة عفوية وبساطة الثقافة الدينية لدى المواطن الجزائري، الذي تربى في أحضان ممارسة دين الوسطية والمحبة، بعيدا عن العنف والقتل والترهيب».
وأضاف قائلا:» قد نختلف في بعض التفاصيل مع الكاتب كمال داود، لكنه كان مسكونا دائما بالدفاع عن الحق في الحرية والاختلاف والكرامة والتقدم والحداثة في بلد عاش فيه ودرس فيه، وتعلم الفرنسية فيه التي يكتب بها وبإبداع مدهش، والتي من خلالها شرف الجزائر الثقافية والأدبية بحصوله على عدة جوائز».
واعتبر أن الصمت الذي قوبلت به الفتوى ينذر بأن الأمر خطير جدا، وأن الحريات الفردية والجماعية بدأت تنتهك، والإبداع مهدد والكل ساكت، أمام هذه الفتوى التي جاءت باسم الدين الإسلامي وبعقلية «داعشية» أو «نصروية» هذا التيار يزيد أيضا من وضع يده على الإسلام تفسيرا وممارسة.
ودعا الزاوي إلى تأسيس جبهة عريضة من الكتاب الجزائريين بكل اللغات، ومن كل التوجهات الفكرية والفلسفية والجمالية، لمواجهة ما سماه المرض السياسي الفاشستي الذي يريد إعادة محاكم التفتيش إلى الجزائر المعاصرة، لأن الذي حدث مع كمال داود يمكن أن يحدث مع آخرين.
وجاء رد الفعل أيضا من أبو جرة سلطاني الرئيس السابق لأكبر حزب إسلامي في الجزائر، وهو حركة مجتمع السلم، والذي اعتبر أن الكلام الذي ورد على لسان حمداش خطير، وأن الحديث عن ردة وكفر وزندقة شيء كبير، لا يمكن العبث به، موضحا أن كمال داود ليس مرتدا، وإنما عبر عن رأي فني بطريقة عنيفة نوعا ما، يمكن مناقشته ومجادلته فكريا، ولكن ليس أن يصل الأمر إلى الدعوة إلى القتل، لأن الإسلام وضع خطا أحمر بالنسبة للدم والأرواح، وهو دين جاء ليحيي لا ليميت.
كمال زايت