كتاب مصوّر يعرّف المبتدئين على فرانز فانون: البشرة سوداء… والأقنعة بيضاء!

حجم الخط
1

 

باريس – «القدس العربي»: المنشــــورات الأمريكــــية الشهـــيرة، المعـــروفة باســـم «للمبـــتدئين» For Beginners، هي سلسلة مصوّرة تستهدف تفكيك الأفكار المعقدة على نحو يجعل تناولها ميسّراً لدى القارىء العريض؛ كما يتيح التعريف بصاحب الفكرة، أو النظرية أو الفلسفة، بطرائق لا تقلّ تبسيطية لا تخلّ بجوهرها. ولائحة المنشورات احتوت على أسماء مثل ماركس، أينشتاين، فرويد، دارون، أورويل، فرجينيا وولف، بريخت، فوكو، هيدغر، سارتر، كيركغارد، شكسبير، دريدا، شومسكي… وتيارات وفلسفات وأديان مثل الإسلام، الثورة الفرنسية، علم النفس، العنف، الجاز، الهولوكوست الأسود، البنيوية.
وضمن أحدث إصدارات السلسلة كتاب بعنوان «فانون للمبتدئين»، تأليف ورسم ديبورا بيكر ويريك، يتناول حياة وأفكار المفكر والمناضل المارتينيكي فرانز فانون (1925ـ1961)؛ بحيث تبدأ سيرورة تسهيل تقديمه إلى القارىء من اختصار أفكاره الرئيسية في ثلاثة مراحل:
ـ البحث عن الهوية السوداء، كما تجلى في كتابه «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء»، ذلك التشخيص الصاعق للعنصرية، والذي كتبه فانون وهو ما يزال طالباً يدرس الطبّ والتحليل النفسي.
ـ النضال ضد الاستعمار، كما في كتابَيْ «استعمار يحتضر» و»نحو الثورة الأفريقية»، واحتويا على المقالات التي كتبها فانون وهو منخرط فعلياً في حرب التحرير الجزائرية.
ـ سيرورة التحرر من الاستعمار، كما حللها فانون في كتابه الأهمّ «معذّبو الأرض»، والذي وسّع الرؤى حول الجزائر لتشمل أفريقيا والعالم الثالث.
كذلك تعقد المؤلفة فصلاً خاصاً لمناقشة تأثير فانون الواسع، لا سيما في العقود الأخيرة وضمن دراسات ما بعد الاستعمار، والعنف، والدولة الوطنية، وعلم نفس التحرر من الهيمنة الغربية، والهوية الثقافية، والعلاقة الشائكة بين الذات والآخر. وإلى جانب سرد عدد من المراجع الضرورية، التي يحتاجها القارىء من أجل التعمق في معرفة فانون، تخصص ويريك مسرداً للمصطلحات والألفاظ ذات الصلة بفكر فانون، مع تركيز خاصّ على الإرث الاستعماري؛ مثل النرجسية، عقدة التبعية، العقدة الدونية، علم النفس الإثني، التفكير المانوي، الزنوجة، عقدة المرآة، وما إلى ذلك.
ولد فانون في فور دو فرانس، جزر المارتينيك، وخلال الحرب العالمية الثانية خدم في «جيش فرنسا الحرة»، قبل أن يلتحق بالمدرسة الطبية في مدينة ليون الفرنسية، ويتخصص في الطب النفسي خلال سنوات 1947 ـ1951. هذه هي الفترة التي ستشهد مسودات كتابه الهام الأول «بشرة سوداء، أقنعة بيضاء»، 1952، الذي نجم عن إدراكه الحاد والمباغت بأنه «زنجي» و»أسود»؛ وعن مشاهداته وملاحظاته للأعراض السريرية التي تظهر عند السود، المصابين بأمراض نفسية.
والتأثيرات الفكرية التي خضع لها فانون أثناء إقامتــه في فرنســـا تمحــــورت، جوهرياً، حول مجموعة المثقــفين الســـود العاملين في مجلة Présence Africaine، وأبرزهم إيميه سيزار، ثم الحلقة الوجودية الفرنسية التي تألفت من جان بول سارتر، وموريس ميرلو ـ بونتي وألبير كامو. وفي مرتبة ثالثة جاءت أفكار ماركس وإنغلز وهيغل خصوصاً في الجانب السياسي، وفرويد وجاك لاكان في جانب علم النفس.
ومنذ طور مبكّر في عمله كطبيب نفسي، كشف فانون عن توق عارم وبراعة استثنائية في تحويل المشاهدات النفسية السريرية إلى ما يشبه الشعر المشبع بالسياسة والأسئلة الاجتماعية. وفي مقالة مبكرة لامعة، تحدث عن «متلازمة شمال أفريقية»، لا يكون فيها المرض سوى مظهر، الأمر الذي يوجب البحث عن الحلّ في المؤسسة الاجتماعية التي يستدخلها الفرد في وعيه.
مثل هذه الأفكار سوف تقترن بقراءات واسعة في سوسيولوجيا العلاقات بين الأعراق (المدرسة النفسية الأمريكية بصفة خاصة)، وبإعجاب خاص بنثر الروائي الأمريكي ريشارد رايت. «رَهاب الزنوجة» Negrophobia عند فانون هو المرض الذي يصيب الأوروبي الذي خضع لهذه الدرجة أو تلك من القمع الجنسي. السواد يصبح متماهياً مع الغرائز الخطيرة والخطيئة والشرّ، ثم يستقرّ في اللاوعي الجمعي الذي لا يشمل الإنسان (كما تحدّث كارل يونغ)، بل الإنسان الأوروبي على وجه التحديد. والدروب مسدودة بالكامل، أو تكاد، أمام كائن تمّت تربيته لكي يحاكي البيض في السلوك واللغة، ولكن ليس في لون البشرة. والزنجي يجد بعض السلوى في الاختفاء، ولكنه لا يفعل ذلك إلا في الحلم. يتعلم الفرنسية، ويتخيّل نفسه وقد اكتسب بعض البياض، أي اكتسب بعض خصائص الإنسان. بيد أن هذا القناع الأبيض هو تقنّع وراء شخصية زائفة لا تتطابق مع الواقع، وكلما حاول الأسود أن يزداد أوروبية، كلما تزايد إحساسه بأنه أسود فحسب.
في عام 1953 عُيّن فانون رئيساً لقسم الطبّ النفسي في مشفى بليدة ـ جوانفيل في الجزائر، وانخرط منذئذ في صفوف المطالبين باستقلال الجزائر عن فرنسا. تجربته كطبيب في الجزائر انطوت على تلك الازدواجية الحادة في علاج الجلاّد وعلاج الضحية، القاهر والمقهور، المستعمِر والمستعمَر، الشرطي العائد لتوّه من جلسة تحقيق وتعذيب، والجزائري الذي قد يكون الطرف الثاني في الجلسة ذاتها. بيد أن تجربة العمل في الجزائر كانت حاسمة ومطلقة الأهمية لجهة تحويل المنطق العام لأفكار فانون، من ثنائية الأسود/الأبيض إلى ثنائية المستعمِر/المستعمَر. وكان من الطبيعي أن يفرز هذا التحوّل المركزي شخصية جديدة هي فانون الإيديولوجي، الذي لا يُعنى الآن بالاعتلال النفسي الناجم عن سيرورات الاستعمار، بقدر ما يشدد على «الطاقة الإبداعية للثورة» في تطوير النفوس والمجتمعات والثقافات التي تخوض الثورة.
وفي عام 1956 لم يعد في وسع فانون أن يواصل المزيد من الازدواجية، وكان لا بدّ له من اتخاذ القرار العملي الوحيد اللائق بهذا الطور من تفكيره النظري: الاستقالة من منصبه، والانضمام رسمياً إلى «جبهة التحرير الوطني» الجزائرية. وفي رسالة الاستقالة، الموجهة إلى الوزير الفرنسي المقيم، يكثّف فانون نظريته حول سيكولوجية القهر الاستعماري، ويشدد على انعدام التوافق بين المهمة الاستعمارية والممارسة الطبية الأخلاقية: «طيلة ثلاث سنوات وضعت كامل طاقتي في خدمة هذا البلد وأهله، ولمّ أوفّر شيئاً من جهودي ولا حماسي للعمل. ولم أضع ذرّة واحدة من نشاطي في غير الهدف المأمول: ابنثاق عالم أفضل. ولكن ماذا يمكن لحماسة المرء وتفانيه أن يفعلا إذا كان واقع الحياة اليومية هو نسيج من الأكاذيب، والخسة، والاحتقار للإنسان؟ لقد خضع ضميري لنقاشات لا تَسامح إزاءها، وكانت نتيجتها التصميم على عدم اليأس من الإنسان، أي من نفسي. ولهذا فقد قررت أنني لا أستطيع الاستمرار في تحمّل المسؤولية مهما كان الثمن، تحت حجة زائفة مفادها أنه ما من شيء يمكن القيام به».
بعد ذلك غادر سرّاً إلى تونس وعمل طبيباً في مشفى منوبة، ومحرراً في صحيفة «المجاهد» الناطقة باسم الجبهة، وتابع من هناك كتابة مقالات دورية حول القضية الجزائرية كان ينشرها في مجلة سارتر «الأزمنة الحديثة»، وفي Présence Africaine المختصة بأدب السود. ونضال فانون في صفوف جبهة التحرير لم يقتصر على الكتابة والعمل الفكري والدعاوي، بل امتدّ أيضاً إلى النشاطات التنظيمية المباشرة، والمهام الدبلوماسية والعسكرية ذات الحساسية الفائقة. وأثناء عمله سفيراً للحكومة الجزائرية المؤقتة في أكرا (غانا)، تولّى فانون مسؤولية ترتيب الخط الجنوبي من خطوط الإمداد العسكري واللوجستي لقوات الجبهة العاملة في داخل الجزائر.
كذلك لعب دوراً حيوياً دائماً في تأمين الدعم السياسي للجبهة، عبر تنسيق مباشر مع الزعماء الوطنيين الأفارقة، من أمثال باتريس لومومبا وكوامي نكروما. وذات يوم ارتطمت سيارة الجيب التي كان يستقلها بلغم أرضي كاد يودي بحياته على الحدود المغربية، وفي مرّة أخرى تعرّض لمحاولة اغتيال نفّذتها جماعة «اليد الحمراء» المتطرفة. وأثناء إقامته في أكرا أصيب بمرض اللوكيميا، ونصحه الأطباء بالخلود إلى الراحة. لكنه، بدل ذلك، انخرط في سباق محموم مع الزمن لإنجاز مسودات «معذبو الأرض»، حتى فرغ منه خلال عشرة أشهر، وعهد به إلى سارتر، الذي كتب مقدمته ودفعه إلى الطبع في سنة وفاة فانون.
والسنة الأخيرة هذه بدت أشبه بمحاولة يائسة لمسح جغرافية العالم، تنقيباً ربما عن آخر الآثار الكفيلة بكشف المزيد من أواليات القهر. عاد فانون إلى تونس لكي «يرتاح»، ولكنه سافر إلى موسكو (وسط آمال عبثية بالعثور على علاج ما، ولكن أيضاً لاختبار ما تبقى في الكرملين من استعداد لدعم حركات التحرر)، ثم قصد روما ليلتقي بتراث يساري إيطالي سحره طويلاً وظلّ مغلقاً أمامه، إلى أن ألقى عصا الترحال في مشفى المعهد الصحي القومي في ماريلاند بالولايات المتحدة، حيث توفي.
ولأنّ إعادة تقديم هذه الشخصية المعقدة على نحو مبسط، ليس بالأمر اليسير أبداً؛ فإنّ مهمة ديبورا ويريك كانت شاقة تماماً، بل أقرب إلى القفز في عباب من الرهانات الخاسرة؛ التي ربحت الكثير منها، لأنّ قارىء كتابها ـ وهو المبتديء، تعريفاً، في نهاية المطاف ـ يخرج بحصيلة غنية.

Deborah Wyrick: Fanon For Beginners
For Beginners Books, Danbury, 2014.
196 pages.

 

اشترك في قائمتنا البريدية