يبقى الشاعر اللبناني حسن عبد الله، حتى في إطلالاته الشعرية المتباعدة، شاعراً حاضراً بيننا دائماً، وحضوره الإبداعي هذا يأتي من قوة موهبته التي ألغت الفواصل الزمنية، ليصبح من الشعراء القلائل في الشعر اللبناني خاصة، وهم حقاً كذلك إذا ما ذهبنا في الإشارة إلى هؤلاء القلة، ممن لا يزالون يكتبون في طريقة الوزن الخليلية، وهم لا يتعدّون أصابع اليد الواحدة، جودت فخر الدين، شوقي بزيع، محمد علي شمس الدين، والشاعر حسن عبد الله مدار حديثنا، ومعظم هؤلاء المذكورين من الجنوب اللبناني، والمقصود هنا المحافظة الجنوبية ومدينتها «صور» المدينة التاريخية.
أصدر الشاعر حسن عبد الله خلال مشواره الإبداعي الذي يمتد إلى أكثر من أربعين عاماً، قصائد قليلة، توزّعت على أربعة دواوين شعرية، وهي: «أذكر أنني أحببت» «الدردارة» «راعي الضباب» وأخيراً اصداره الجديد «ظل الوردة» .
لكن الحكمة أو العبرة، أو المغزى، لا يكمن في سكب الكثير من الكلمات وإغراق الكتب فيها، لتكون هناك سلسلة من المجلدات والدواوين الشعرية للشاعر، بل المعنى يكمن في الكلام الدال، في الكلام الذي يحمل معانيه ومداليله وإشاراته معه، الكلام القليل المحبوك بتقنية عالية وصقل كبير، وتقشف مجلو، هو ما يتبقى في المآل، ولَكَمْ تمنى، كما أتذكر، الشاعر الأنكلو سكسوني تي أس اليوت، أن يبقى من شعره أحد عشر سطراً لو أستطاع حُسْن صياغتها وسبكهاعلى طريقة «الجحيم» لدانتي اليغريه الإيطالي الشهير.
الجديد الذي يطرحه ديوان عبد الله، هو الاختزال والتكثيف واللملمة. إننا إذاً مع شاعرعودنا على القلة والنحت والتمحيص في إصدار دواوينه بالأساس، لنكون هنا أمام شعر مختزل مرتين، مرة في قلة الكتابة، وأخرى باختصار السطور هذه المرة، ونخل الجمل الشعرية وتنقيتها من الشواش الشعري والشوائب اللغوية من البلاغة الرفيعة، والاشتطاط الموسيقي والاستطالات النغمية التي واجهت بعض قصائده في»الدردارة» على سبيل المثال، وبعض قصائد «أذكر أنني أحببت»، بالرغم من بنيتها الجمالية العالية، على صعيد التواتر الدرامي، المرفق بذلك الحس النغمي الذي تجلى أيضاً في جزء ليس قليلاً من ديوان «راعي الضباب»، قصائد تنافح بقلب محموم عن «الخيام» التي كانت تقبع تحت ظلام الاحتلال الإسرائيلي، الخيام التي ينتمي اليها عبد الله، تلك الأرض الجميلة المتاخمة للحدود المزعومة للعدو، وهي أيضاً تضم قرية صغيرة، تتكوّن من بضعة أبيات قروية متناثرة وبحيرة وشجرة معمرة «الدردارة»، التي اندهشت لمرآها الصغير، حين رأيتها قبل عقد من السنوات، ليشير الي الشاعر الجميل عبد الله وإلى تلك البقعة الظليلة- الندية قائلاً: «هذه هي الدردارة» التي أرختها تلك القصيدة الطويلة – الديوان قبل أكثر من ثلاثة عقود.
لنعد إذاً إلى صيغة الاختزال لدى الشاعر، وهي مسألة تضعنا أمام اختزال الاختزال، اختزال الصورة والبيت الشعري، والشكل الفني والبناء العام للقصيدة، لنجد أنفسنا بمواجهة قصائد تعتمد الأسلبة والنمذجة، وأعني ميل الشاعر إلى أسلوب الهايكو الياباني، واتخاذ الشكل الخارجي نموذجاً له، إنه النموذج الذي سوف يطغى على مجمل الديوان الذي قسم إلى سبعة فصول، كل فصل له هدف ودلالة قائمة بذاتها، فالفصل السابع المعنون بـ «الطيار الآلي» هو غير الفصل الأول المدرج تحت اسم «حُلُم الحياة»، وهذا ينطبق على جميع الفصول التي حملها الديوان تقريباً.
أما النموذج الذي نهجه الشاعر في صوغ عمله الجديد، فإنه ابتعد عن عملية الوزن وتوابعه، متخذا من الشعر المرسل على شاكلة النسق النثري اسلوباً له في هذا الديوان تحديداً، وهذه هي المرة الأولى التي يلجأ فيها عبد الله إلى قصيدة النثر، مجرّباً هذا السياق الذي رأيته فيه يحاول التخلص من السمة الغنائية التي رافقت قصائده كلها، كونه شاعر جمهور ومتلقين للنسق الموسيقي والبلاغة الخفيفة التي يحسن عبد الله صياغتها على نحو متمكن وقدير، رافعاً به ، أي شعره السابق، إلى طبقات الفن الرفيع.
من هنا فهو في هذا الجانب التجريبي النثري نراه يسعى حثيثأ إلى لملمة النبرة النغمية، بعناء جلي، محاولاً من خلالها توسل القصيدة النثرية التي بدت في بعض المواضع تبتعد عنه لتوقعه في التنميط الشعري، والصورة الجاهزة والمستهلكة كثيرا في مدار قصيدة النثر الحداثية.
في ظني أن الذي أنقذ هذا الديوان برمته من الوقع الرتيب، هي الرهافة التي يتمتع بها الشاعر والشفافية التي لها أكثر من طريقة في الوصول إلى نصه الشعري والتسرب إليه. نص عبد الله عامة هو نص مرهف، رشيق، لا يمتثل إلى الدور الكنائي كثيراً، بل يعتمد على تدفق الموجة الباطنية الخالية من المسوّغات المكملة للقصيدة مثل المضاف والمضاف اليه، الصفات والوصف ببعده الاستعاري، ذلك البعد الذي يثقل كاهل القصيدة، لتنوء بعدها وسط مرايا التشبيه والمكملات التجميلية الأخرى للقصيدة التي سادت كثيراً في الشعر العربي، وخصوصاً فترتي الستينيات والسبعينيات من القرن المنصرم.
من أجواء البعد النثري المخاتل نقرأ: «حبي الأول كان في خريف 1985 وأنا أعيش الآن حبي الثاني عشر، السادس كان أجمل حب في حياتي ولأنني في الخامس اكتشفت أن الحب غير موجود، ومنذ ذلك الحين وأنا أحب من دون حب»، أو في قوله العرفاني الذي يحاول من خلاله توسل النص الصوفي الموحي، المنغمس بالدلالة والإشراقات، ولكنه وهو يسعى، أي الشاعر عبد الله، إلى تماس مع الذات العليا ونشدان الشوق الإلهي عبر الكشف والتشريق بصيغة الإنسان المتوله والمتعبد الذي يرى في الذات العليا أنها الذات الكونية والكلانيةـ ليقول بطريقة البعد النثري المخاتل إياه، والذي يتمظهر بالرؤية الصوفية ويتمسح بها كرقية: «ينبغي أن نحمد الله على الكثير مما نجهل، مثلما نحمد على الكثير مما نعرف». وفي موضع آخر يقول في السياق نفسه: «الله ليس لتفكر بأنه الله، بل لتشعر بذلك». وهو هنا وبهذا النص خاصة يحاول الأقتراب من الفكرة الفلسفية الموجزة والتي لطالما لجأ اليها المفكر والفيلسوف الفرنسي من أصل روماني أميل سيوران في كتبه العديدة التي تشتغل على فكرة الزمن والعدم وعن جدوى الحياة بمفهومها الواسع.
إن هذه النصوص المستلة من فصل «السماء»، وهو الفصل الثالث من الديوان، تندرج ضمن نهج الشذرة الفلسفية والعرفانية التي تجهد لقول اللب والإكسير الكامن في الرؤى العرفانية والفلسفية، ولكننا نجدها تقع أسيرة البعد النثري الخالي من الإيحاء أحياناً في بعض النصوص.
غير أنّ هذا الكلام الآنف لا ينطبق، كما سلفت الإشارة، إلى بقية الفصول، فالفصول الباقية لها وكما قلنا ميّزاتها المختلفة، ففصل «حلم الحياة»على سبيل المثال، هو نص مختلف ومستقل بذاته وهو أطول الفصول تقريباً، نجده يعتمد على حس المفارقة الذي تمتّعتْ به قصيدة النثر طويلاً، لهذا نراه يحاول جاهداً عدم المماسسة مع نصوص «خواتم» لأنسي الحاج، ساعياً إلى تجسيد تعبيره الخاص به : «رجلاي خائرتان، لدرجة أشعر معها بأنني لم أعد قادراً حتى على مجرد التقدم في العمر»، أو قوله في باب ثان من حس المفارقة الشعرية، التي أعتقد أن أفضل من أجاد التعبير بها هو الشاعر محمد الماغوط وعُرِفتْ به وميّزته في مجمل شعره القليل: «ما سرّ الراحة التي يشعر بها الإنسان، كلما انتبه إلى أنه غير ذي شأن». أنها لمفارقة مركبة هذي التي تفكر بالقيمة الوجودية للإنسان، كصيغة عبد الله هذه، وفي مجال آخر من هذه المفارقات الموحية الطابع وطازجة الفكرة قوله: «حياتي بوجه عام كانت سعيدة، فالمرات التي تمنيت فيها الموت لا تزيد عن المئة مرة».
أما من ناحية النص الذي أشرت اليه بداية وسميته اختزال الاختزال، فهو أغلبه يقع في السياق المشذّب والمنخول جيداً من العوائق اللغوية، من أجل الوصول إلى التعبير بكلمات قليلة وذات دوال:
«النضج يليه الاهتراء»، «الآلام أهم مصدر من مصادر المعرفة»، هنا نجد دون بذل كبير عناء الصيغة السيورانية الرؤيوية «من سيوران»، أو مثل قوله هنا «أحبّكِ جملة وتفصيلاً» ، «الجمال نداء إلى الهاوية» وغيرها الكثير من الأنسقة الشعرية الاختزالية التي وردت في ديوان الشاعر الأنيق في جملته الشعرية والرقيق في إنشاده الغنائي.
حسن عبد الله: «ظل الوردة: شعر وتأملات»
دار الساقي، بيروت 2012
176 ص
هاشم شفيق