غزة – «القدس العربي»: تسوء بشكل يومي العلاقات المتوترة أصلا بين حركتي فتح وحماس، كبرى التنظيمات الفلسطينية، وتشهد هذه الخلافات تطورات دراماتيكية تتجه نحو نسف اتفاق المصالحة الأخير، الذي لم ينبت سوى شتلة صغيرة في أرضه البور، وهي حكومة التوافق الفلسطينية. فبعد القطيعة التي وقعت بدايات تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، وما صاحبها في ذلك الوقت من تراشق كلامي، وصل الحد في هذه المرحلة إلى مطالبة نواب حماس الذين عقدوا في تحد صريح لفتح وحكومة التوافق اجتماعا للمجلس التشريعي، إلى تهديد الحكومة بحجب الثقة عنها وإلغائها، وذلك بعد أفكار طرحتها الحركة لم تنل موافقة باقي الفصائل، بتشكيل «إدارة وطنية» لقطاع غزة.
وأول من يتأثر بهذه الخلافات يكون في العادة سكان قطاع غزة، الذين خرجوا قبل أشهر قليلة من حرب إسرائيلية عنيفة، حصدت أرواح أكثر من ألفين منهم، علاوة على تدميرها عشرات آلاف المنازل، التي يشترط المجتمع الدولي قبل تعميرها وبنائها من جديد، أن يكون هناك بسط تام لحكومة التوافق في السيطرة على قطاع غزة ومعابره التجارية، وهو أمر لم يتم حتى الآن، وإذا ما تطور الخلاف وانهارت هذه الحكومة، سيجعل أمر الإعمار «أملا مستحيلا».
وإلى آخر ما توصلت إليه أمور الخلاف، فهناك معلومات تشير إلى وجود مقترحات تبحثها حركة حماس، تقوم على أساس تشكيل «لجنة وطنية» تشرف على إدارة الوزارات والقطاعات الحكومية في قطاع غزة، على اعتبار أن حكومة التوافق الوطني لم تلب احتياجات القطاع، ولم تقدم على أي خطوة إيجابية لتحسين وضع الناس، خاصة في قضايا فك الحصار والإعمار ودفع رواتب الموظفين.
الأمر هذا لم يعد سرا كبيرا، فمسؤولون كثر في الفصائل الفلسطينية تحدثوا عقب الاجتماع الأخير الذي دعتهم إليه حركة حماس، بحضور نائب رئيس مكتبها السياسي الدكتور موسى أبو مرزوق، وأدان لأكثر من أربع ساعات، كانت تشير إلى هذا المخطط، الذي قوبل برفض من الفصائل الأساسية الحاضرة وهي الجهاد الإسلامي والجبهتين الشعبية والديمقراطية وحزب الشعب، الذي قال عضو مكتبه السياسي وليد العوص لـ «القدس العربي» أن حماس وضعت أرضية خلال الاجتماع لتشكيل جسم يدير قطاع غزة بدلا من الحكومة.
بعد يومين فقط من فشل حركة حماس في تمرير خطتها، حيث خرجت الفصائل المجتمعة ببان تحدث عن عموميات، وأظهر وجود خلافات حول النقطة الرئيسية، عادت حركة حماس من جديد باقتراح لم يلاق استحسان باقي الفصائل والكتل البرلمانية، بالدعوة لاستئناف جلسات المجلس التشريعي بدون توافق كامل. وبدأت أولى هذه الجلسات التي عقدها نواب الحركة الأربعاء الماضي، ببحث حصار غزة، وهي جلسات توقفت منذ توقيع اتفاق الشاطئ الأخير الذي ولدت من رحمه حكومة التوافق، وقد أجل في مرحلة سابقة بعد اندلاع الخلاف مع فتح في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، بتدخل من الفصائل، مما يشير الآن إلى أن الحركة ربما تتجه نحو حسم موقف إدارة غزة بمفردها عن طريق نواب التشريعي، بعيدا عن الفصائل التي لم توافقها الرأي.
وعلى العموم فإن أول جلسة للتشريعي، شهدت هجوما كبيرا على السلطة الفلسطينية والحكومة وعلى الرئيس عباس نفسه، فالدكتور محمود الزهار أحد أبرز نواب حماس، وصف حكومة التوافق بـ «الفاشلة» وفي تحذير مباشر لها خيرها بين «ترتيب أوراقها أو الرحيل» وقال صراحة «لا نستطيع أن نغطي ونتستر على حكومة فاشلة».
من نواب حماس من صعد بشكل أكبر كالدكتور صلاح البردويل، الذي قال وهو يبرر عقد جلسة دون دعوة من الرئيس عباس حسب القانون «أعطينا عباس صلاحية بالدعوة لانعقاد التشريعي وأن يبقى رئيسا رغم انتهاء ولايته ورفض ذلك، وإن أصر على موقفه فلن يبقى رئيسا».
وحركة حماس تتهم الرئيس عباس وحكومة التوافق بالقيام بأعمال متعمدة لحصارها وخنقها في قطاع غزة من خلال زيادة الضغط عليها، وعدم صرف الموازنات الخاصة على غزة كما الضفة الغربية، وتتهم السلطة بمعاملة غزة على أنها «حمولة زائدة» وأن مواطنيها «من الدرجة الثانية».
وأصبح حجم الخلافات القائمة الآن والتي تزداد يوما بعد يوم، يجعل من حل الإشكاليات أمرا مستحيلا، خاصة مشكلة رواتب موظفي حماس في غزة الذين لم تعترف بهم حكومة التوافق حتى اللحظة، ولم يتلقوا منها رواتب منذ أن شكلت.
فبعد البيان الأخير للحكومة بخصوص أزمتهم، والتي اشترطت عودة موظفيها القدماء قبل الانقسام، ثم ملء الشواغر من الحاليين، وإعطاء الباقي منهم مكافآت نهاية خدمة، فجر موجة جديدة من الخلاف. فهؤلاء الموظفون اقتحموا مقر الحكومة في غزة، ودخلوا في خطوات تصعيدية، ترافقت مع تصعيد حماس الذي شهد زيادة بعد نفي رئيس الحكومة الدكتور رامي الحمد الله تعهده لأبو مرزوق بحل مشاكل غزة خلال أربعة أسابيع، مشترطا أي الحمد الله، تمكين حكومته من إدارة القطاع دون تدخل حماس، وبسط سيطرتها على المعابر أيضا، قبل القيام بهذه الخطوات وحل مشاكل غزة التي تعاني الحصار والفقر.
وقد أعقب بيان الحكومة الذي اعتبرته حماس تنكرا لحقوق غزة وسكانها المحاصرين وعددهم يفوق الـ 1.8 مليون نسمة، واعتبرته أيضا انقلابا على اتفاق المصالحة، أن قام مجهولون بتفجير عبوات ناسفة في صراف آلي يتبع أحد بنوك غزة، مع انفجار مولد كهربائي في منزل عائلة الناطق باسم الحكومة إيهاب بسيسو.
وقد شهدت الأيام السابقة مع تطور الخلافات تبادل الاتهامات بين الحركتين بقيام أجهزة الأمن في الضفة الموالية لفتح، وفي غزة الموالية لحماس، بشن حملات اعتقالات سياسية في صفوف الناشطين من الحركتين، وهي عمليات تنشط في العادة في ظل تنامي واتساع دوائر الخلاف وانسداد طرق المصالحة.
المحاصرون في قطاع غزة خابت أمانيهم للعام الجديد 2015، بعد أن كانوا يأملون أن يكون عاما للوحدة، تنهي مأساة الحصار والإعمار والبطالة التي تفاقمت بشكل كبير، وارتفعت نسبتها خلال العام الماضي، مع إغلاق أنفاق التهريب مع مصر، والتي كانت تمر منها مواد بناء، نشطت بعد غياب سوق الإعمار في غزة، وقد عقدوا الآمال على عودة سوق العمل من جديد مع بدء عملية الإعمار التي لا أمل فيها في ظل الخلافات المستعصية على الحل.
وقد انقطعت العلاقة بين فتح وحماس منذ السابع من تشرين الثاني/نوفمبر الماضي بعد تفجيرات استهدفت منازل قادة فتح في غزة، وعقب إعلان فتح أيضا أنها منعت من قبل أمن حماس من إقامة مهرجان لإحياء ذكرى استشهاد الرئيس الراحل ياسر عرفات.
وشكلت أربعة من الفصائل الفلسطينية فيما بينها طاقما لعقد مصالحة بين الحركتين، تمخض عنه التوصل إلى خمس نقاط أجمعت الحركتين عليها، تشمل حلا للخلاف القائم، يعيدهما إلى طاولة واحدة للاجتماع بعد القطيعة، لكن هذه المبادرة لم يتم التوصل إلى خريطة وتفاهمات لتطبيقها على الأرض توافق عليها الحركتان، ما نسف الجهود في اللحظة الأخيرة.
وهذه الفصائل هي حركة الجهاد الإسلامي، والجبهتان الشعبية والديمقراطية، وحزب الشعب، وتمثلت مبادرتهما في:
– الكشف عن منفذي تفجيرات منازل قيادات فتح وتقديمهم للعدالة.
– وقف التراشق الإعلامي الحالي والتركيز على خطاب وحدوي جامع.
– قيام حكومة التوافق الوطني بمهامها في قطاع غزة وتسليم المعابر للسلطة للقيام بدورها وترتيب فتحها مع الجهات المختصة.
– تشكيل لجنة وطنية عليا تشرف على تسهيل عمل حكومة التوافق وإزالة العقبات أمام تسلم مهامها.
– دعوة الإطار القيادي لمنظمة التحرير للانعقاد لتنفيذ باقي ملفات المصالحة الخمسة.
أشرف الهور