بين التنوير والتدمير صناعة العنف والجنس في الفيلم الروائي

مروان ياسين الدليمي
حجم الخط
2

منذ البواكير الأولى لإنتاج الأفلام السينمائية كان هناك نزوع لدى صناع الأفلام إلى يكون لمشاهد العنف والعلاقات الحميمة حضور في السيناريو، ومع دوران عجلة الإنتاج وجدنا ان السينما الغربية، وفي مقدمتها الأمريكية، قد كرست تقليدا ثابتا في معظم الأفلام التي تنتجها باحتوائهاعلى مشاهد عنيفة وحميمة، حتى بات الكثير منها بغاية الابتذال، بل هي في أسلوب تقديمها أبعد ما تكون عن اعتماد الايحاء، وبدا التعامل مع هاتين المفردتين، وكأن لاشيء يحد من اباحتهما في الواقع، مثلما هما مباحان على الشاشة، ولا نغالي إذا ماقلنا بأن التأثير والتأثر بقدر ما كان متبادلا بين الواقع والشاشة إلاَّ ان تأثير السينما على الواقع بهذا الخصوص بات أكثر سطوة، وهذا يعود إلى ان التنميط المحرر بحرفية عالية في التعامل مع هذه المشاهد أمسى جزءا أساسيا من تقنيات بناء الفيلم الروائي، ولم يعد ممكنا لدى شركات الإنتاج الاستغناء عنه إذا ما اريد للشريط السينمائي ان ينتظم بماهية درامية معبأة بقدر عال من التأثيروالجاذبية عبر مشاهد بغاية الاتقان في عنفها واباحيتها، بهدف استقطاب اهتمام المتفرج، وابقائه ملتصقا على كرسيه، بغض النظر عن بيئته ومستواه الثقافي. ومن ناحية أخرى فإن السينما في العالم العربي خاصة في مصر وسوريا ولبنان وتونس والمغرب، قد انساق العديد من نتاجها إلى استنساخ هذا التنميط الغربي وإن كان خجولا.
وواقع الإنتاج السينمائي يشير إلى ان هذه المشاهد تحولت إلى خبرة متراكمة لدى الجهات التي تقف وراء صناعة الفيلم، يراد من خلالها ان تتقوقع أحاسيس المتلقي في مجال ضيق من التفكير، نتيجتها انها تحد من تحفيز مدركاته الذهنية والحسية، ليبقى مسكونا بسخونة غزيزتي الجنس والعنف، حتى انه ما عاد ممكنا التخلي عن ادراجهما ضمن مشاهد الفيلم، طالما الهدف الأكبر لشركات الإنتاج ضمان التسويق وتحقيق الأرباح من خلالهما.
السؤال الذي يطرح بهذا الشأن: هل إن هذه المشاهد لا يمكن الاستغناء عنها؟
الإجابة تفرض علينا اكتشاف النتائج الدرامية في ما لو اقتطعناها من الأشرطة السينمائية واستبعدناها، عندها ستتوفر أمامنا الفرصة لنتأكد، إلى أي مدى سيؤثر غيابها على بنية الفيلم، وهل ستنقطع عملية التواصل مع المتلقي؟
لربما تتأثر أعداد محدودة جدا من الأفلام إذا ما خضعت لهذه التجربة، وهناك أمثلة على ذلك أجنبيا وعربيا، وهذا يعود إلى ان هذه المشاهد غدت تمثل ركيزة أساسية في بناء الأحداث وتطوّرها، ومن غير الممكن الاستغناء عنها. والأفلام التي لا يمكن فيها الاستغناء عن مشاهد الحميمة والعنف، عادة ما يلجأ مخرجوها إلى تقديمها بطريقة فنية يتم فيها تداول التفاصيل بطريقة تميل إلى الايحاء من غير حاجة إلى الافراط في استعراض العري الجسدي والبذخ في تقديم الإثارة الجنسية أو الإسراف في تصوير العنف، لان هدفهم ليس إعادة استنساخ الواقع بشروطه، بقدر ما يتطلعون إلى الانزياح به إلى منطقة الدراما لينضبط في بنيته الفنية مع ما يهدف إليه خطاب الفيلم من أفكار يسعى إلى إيصالها، أما الأفلام الأخرى فلن يتأثر مستواها الفني بشطب تلك المشاهد، لانها من حيث القيمة الفنية من الصعب ان تدرج في خانة الفيلم السينمائي، بقدر ما هي سلعة استهلاكية ذات خامة رخيصة جدا، مطروحة للبيع وفق المعايير التي يفرضها السوق، وهذا يتقاطع تماما مع الأفلام التي تطرح التساؤلات التي تمثل هاجس قلق لدى الإنسان يعجز عن إيجاد إجابة عليها لانها تتعلق بحياته ومصيره ومستقبله وما ينبعث في داخله من مشاعر واحاسيس، طالما هو منخرط في تشعبات دراما الحياة، وعادة ما تشكل العلاقات الحميمة واحدة من القضايا الأساسية التي تحدد حياته العاطفية، أما العنف فعلى صخرته تتحطم أحلام الناس، لكن للعنف صور شتى في الحياة الإنسانية ليست ظاهرة، هي أشد قسوة وبشاعة من الأشلاء التي تخلفها المعارك على الشاشة على اعتبار انها محاولة لاستنساخ الواقع. واضح جدا ان الغصرار على طرح هذه المشاهد في غالبية الأفلام يندرج في منهج ستراتيجي مرتبط بجذب المشاهدين، وهنا يتساوى رد فعل المتلقين سواء كانوا ينتمون إلى بيئة مرفهة من الناحية الاقتصادية أو متدنية، وإلاَّ ما سر الإقبال على الأفلام التي تُحشر فيها هذه المشاهد في الدول الغربية وفي مقدمتها أمريكا؟
ازاء ذلك علينا ان نطرح أسئلة أساسية كلما شاهدنا هذه المشاهد في أحد الأفلام: ما صلتها بتطور الأحداث وهل جودة الفيلم مرتبطة بها؟ وماذا لو تم الاستغناء عنها؟
الأرجح ان الإجابة ستكون ليست في صالح بقائها، وجودة الفيلم لن تتأثر بشطبها مهما كان المشهد مصنوعا بطريقة مؤثرة.

إن العنف والجنس في هذه الاشكالية، يؤديان إلى نفس الوظيفة من وجهة نظر شركات الإنتاج التي تسعى إلى تحقيق الأرباح، وإلى تسويق مادة فنية لا تتضمن محتوى قائما على تحفيز الوعي، بقدر ما يكون الهدف منها إيقاظ غريزتي الجنس والعنف خاصة لدى جمهور المراهقين والشباب الذين يشكلون القاسم الأعظم في نوعية وعدد المشاهدين في صالات العرض السينمائية في معظم دول العالم. فهاتان المفردتان لدى هذه الفئة العمرية تشكلان هاجسا حيويا ضاغطا على مشاعرها وعلى ما تتخذه من قرارات في حياتها.
فإذا كانت قضية العنف والجنس تتعلق بشكل جوهري بشباك التذاكر، سيكون من الصعب الوصول إلى تفاهم مع شركات الإنتاج لحثها على إعادة النظر في مسألة إصرارها على حشوها في سيناريوهات الأفلام التي تنتجها، لانها ليست على استعداد للتفريط بأدواتها التي تجني من ورائها الأرباح، وسيكون غير مجد ان تصل الشركات إلى قناعة مفادها عدم الاعتماد على هذه المشاهد. أصبح من المهم العمل على إعادة تقييم مسألة الحرص على تقديم مشاهد العنف والجنس في الأفلام من قبل الشركات والمخرجين، ودراسة مستوى الإتجار بها عبر الأشرطة السينمائية، والتي عادة ما يتم تسريبها من خلال صناعتها بطريقة مثيرة ومغرية، ولا أظن ان وجهة نظرنا ستكون متطرفة إذا ما قارناها برقصات التعرّي التي عادة ما يتم تقديمها في النوادي الليلية، والتي ليس لها من غاية فنية، سوى تسويق بضاعة الجسد وابتذاله، بمعنى ان الجنس والعنف في الأفلام ليسا إلاَّ صناعة منفصلة عن سياق الأحداث، وليس لها من رسالة مرتبطة بقيم تحرض على الارتقاء بوعي وحساسية المتلقي ازاء الأشياء التي لها صلة بكينونته الإنسانية أو الاجتماعية، ومن غير الممكن تصنيف أي شريط يعرض على الشاشة على انه فيلم سينمائي، إذا خلا خطابه الفني من هذه الرسالة.
المقامرة بأجساد الممثلين

أما الممثلون الذين ينخرطون بهذه المشاهد، وخاصة الجنسية، فلن يكونوا في وظيفتهم أكثر من أولئك الذين يتم استخدامهم في الأشرطة الإباحية أو الذين يتعرون في النوادي الليلية، لأن النتيجة واحدة من حيث الهدف وإن اختلفت الوسيلة والأمكنة.
هنا لا نتحدث عن الضغوط التي يتعرض لها غالبية الممثلين المحترفين، والتي تدفع بهم إلى الخضوع لتأدية مشاهد ليس لها أي فعالية في بناء الفيلم، لأننا ندرك طبيعة البنود الملزمة التي تفرضها الشركات في العقود التي تبرمها معهم، وبموجبها لا تحتكر جهدهم وموهبتهم في الأداء فقط، انما يتعدى ذلك إلى احتكار أجسادهم، ولهذا لن يكون أمام الممثلين فرصة ان يرفضوا وإلاّ سيضعون أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه، قد يؤدي بهم إلى ان يقفوا أمام المحاكم التي ستفرض عليهم ان يدفعوا مبالغ مالية ضخمة للشركات التي وقعوا معها عقود الاحتكار، إضافة إلى تدمير مستقبلهم المهني وانحسار الأضواء عنهم.
في ظل هذا المناخ ليس مستغربا ان تتعرض الكثير من الممثلات على وجه خاص إلى ضغوط من قبل المنتجين والمخرجين حتى يخضعن لما يطلب منهن في المشاهد الحميمة، وإلاّ لن يصلن إلى عرش النجومية إذا ما رفضن، ولعل فضيحة الشريط الإباحي المسرّب في العام 2019 التي ارتبطت بالمخرج المصري خالد يوسف مع ممثلتين شابتين خير شاهد على ذلك، فقد فتحت الباب لكشف الكثير من الأسرار المدمرة التي قد تتعرض لها الممثلات وخاصة المواهب الجديدة ممن يطمحن إلى النجومية بشكل سريع، كما تداولت الأخبار عام 2019 مزاعم عن اعتداءات جنسية اقترفها المنتج الأمريكي هارفي واينستين ضد العديد من الممثلات الشهيرات في هوليوود، وقد صدر بحقه حكم بالسجن مع غرامات مالية كبيرة بعد ثبوت التهم الموجهة إليه.
من الأسئلة التي تطرح هنا: كم عدد الممثلين والممثلات الذين عانوا من هذا الضغط أو الإكراه، أو وافقوا على أداء مشاهد جنسية باعتبارها الطريقة الوحيدة لاقتحام هوليوود؟ وكم من الممثلين الذين انخرطوا بكامل إرادتهم في تلك المشاهد من غير ان يشعروا انهم واقعون تحت سلطة الضغط والإكراه، على الرغم من سطحيتها وحشوها بشكل قسري في أحداث الفيلم؟
إن الأفلام ذات القيمة الفنية العالية لم تصل إلى هذه الدرجة من التقييم بسبب مشاهد العري والعنف، إنما لأن صانعيها من المخرجين لم يخضعوا لمعايير الشركات ووصفاتها الجاهزة بهاتين المفردتين والتي عادة ما توزعها على فترات محددة محسوبة بخبرة متراكمة من زمن أحداث الفيلم، بالشكل الذي يتحول الشريط السينمائي إلى طاقة تدميرية بدل ان يكون حافزا على التنوير والإحساس بقيمة وجمال الأشياء.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية