لندن ـ «القدس العربي»: بعد سنواتٍ طويلة مليئة بالمطبات والعثرات، عاد المنتخب الأرجنتيني ليطفو على الساحة الكروية العالمية. فبعد تحقيق «الألبيسيلستيه» لكأس العالم للمرة الأخيرة عام 1986، لم ينجح بتحقيق اللمعان مرةً أخرى. إذ لم يتمكن مواطنو مارادونا من تحقيق كأس العالم مرةً أخرى. فلولا كوبا أميريكا في 1991 و1993 وكأس القارات 1992 والميداليتان الأولمبيتان في 2004 و2008 لخرج المنتخب من معادلة صفوة منتخبات العالم بعد اللقب العالمي الأخير في 1986.
فخلال السنوات الماضية لم نشهد تكافؤاً في المراكز، إذ لم تخل التشكيلة من الثغرات في عدة مراكز، ما جعل التذبذب عادةً سمة مواجهات المنتخب على الصعيد الدولي والقاري. وعند الحديث عن منتخب الأرجنتين فنحن في حضرة ريكيلمي وباتستوتا وزانيتي وباساريلا وماريو كيمبيس وكون أغويرو والساحر دييغو مارادونا. ولأن الأرجنتين هي مسرح الأبطال والمواهب الاستثنائية، فهي من أنجبت أيضاً أحد أعظم لاعبي المستديرة عبر التاريخ ليونيل ميسي. ولأن ميسي جزء من منتخب البلاد الفضية فإن التطلعات والطموحات والعدسات الإعلامية تتضاعف مع كل مواجهة. إذ تصب معظم أراء النقاد في أن ميسي هو السبب الرئيس في تأهل الأرجنتين لثلاثة نهائيات في القارة اللاتينية وكأس العالم خلال العقد الأخير. فبالنظر إلى أسماء اللاعبين في تشكيلة المنتخب على مدار العقد الأخير لرأينا ثغرات في كافة المراكز. وهنا نقصد أن أسماء اللاعبين المكونين للمنتخب لا تصل إلى طموحات البلاد الفضية ولا لمكانتها التاريخية. إذ شعرنا بأن الجيل الذي رافق البرغوث لا يملك الـ»دي أن ايه» الأرجنتيني.
لكن مع انتهاء كأس العالم 2018 وطرد المدرب خورخي سامباولي الذي أنتج أحد أسوء النسخ الأرجنتينية على الإطلاق، تم تعيين نائبه ليونيل سكالوني خلفاً له. ولم يكن القرار محط تفاؤلٍ لجماهير الألبيسيلسته نظراً لقلة خبرة سكالوني التي تقتصر على منصب «مدرب مساعد» لفريق إشبيلية ومنتخب الأرجنتين فقط. لكن ومع انطلاق مواجهات تصفيات قارة امريكا الجنوبية لكأس العالم في قطر 2022 بدأ المنتخب يأخذ شكلاً مقبولاً ليتطور تدريجياً مباراةً تلو الأخرى.
وقبل انطلاق كوبا أميريكا 2021، كانت مشاعر غامضة تسود جماهير البلاد الفضية. إذ لم تتضح معالم المنتخب نظراً لقلة المدة التي أمضاها المدرب على مقاعد البدلاء، ولخسارته المهينة من البرازيل في الأراضي البرازيلية في البطولة ذاتها قبل عامين. لكن ومع سد الثغرات في مركز قلب الدفاع وحراسة المرمى والوسط بأسماءٍ عالمية تنشط في الدوريات الخمس الكبرى، ككريستيان روميرو وإيميليانو مارتينز ورودريغو دي بول نجح الألبيسليسته في تحقيق الكوبا أميريكا لأول مرة منذ 1993.
وتكمن أهمية هذا الإنجاز لكونه اللقب الدولي الأول لأحد أعظم اللاعبين عبر التاريخ ليونيل ميسي. كما ويحمل أهمية خاصة نظراً لتحقيقه في استاد «ماراكانا» في ريو دي جانيرو في قلب العاصمة الكروية البرازيلية والغريم الكروي التاريخي للأرجنتين. لكن الأهمية الأبرز لهذا الإنجاز تكمن في إنشاء منظومة صلبة حول ميسي، والتي افتقدها المنتخب وميسي بالذات لسنواتٍ طويلة. عندما تملك لاعبا بهذه الصفات عليك الاستفادة من قدراته على أرضية الميدان. ومن خلال خلق هذه البيئة الدافئة والعقلية الصلبة للاعبين بات المنتخب الأرجنتيني على الطريق الصحيح لتحقيق طموحاته في الظفر بكأس العالم العام المقبل.
الفوز باللقب القاري لا يعني إطلاقاً أن الأرجنتين ستجد نفسها امام مواجهةٍ سهلة في الملاعب القطرية. إذ أن الألبيسليسته لا يدخل في قائمة المنتخبات الخمس الأفضل في العالم من ناحية الإمكانيات اليوم، إلا أنه وبعقلية انتصارية كهذه وبقنبلة سحرية كميسي في صفوفه، يحق له الإيمان بفرصه القوية للخروج بالميدالية الذهبية في قطر مع نهاية العام المقبل!