كرات تونس وملاعب الاتحاد العام للشغل

حجم الخط
5

قد يكون من المشروع المساجلة بأنّ كرة الشأن التونسي الراهن، باستعصاءاته المتعددة المتنوعة كافة، ليست في ملعب الرئيس التونسي قيس سعيّد بصفة حصرية، أو حتى مركزية؛ وليست، بنسبة غير قليلة، في ملعب «حركة النهضة» وحلفائها أو أيّ تجمّع سياسي آخر معارض لإجراءات سعيّد الاستثنائية؛ كما أنها، في تحصيل حاصل محزن وبائس، ليست في أية باحة يمكن أن تشغلها حكومة نجلاء بودن الجديدة.
هي، في المقابل، يتوجب أن تستقرّ بنسبة عالية، وقد يساجل البعض بأنها الأعلى، في الساحات النقابية والسياسية والاجتماعية والحقوقية والمطلبية التي يهيمن عليها «الاتحاد العام التونسي للشغل»، ليس من موقعه التاريخي الفاعل على صعيد الساحات المذكورة وسواها، فحسب؛ بل، في المستوى العملي، لأنّ هذه المؤسسة الكبرى شغلت أيضاً وظيفة الوسيط في تفكيك النزاعات الحزبية واقتراح الحلول من جهة أولى، كما أنها من جهة ثانية تورّطت منذ البدء في إعطاء الانطباع بأنها في صفّ الرئيس واضطرت لاحقاً، وبسبب من هذا التورّط تحديداً، إلى الإيحاء بالاختلاف معه في هذه أو تلك من إجراءاته الاستثنائية الانفرادية.
ولعلّ التعبير الأوضح عن هذه الحال/ المعضلة إنما يتجلى في مسلسل تصريحات الأمين العام للاتحاد نور الدين الطبوبي، المتضاربة المتناقضة؛ كما في مناشدته الرئيس سعيّد أن يحكم ويكون مؤتمناً على الشعب أو أن يرجع الأمانة لأصحابها الشعب التونسي، مذكّراً بأنه «لا أحد يزايد على الاتحاد في وطنيته وفي عقلية الممارسة التقدمية والفكر التنويري والروح التقدمية وروح المسؤولية، ولكن البلاد وصلت إلى منحدر خطير ينعكس على الوضع الصحي والتربوي المتردي وعلى جميع الأصعدة». أو، في المقابل، بيان الاتحاد بأنّ التدابير الاستثنائية «اتّخذها رئيس الجمهورية وفق الفصل 80 من الدستور توقّياً من الخطر الداهم وسعياً إلى إرجاع السير العادي لدواليب الدولة». أو، ثالثاً، وعيد الطبوبي الموجه إلى سعيّد، بأنّ «إهدار فرص تغيير وإصلاح البلاد تجلى في عدم مكافحة الفساد بوضوح وشفافية خاصة في ما يتعلق بمعالجة الترسانة التشريعية والقانونية»؛ مشفوعاً بإنذار لا يخفى: «من يريد أن يحكم تونس عليه أن يقرأ تاريخها جيداً، وسيجد عنوانها الرئيسي هو الاتحاد التونسي للشغل؛ هذه الخيمة التي يؤمها اليمين واليسار ومختلف شرائح الشعب التونسي». أو، أخيراً، إلحاح الطبوبي على أنّ الاتحاد لن يقبل حكومة غير خاضعة للرقابة البرلمانية، ثمّ صمته (حتى الساعة، على الأقلّ) عن أداء الحكومة اليمين الدستورية على دستور شبه معطّل، واجتماعها فعلياً (برئاسة سعيّد نفسه!) بينما البرلمان مجمّد عاطل عن العمل.
هل هذه، حقاً، منظمة فرحات حشاد ومحمد الفاضل بن عاشور، الأعرق في تاريخ البلد، وفي إطارها ينتظم ويناضل أكثر من نصف مليون عضو عامل في مختلف قطاعات الإنتاج العامة والخاصة، المناضلة أيام الاحتلال الفرنسي وعهود الحبيب بورقيبة وزين العابدين بن علي، عضو «رباعي الحوار الوطني» الحائز على جائزة نوبل للسلام سنة 2015؟ ولأنّ الـ»نعم» هي الأكثر وجاهة في الإجابة على الأسئلة السابقة، وضمن سياق أوّل هو وضع الاتحاد في سياقات ما يعنيه من ماضٍ وحاضر ومستقبل؛ فإنّ السؤال الوجيه التالي يصحّ أن يسير هكذا، بما ينصف الاتحاد من حيث الموقع والوظيفة والرسالة والواجب: هل سيعتمد الاتحاد سياسة منهجية متجانسة إزاء مسير سعيّد، خطوة واضحة إثر أخرى أكثر وضوحاً، من الانقلاب إلى ترسيخ دكتاتورية فردية مطلقة، أياً كانت أقنعتها «الدستورية»؟ وإلى جانب مسؤولياته السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأخلاقية، هل سيسكت الاتحاد أيضاً عن مشاقّ حياة التوانسة اليومية ومصاعبها المعيشية والصحية والتعليمية والتنموية…؟
الكرات تتزايد، حاملة تحديات لا عدّ لها ولا حصر، وملاعب الاتحاد مفتوحة (أم الأحرى القول إنها مضطرة) لاستقبالها؛ بمنأى صريح واضح، ونقابيّ ملتزم، عن لغة التخبط بين تأييد واعتراض، تأتأة هنا وغمغمة هناك…

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية