الجونة «القدس العربي»: رغم أن مهرجان الجونة لم يؤخذ بمأخذ الجد عند انطلاقه قبل خمسة أعوام، ووصفه البعض بأنه حيلة ترويجية عابرة ابتكرها رجلا الأعمال المصريان الشهيران، الأخوان سميح ونجيب ساويرس، لكي يروجا لقريتهما السياحية، وهي الجونة، التي أسسها سميح عام 1990 ورغم تسليط الإعلام العربي على أزياء النجوم بدلا من الأفلام المشاركة فيه، إلا أن المهرجان نجح خلال أعوام قليلة في تصدر مهرجانات الأفلام العربية من حيث عرض أبرز الأفلام العربية والعالمية ودعم المواهب العربية واحتلال مكانة مهمة على الساحة العالمية واستقطاب اهتمام الإعلام العربي والدولي وصناعة الأفلام العالمية.
فمنذ انطلاقه، قدم دعما للعديد من المشاريع العربية، سواء كانت في مرحلة التطوير أو بعد الانتاج، مثل الفيلم الفلسطيني أمين نايفة «200 متر»، وفيلم اللبناني وليد مؤنس «1982» وفيلم التونسية كوثر بن هنية «الرجل الذي باع ظهره». تلك الأفلام ذهبت لتحصد جوائز مهمة في مهرجانات عالمية ومثلت دولها في منافسة الأوسكار لأفضل فيلم دولي، بينما حقق «الرجل الذي باع ظهره» أول ترشيح لتونس.
تأسيس مهرجان الجونة تزامن مع إلغاء آخر أهم مهرجان أفلام عربي وهو «دبي الدولي للأفلام» عام 2018. ذلك المهرجان كان يعتبر العمود الفقري للسينما العربية الحديثة، التي تزامن ظهورها مع انطلاقه عام 2003. وتلاه مهرجان «أبو ظبي» عام 2007 ومهرجان «الدوحة» عام 2009.
تلك المهرجانات الخليجية قدمت الدعم المادي والانتاجي والترويجي لمواهب السينما العربية الحديثة، التي ولدت على أنقاض السينما المصرية الكلاسيكية، التي لفظت أخر أنفاسها في بداية تسعينيات القرن الماضي عندما حولتها الفضائيات العربية الى منتوجات استهلاكية رخيصة بينما أغرقت ظاهرة قرصنة الأفلام على شبكة الإنترنت شركات الانتاج في أزمات مادية وجودية ودفعت معظم دور العرض في كل الدول العربية الى إغلاق أبوابها.
توجه السينمائيين العرب لأوروبا
تدهور الإنتاج السينمائي الفني في مصر، التي كانت القلب النابض للسينما العربية، دفع السينمائيين العرب الى أوروبا، حيث قدمت لهم صناديق رسمية هناك الدعم المادي لإنتاج أفلامهم، بينما قدمت مؤسسات أخرى مثل معهد «صندانس» الأمريكي ورشات عمل شارك فيها مخرجون شباب مثل الفلسطيني هاني أبو أسعد، بمشروع «الجنة الآن»، الذي بات لاحقا أول فيلم عربي يفوز بجائزة «الغولدن غلوب» ويحقق أول ترشيح عربي لأوسكار أفضل فيلم أجنبي عام 2007، فضلا عن اللبناني زياد دويري الذي شارك في فيلمه «بيروت الغربية»، الذي حصد العديد من الجوائز العالمية. ويذكر أن دويري حقق أول ترشيح أوسكار للبنان عن فيلم «قضية 23» عام 2018.
لكن ذلك الدعم الأجنبي كان محدودا وكان موفرا فقط للسينمائيين العرب الذين كانوا يملكون جنسيات أجنبية ويعيشون خارج العالم العربي. كما أن تلك الأفلام لم تصل الى الجماهير العربية، التي كانت مهووسة بمسلسلات الفضائيات الميلودرامية التجارية، بينما لم تعرها المؤسسات الرسمية اهتماما ولم تقدم لها أي دعم إنتاجي أو ترويجي. فخلافا للدول الأوروبية، لم تخصص الحكومات العربية ميزانيات للفن والثقافة ولم تدرك أهميتها وتأثيرها على تطوير وعي مجتمعاتها ونظرة العالم تجاهها.
لكن هجمات الحادي عشر من سبمبتر / أيلول على الولايات المتحدة عام 2001 وتحميل كل العرب والمسلمين مسؤولية تلك الهجمات والهجوم الإعلامي على الحضارة العربية والدين الإسلامي وتنميطها في أفلام هوليوودية أيقظ بعض الحكومات العربية من غفلتها وجعلتها تدرك أهمية السينما في تطوير وعي مجتمعاتها الفكري والثقافي وتعريف العالم الغربي على حضارتها وديانتها وتاريخها من منظور عربي ومسلم لتصحيح الطرح الهوليوودي الاستشراقي النمطي.
دول عربية تدعم السينما
الدول الخليجية وتحديدا قطر والامارات كانت الرائدة في دعم سينما عربية من خلال تأسيس صناديق دعم للمواهب العربية ومهرجانات سينمائية على مستوى عالمي في الوطن العربي. ذلك الدعم ساهم في إنتاج المئات من الأفلام العربية، التي وصل بعضها العالمية من خلال المشاركة في أبرز المهرجانات السينمائية، مثل كان وفينيسيا وصندانس وبرلين وتورنتو، وفازت بأهم جوائزها، بينما ترشح بعضها لجوائز الأوسكار، فمنذ 2007، حققت السينما العربية ما يقارب عشرين ترشيحا لجوائز الأوسكار ودعت أكاديمية علوم وفنون الصور المتحركة الأمريكية ما يقارب ثمانين فردا من مواهبها للانضمام إليها.
تلك الإنجازات جذبت اهتمام صناعة الأفلام العالمية الى المواهب العربية وفتحت أبوابها لهم، مثل أبو أسعد، الذي صنع فيلما هوليووديا وهو «الجبل بيننا» ودويري، الذي شارك في إخراج مسلسل تلفزيوني في فرنسا، والمصري محمد دياب، الذي يشارك هذه الأيام في صنع مسلسل مارفيل، «مون نايت»، بينما نال العديد من ممثلي تلك الأفلام العربية أدوارا في أفلام عالمية وهوليوودية مثل الفلسطيني علي سليمان، والمصري عمر واكد والمغربية لبنى أزابال والفلسطينية هيام عباس.
لهذا أصيب صناع السينما العربية بالهلع عندما أعلن عن إلغاء آخر مهرجان خليجي وهو دبي وصار البعض يتكهن بنهاية موجة السينما العربية الحديثة، إذ لم يتوقعوا أن مهرجان الجونة، الذي انطلق ذلك العام، أن يعبئ الفراغ الساشع الذي تركته المهرجانات الخليجية الثرية. لكن الجونة فاجأهم وحقق أكثر مما كانوا يحتاجون إذ أن وجوده في مصر، مهد السينما العربية الكلاسيكية، منحه ميزة خاصة كانت تفتقر لها المهرجانات الخليجية، التي لم تتمكن من جذب عدد كبير من النجوم العرب بسبب بعدها الجغرافي. فالحضور المكثف لنجوم السينما والتلفزيون العرب على بساط الجونة الأحمر جذب تغطية إعلامية عربية واسعة، ما منحه سمات السحر من جهة ومن جهة أخرى جذب أهم الأفلام العربية والعالمية التي برزت في المهرجانات الدولية، فبات مزيجا من التجارة والفن والأزياء والسينما مثل المهرجانات الكبرى على غرار كان الفرنسي والبندقية الإيطالي.
لهذا صار مهرجان الجونة يعتبر أكثر المناسبات سحرا في العالم العربي، يستقطب مشاهيره من كل أرجائه، حيث يحضرون بطائراتهم الخاصة ساويرس دعوة من المهرجان أو منحهم فرصة للتألق على البساط الأحمر ويدفعون آلاف الدولات للحصول على تذكرة دخول الى حفل الافتتاح. لكن قلة منهم يشاهدون أفلامه المشاركة أو يعبرون اهتماما لفعالياته السينمائية.
في الدورة الحالية يعرض المهرجان عدة أفلام عربية وعالمية، معظمها عرضت في المهرجانات الدولية الكبرى مثل مهرجان كان والبندقية وبرلين، على غرار الفيلم الوثائقي «كابتن الزعاتري» الذي عرض في مهرجان برلين، وثلاثة أفلام عربية شاركت في منافسات مهرجان كان وهي المغربي «علي صوتك»، الذي شارك في المنافسة الرسمية، والفيلم المصري «ريش»، الذي فاز بالجائزة الكبرى في منافسة أسبوعي المخرجين واللبناني «البحر أمامكم» ، الذي شارك في منافسة أسبوع النقاد، والفيلمان المصري واللبناني «أميرة» و»كوستا برافا» اللذان تنافسا في مهرجان البندقية في فئتي «آفاق» و»آفاق إكسترا» على التوالي.
كما يشارك في المهرجان فيلم الفرنسية من أصول لبنانية أودري ديوان، «الحدث»، الذي فاز بجائزة الأسد الذهبي في مهرجان البندقية الأخير.
وسوف تستمر فعاليات المهرجان، التي تضم أيضا ورشات عمل ومحاضرات وحفلات ليلية وتوزيع منح لمشاريع في مراحل التطوير أو بعد الانتاج، حتى مساء يوم الجمعة المقبل، حيث تمنح الجوائز للأفلام الفائزة في حفل صاخب في القاعة نفسها التي أقيم فيها حفل الافتتاح.