القاهرة ـ «القدس العربي»:عن فكرة الأجيال الثقافية وأثرها، إضافة إلى أساس نشأة هذا الجيل أو ذاك نتيجة حراك أو تحول سياسي، يأتي العمل البحثي للشاعر والناقد المصري عيد عبد الحيلم، المعنون بـ»جيل السبعينيات وتحولات الثقافة في مصر» والصادر مؤخراً عن دار الأدهم ومركز البحوث العربية والافريقية. وقد دارت حوله مناقشة ضمن ندوات (منتدى الشعر العربي) التي يقيمها حزب التجمع في القاهرة. أدار الندوة الشاعر علي عطا، وشارك فيها كل من الأكاديميين والنقاد.. نبيل عبد الفتاح، محمد السيد إسماعيل، وحاتم الجوهري.

فكرة المجايلة والتحول الثقافي
في البداية توقف حاتم الجوهري عند مفهوم (المجايلة) الذي عرّفه الباحث في مقدمة الكتاب، وهو الجيل الذي أحدث تحولاً ثقافياً، دون التقيد بالمفهوم الزمني للجيل. ويرى الجوهري أن الباحث لم يقف عند التجربة الحزبية وأثرها على تلك الفترة. من ناحية أخرى جاء دور شعراء السبعينيات على مستوى الشكل دون المضمون، وهو ما جعلهم يختلقون بدورهم متناً ـ لطالما حاربوه ووصموا به جيل الستينيات ـ دون ترك هامش يسمح بتجارب آخرين، فمن كان مجايل لهم وعمل من خلال المضمون لا الشكل، تم طرده، وبالتالي إقصاء كل ذات أخرى لا تتوافق وفكرتهم الرئيسية. ويرى الجوهري أن أزمة ذلك الجيل تقابلها أزمة جيل آخر (التسعينيات) كامتداد لها ولو بشكل مُغاير، وتتمثل في سقوط الاتحاد السوفييتي، فكانت العودة إلى الذات الفردية وتفاصيل اليومي والمعتاد، وقد سقطت السردية الكبرى، تماماً كما حدث مع جيل السبعينيات بعد يونيو/حزيران 1967.
ويضيف: هل أضاف ذلك الجيل بالفعل إنتاجاً فنياً وإبداعياً مؤثراً، أم استعار أقنعة غرائبية، ممثلاً دوراً مُلتبساً ومُلغزاً، تحت ظل شعارات قد تبدو برّاقة، لكنها في الأساس صدرت عن ذوات مُنكفئة، لم تستطع تجاوز الهزيمة.
الروح المهزومة
ومن جانبه يرى محمد السيد إسماعيل، عدم دقة مصطلح (المجايلة) الذي يمكن استبداله بآخر أكثر صدقا، وهو (الموجة الشعرية) التي قد تشمل أكثر من جيل، أو قد تشمل جيلا واحداً. فمهما حاول ذلك الجيل الاحتماء بالذات أو بمعنى أدق الانكفاء، فهو أكبر ممثل للهزيمة، ولم يستطع تجاوزها إلا عدة شعراء، وهو ما لا يمكن تعميمه على الجميع، والتجاوز هنا تجاوز أسلوبي، بعيداً عن الروح المهزومة منذ البداية. لكن هناك بعض الإيجابيات، وقد كسر ذلك الجيل فكرة احتكار الدولة للنشر، فجاءت بعض المجلات والدواوين في نسخ محدودة وبتكلفة الأصدقاء، وهو ما يُسمى بـ(الماستر). ويوضح إسماعيل بأن المنتمين لذلك الجيل تأثروا بما كان يُنشر في مجلة «شعر» البيروتية، ذات المرجعية الفرنسية، دون مجلة «الآداب» ذات الحِس القومي، إضافة إلى دور (أدونيس) الذي وجد فيه السبعينيون ضالتهم. أما في نطاق المسرح فجاءت العودة إلى الموروث الشعبي، وتوظيفه من خلال أساليب جديدة تعتمد رؤية تحديثية.
نوستالجيا النضال
أما نبيل عبد الفتاح فيرى أن هذه المجموعات ـ سواء منتظمة أو غير منتظمة ــ كانت تستند إلى نوستالجيا الحركة الطلابية كمجال سياسي أولاً. وجاءت الحركة في شكل جيل متمرد على جيل سابق مؤدلج، تابع لجهاز الدولة الثقافي والأيديولوجي. وكانت البلاغة والتفلسف ـ بالنسبة للشعر ـ هي السمة الغالبة على إنتاج ذلك الجيل. أما في ما يخص المسرح المصري، فجاء التركيز على التجريب، والنزوع إلى التمرد، خاصة أن السائد وقتها ـ ولم يزل ـ هو المسرح التجاري الرخيص، لتوظيف السياحة العربية ـ الخليج ـ بعد مصادفة النفط. هذه السمعة التجارية هي التي عجّلت بتخلف الثقافة المصرية وعدم تطورها، فكان ذلك الجيل ـ السبعينيات ـ يحاول البحث عن هوية مُفتقدة، متمثلاً في أبو العلا السلاموني، يسري الجندي، ورأفت الدويري، فجاء التراث في شكل جديد وروح واقعية بعض الشيء.