رحيل المفكر المصري حسن حنفي… المأزق بين اليسار والأصولية

محمد عبد الرحيم
حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي»: رحل أمس أستاذ الفلسفة الإسلامية والمفكر المصري حسن حنفي (1935 ــ 2021) بعد مسيرة طويلة، سواء في التأليف أو التدريس. فالرجل لم يكتف بأن يكون نشاطه مقتصراً على المجال الأكاديمي، بل تخطى اشتغاله بالفلسفة إلى العديد من القضايا التي تشغل المجتمع العربي. ودون إصدار أحكام على مشروع الرجل الفكري، وفي الوقت نفسه عدم الرضوخ إلى العواطف ومقالات الرثاء، نحاول استعراض بعض من آراء ومواقف الرجل، سواء من المؤلفات أو المقالات، وحتى المقابلات الصحافية، التي من خلالها يمكن أن نصاب بالدهشة، ليس من تطور فكري يتناقض ونفسه مع مرور الوقت، اعتماداً على الخبرة، ولكن نتعرّف على تناقض عجيب في محاولة مستميته لتوفيق ما لا يتفق، حتى لو جاءت بعض من هذه الآراء تنويرية وتحفيزية على كشف أزمة العقل العربي، أما تجاوز الأزمة فسيظل حلماً بعيداً، رغم جهد الرجل وتاريخه الطويل في البحث والتنظير.

التناقض الفكري

بدأ حنفي بترجمة مؤلفات مهمة وفارقة في الفكر الإنساني، منها.. «رسالة في اللاهوت والسياسة» لسبينوزا و»تربية الجنس البشري» للسنج. مؤسساً بذلك محاولة التمهيد العلمي لمراجعة ونقد التراث، بهدف تجاوزه لمرحلة عقلانية من التفكير، لكن هذه البداية المُبشرة أصبحت تأتي ضمن أفكار ومقولات أصولية، حاول صاحبها أن تتسم بالوطنية والتحرر، فيذكر مثلاً في إحدى مقالاته «ولا يزال أمام المسلمين مجال للفتوح والانتشار في الأرض، وإن تاريخ الأمة منذ الفتح العثماني حتى اليوم هو تاريخ فتوح وانتصارات». كذلك يربط حنفي بين الإسلام و(تنظيم الجهاد)، الذي قام باغتيال السادات، قائلاً «فخلاص مصر الأخير، ونهاية حكم العمالة والخيانة (حكم السادات) حدث باسم الإسلام وتحت لوائه. فالإسلام هو الدرع الواقي للشعب، والبوتقة لعواطفه الوطنية. وسيتمسك الناس بالإسلام أكثر فأكثر بعد أن شاهدوا الدليل العملي على أن الإسلام قادر على تخليصهم من الظلم والطغيان، والعودة بالبلاد إلى خطها الطبيعي ونضالها القومي في مواجهة الاستعمار والصهيونية».
وفي ندوة حملت اسم (التراث والتجديد) أقيمت في معرض الكتاب منذ سنوات، وناقشت فكر حسن حنفي، نجد على سبيل المثال الناقد مصطفى الضبع يرى أن المسحة الأصولية، التي تلبست خطاب حنفي، كان فيها مضطراً، في ظل أجواء حالة من الانفجار الديني شهدها عقد السبعينيات في ظل (الرئيس المؤمن) كما يحلو للبعض أن يسمي الرئيس الراحل أنور السادات. فقد كانت محاولة منه للتحاشي والصدام مع الرأي العام المشبع بالروح المتدينة. ويوضح الأمر في مداخلة في الندوة نفسها جابر عصفور ـ بخلاف كونه خادماً مطيعاً لأي نظام حاكم ـ فيقول «مشروع حسن حنفي عن التراث والتجديد، هو في حقيقته ضد مشروع تجديد التراث. فحنفي حين سافر إلى باريس لاستكمال دراساته العلمية، كان عضواً في جماعة الإخوان المسلمين، وقد التقي هناك بمجموعة من الأساتذة المسيحيين المتأثرين والفاعلين في مشروع لاهوت التحرير المسيحي، وقد حاول استنساخ التجربة في ما يسمى بمشروع اليسار الإسلامي، وأصدر مجلة «اليسار الإسلامي» كمنفيستو لمشروعه الفلسفي. فحنفي وإن كان يميل إلى المدرسة الظاهرية في قراءة النصوص الدينية والتراثية، ليس معتزليا يقدم العقل، وإنما أشعري أصولي».

اليسار الإسلامي

يقول حنفي في أحد حواراته.. واجهت الخطاب السلفي الذي يعرف كيف يأخذ، ولكنه لا يعرف ماذا يأخذ. فهو يدعوني إلى الأخذ بالأحكام كافة الحدود ومنع الاختلاط وكذا. ثم يتحدث أيضاً عن الحرية والديمقراطية والتنمية والعدالة الاجتماعية، لكنه لا يعرف كيف الوصول إليها في الواقع، فهو مرّة يسميها اشتراكية ومرّة يسميها قومية ومرّة ليبرالية. أنا أريد أن أعطي خطاباً ثالثاً يعرف كيف يقول، أي يستعمل لغة التراث الإسلامي الذي تحوّل إلى ثقافة شعبية، وماذا يقول ليتحدث عن مصالح الناس… في اعتقادي أنه لا تعارض بين اليسار والإسلام الحقيقي، فالإسلام ليبرالي يدافع عن الحريات العامة، وهو عروبي لأنه ثقافة العرب شعراً وسياسة، وهو اشتراكي، كما أكد كثير من كتابنا في خمسينيات القرن الماضي وستينياته. وقد رأينا مثل ذلك التوافق بين المسيحية والاشتراكية عبر «لاهوت التحرير» في أمريكا اللاتينية. لم ينجح (اليسار الإسلامي) كتيار مجتمعي في الظهور والبروز، إذ ليست وراءه جماعة حزبية أو دينية، لذا فقد اكتفى بالطرح النظري المجرد، لأنه ابتعد عن السلطة ومكائد الوصول إلى الحكم، وما زالت فكرته محاصرة بين اليمين الديني واليسار العلماني.
حاولت في مسعاي هذا أن أجمع بين شرعيتين: شرعية الماضي وشرعية الحاضر، شرعية التراث، وشرعية الثورة، فلم أجد اسماً أفضل من (اليسار الإسلامي).
وعند سؤاله أنه يعتمد المنهج الأشعري، ويدين اليمين الديني، ينفي ذلك، مؤكداً أنه في كتابه «من العقيدة إلى الثورة» يدافع عن مذهب المعتزلة. وبسؤاله أنه أعلن الانتماء للمذهب الأشعري في كتابه «من النقل إلى العقل» يبرر ذلك بقوله.. «نعم. لهذا الكتاب وضعية خاصة. أنا أتناول علوماً خمسة نقلية خالصة، وقد أردتُ أن أدفعها خطوة إلى الأمام لتكون نقلية عقلية، ويأتي جيل بعدي ربما استطاع أن يحولها إلى علوم عقلية خالصة. فأنا حريص على المراحل من أجل نجاح المشروع تاريخياً، لأن القفز على المراحل من أخطر الأشياء.

‮«‬اليسار‭ ‬الإسلامي‭ ‬يجمع‭ ‬شرعية‭ ‬التراث‭ ‬وشرعية‭ ‬الثورة‮»‬‭ ‬حسن‭ ‬حنفي‭‬

مشروع التبريرات

ولم يكن حسن حنفي وحده الذي يحاول توفيق ما لا يتفق، لكن هناك الكثير من التنويريين قاموا بدورهم في مشروع التبريرات هذا، ولنذكر موقف محمود أمين العالم من تناقضات حنفي وأفكاره.. فيقول عن (الوحي).. مفهوم الوحي من أكثر المفاهيم التباساً وتعقيداً وإشكالية في فلسفة حسن حنفي. فالوحي عنده يجمع في وحدة واحدة، بين تعاليه أي ارتباطه وصدوره من المقدس وطابعه المطلق، وطابعه العقلاني الواقعي. وهو بهذا التناقض التكويني يشكل جوهر السعي الفكري لحسن حنفي لأنسنة العقيدة. إنه لا يقطع الحبل السري بين المتعالي والواقعي، بين الإلهي والإنساني، بين التراث والتجديد. ولهذا ليس ثمة تناقض بين الوحي والعقل، وبين الوحي والتاريخ، وبين الوحي والواقع، ولهذا فالوحي لا يتحدد بالنص الثابت وحده أو بالنقل، بل هو الماهوي والمتجاوز في آن واحد. على أن حسن حنفي في تعابيره المتناثرة يستخدم في كثير من الأحيان الوحي بمفهومه الاصطلاحي التقليدي، وأحياناً أخرى بمفهومه الحنفي الخاص. ويضيف أمين العالم بالنسبة للتراث قائلاً.. عمد حسن حنفي في قراءاته للتراث إلى بيان مثالب تراثنا القديم، ومدى مسؤولية هذا التراث عن بعض المشاكل الكبرى، مثل غياب مفهوم الإنسان في هذا التراث، وغياب الحرية عنه، وغياب التاريخ، فيحمل حنفي التراث المسؤولية عن غياب العقلانية لصالح السحر والتنجيم، واللاعقلانية، ومن ثمّ يؤكد على أهمية ربط التراث بأهداف مشروع اليسار الإسلامي، وقضاياه الأساسية، مثل: قضية تحرير الأرض من الاستعمار، وقضية الحرية والقهر، والعدالة الاجتماعية، وقضية تجزئة العالم الإسلامي، وقضية التنمية، وقضية الهوية، وفي ضوء هذه القضايا ينبغي أن نقدم قراءتنا للتراث القديم.

عصر الفتوحات الجميل

يرى حنفي أن الإسلام لم يكن توسعياً، وهو بذلك يجافي الحقائق التاريخية، ويسعى إلى التعميم المُضلِل، قائلاً.. الإسلام خرج بفكرة التوحيد، أي أن هذا العالم كله متساو أمام إله واحد ومبدأ واحد، وأمام قيم إنسانية واحدة، بغض النظر عن العرق أو الجنس. الإسلام لم يقتل أطفالاً، لم يقتل شيوخاً، لم يدمر بيوتاً كما تفعل إسرائيل في الفلسطينيين حالياً ـ هنا لا يفصل العقيدة عن الدولة، وهو قياس لا منطق له ـ وعندما أتى العرب المسلمون إلى مصر استقبلهم المصريون ضد العدوان وضد الغزو المتمثلين بالسيطرة الرومانية. فالإسلام لم يكن غازياً ولكنه كان فاتحا أي محرراً للشعوب. لذلك حافظ الإسلام على ثقافات الشعوب وعلى لغاتها ودياناتها. ومن يدخل في أمان مع المسلمين يبقى على دينه، كما حدث مع معتنقي الديانة اليهودية، وكما حدث مع النصارى والصابئة والبراهمة، بل حتى عبدة الأوثان يستطيعون أن يعيشوا أيضاً في كنف الإسلام.

الحركة الإسلامية

وعن انتشار الحركات الإسلامية يقول .. انتشار الحركة الإسلامية سابق على العولمة، وكان رد فعل على الاستعمار التقليدي. وقد بدأ مع الأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وحسن البنا والإخوان المسلمين. مع الأفغاني جاءت النهضة الإسلامية والإصلاح الديني، الإسلام في مواجهة الاستعمار في الخارج والقهر في الداخل. ثم بدأت الحركة الإسلامية تنتشر أكثر عندما بدأت الأيديولوجيات العلمانية للتحديث تضعف، الليبرالية التي حكمت مصر في النصف الأول من القرن العشرين، الاشتراكية والقومية التي حكمت أجزاء من العالم العربي في النصف الثاني من القرن العشرين. وبالتالي ظهر نوع من العودة إلى الإسلام كبديل عن ضعف الأيديولوجيات العلمانية للتحديث، ثم هزيمة 1967. كذلك مع بداية المقاومة في لبنان وفي فلسطين واستقلال الجمهوريات الإسلامية في الاتحاد السوفييتي ونهضة ماليزيا وإندونيسيا. فانتشار الحركة الإسلامية سابق على العولمة. إنما العولمة أعطت مرحلة جديدة للحركة الإسلامية من أجل الدفاع عن الأوطان والدفاع عن الأراضي، الدفاع عن المقدسات بعد أن بدأ الغرب خاصة الولايات المتحدة الأمريكية تظهر كنوع جديد من الاستعمار.

التصوف

يرى حنفي أن العلم الصوفيّ لا قيمة له في حياة الناس، بل إنه يمثل خطرا على مناهجنا في التعليم، وخطرا علينا، بما أنه يضعنا في وضعية ترقّب لا طائل منها، فيها إهدار للوقت، وانصراف عن الدنيا التي يجب أن تكون محلّ اهتمامنا. وكذلك أرى الأخلاق الصوفيّة، هي أيضا خطر علينا نحن المسلمين لأنها تدعو إلى الصبر والورع والخوف وانتظار ما لا يمكن أن يتحقق دون الفعل والتجربة والبحث العلمي، الذي يعتمد مناهج صارمة وتقنيات يقع تطويرها باستمرار.. عن أيّ صبر يتحدّثون؟ هذه معطّلات للشعوب عن الحركة، ونحن نعيش في ثقافة تقوم على الخوف، خوفنا متعدد الوجوه، هو الخوف من الحاكم والخوف من الآخر، والخوف من المجهول، والخوف من التجربة. هي عقدة الخوف العام، والتصوّف الذي نرى اليوم يساهم في تدعيم هذه الحالة السلبيّة.
وعن سبب تسمية كتابه عن التصوّف بـ «من الفناء إلى البقاء»، يقول .. البقاء الذي أقصده هو البقاء في الأرض التي نعيش فيها. الصوفيّة يقولون بالبقاء في الله، وإلى جوار اللّه، هذا هو معنى الفناء عندهم، هم يبقون بفنائهم في اللّه، وبهذا فهم يفنون من الدنيا. أمّا أنا، فأحوّل هذا البقاء إلى بقاء في الأرض وفي العالم، هكذا يكون البقاء فعلا، وإلاّ فلا مصير غير الفناء. رحم الله الرجل، ولا دائم إلا وجه الله.

بيبلوغرافيا

ولد حسن حنفي في القاهرة عام 1935، حصل على ليسانس الآداب في الفلسفة من جامعة القاهرة عام 1956، ثم سافر إلى فرنسا، فنال درجة الدكتوراه من جامعة السوربون عام 1966، وعاد ليعمل في قسم الفلسفة في آداب القاهرة، حتى وصل إلى درجة أستاذ متفرغ. كذلك عمل أستاذا زائرا في عدة جامعات، منها.. جامعة تمبل (فيلادلفيا) 1971- 1975، جامعة فاس (المغرب) 1982- 1984، جامعة طوكيو (اليابان) 1984- 1985 كما عمل مستشاراً علمياً لجامعة الأمم المتحدة في طوكيو (1985- 1987).
من مؤلفاته: «نماذج من الفلسفة المسيحيّة في العصر الوسيط» (1968)، «في فكرنا المعاصر» (1976)، «التراث والتجديد» (في خمسة مجلّدات) (1980)، «اليسار الإسلامي» مجلة (1981)، «دراسات إسلامية» (1982)، «مقدمة في علم الاستغراب» (1988)، «من العقيدة إلى الثورة» (1988)، «الدين والثورة في مصر» (1989)، «من النقل إلى الإبداع» (2000-2002)، «من النص إلى الواقع» (2003-2004)، «من الفناء إلى البقاء» (2009)، «من النقل إلى العقل» (2010)، و»ذكريات» سيرة ذاتية (2018).
حصل على جائزة الدولة التقديرية في العلوم الاجتماعية عام 2009.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية