كشف الحجب عن إهداء الكتب

تعتبر الظاهرة الإنسانية من أمتع الظواهر الكونية، إذ لا تُسمى الحياة حياة إلا إذا تنفست روح الإنسان، حيث تتبادل معه المنافع، فالحياة تهدي الإنسان فرصة كي يعيش المتعة، وهو بدوره يهديها فرصة كي تتحرك، الإهداء بينهما كان عفوا غير مخطط له، ولهذا فهو درامي وسحري، لأن المتعة تخلق حكاية والحركة تنتج تاريخا، وهكذا تتشكل الحياة الإنسانية تماما ما بين سطور الحكاية وزوايا التاريخ التي تختلف في منظوراتها، ولهذا فالهدايا، وهدايا الكتب على الخصوص تتضمن هذا البعد الحكائي والتاريخي المفتوح على الدرامي والسحري، خصوصا حين تصبح هدية الكتاب جزءا من الذاكرة.

إهداءات داخل العائلة

أحيانا نتذكر اللحظات الأولى لاستلام كتاب تماما، كما لو أننا نفتح أدراج الخزانة باحثين عن شيء ثم نغلقها وكأننا نسينا ما كنا نبحث عنه، وأحيانا أخرى تصر علينا ذاكرة الإهداء لأنها تمثل هويتنا البدئية في مسار القراءة ابتداء ثم الكتابة بعد ذلك.
ما زلت أحتفظ من طفولتي الأولى بروايتين لاختي الكبرى بإحساس الطفولة الاستحواذي، «ابن الفقير» لمولود فرعون، و«شَعر أحمر» لجيل رونار بالفرنسية، ثم في نهايات الطفولة حوالي عام 1974 اشترت لي والدتي «منجد الطلاب» الذي ينتابني فرح طفولي كلما أريته أحدا، بل تجدني مثل طفل صغير يتقافز ليظهر ما عنده، محاولا التباهي بلعبته أمام أقرانه، ما زال المنجد مختوما بخط يدي بسنة ابتياعه والقسم الذي كنت أدرس به واسم المدرسة المتوسطة (ابن باديس). واحتفظت من والدي بـ«رد قلبي» ليوسف السباعي ومجلة «المصور» التي كانت عددا خاصا بانتصارات أكتوبر/تشرين الأول، ثم بعد ذلك كان أخي الذي يصغرني بعام كلما اشترى كتابا إلا وآل إليّ بالضرورة، لست أدري لماذا وكيف احتفظت بكتبه، ما زالت مستقرة على رفوف مكتبتي، منها «تبيين كذب المفتري» لابن عساكر و»المعقول واللامعقول في تراثنا الفكري» لزكي نجيب محمود و«آثار الشيخ البشير الإبراهيمي» الجزء الأول الذي اشترى منه ربما نسختين، أذكر أن واحدة منهما بعث بها إلى صديقه العراقي بالمراسلة آنذاك. ما زالت أمي في شيخوختها تتذكر بحسرة القاموس الفرنسي ذا الغلاف الأحمر «لاروس» في حجم اليد، الذي اشترته لي وأضاعه أخي، تتذكر ذلك بشيء من غضب الشيخوخة الطفولي، نضحك فتضحك، وتبدو لي كما لو أنني برفقتها نجوب المكتبات بحثا عما أريده، وتدرك هوسي به، نصمت ثم تردد في خفوت: «ولدي عبد الحفيظ أخذته الكتب».
استلمت من خالي طالب الزيتونة وعاشق السوربون أربعة كتب لطه حسين، «خصام ونقد» «من لغو الصيف إلى جد الشتاء» «رحلة الربيع والصيف» و«نقد وإصلاح» تحمل تاريخ الاستلام من خالي رحمه الله 1982. حيازة الكتب داخل العائلة، التي تمثل إهداء رمزيا كانت بين بدايات السبعينيات وبدايات الثمانينيات من القرن الماضي.

أهديك كتابا وأستعيده

أذكر أنني يوما أهديت كتابي «خرائب الترتيب» ونفذت كل النسخ حتى نسختي، ثم بعد ذلك بمدة، دُعيت إلى ملتقى وطُلب مني إحضار نسخة منه للجهة المنظمة، فوقعت في حيرة من أمري، من أين لي بنسخة من كتابي، ورسوت عند فكرة الاستعادة ممن أعرف من الأصدقاء. فكرت كثيرا لعلي أتذكر أحدهم، ثم فجأة برق في ذهني اسم معين، هاتفته في الحين وسردت على مسمعه الحكاية، فأرشدني إلى حل مستقبلي أتفادى معه هذه المعضلة، وهو أنني أخصص نسخا لإخوتي حتى إذا ضاعت نسختي أو احتجت إلى واحدة لمثل هذا الظرف وجدتها سهلة الحصول والمنال، فقلت إذن هو الإهداء للاستعادة.
مثل اقتراح صديقي حكاية الكتابة التي لا تضيع في فكرتها وحسب، بل في نسختها أيضا، ننسى فتضيع منا فرصة الفكرة التي كانت ستدون كجزء من موضوع كتاب، لكننا ننسى أيضا فيضيع الكتاب في وجوده، هو موجود له حضور وهوية في العالم، لكنه ليس في حوزتنا، وكأنه، وهذه تبدو لي ذات أهمية أكثر من ضياع الفكرة، لأن الحسرة تكون أشد، فالكتاب الذي هو مادتي وفكرتي موجود في مكان ما لدى إنسان ما، وربما نعرف هذا الإنسان، لكن قد نستحي من طلب استعادة الهدية لمهمة، وهو ليس عرفا جاريا. أظن اقتراح صديقي له مصداقيته.

الموت وحكاية الإهداء

يغدو موضوع فرنسوا ليوتار «السرديات الصغرى» أكثر أهمية، حين نعود في وعينا وسلوكنا إلى قضايا أشد ارتباطا بنا، لها قرابة الأشياء التي نحبها وتجري فينا مجرى الدم، إهداء الكتب بالنسبة للكاتب أو القارئ على العموم تقوم مقام الحبل السري، الذي يربط الجنين بالرحم الأمومي، ولهذا ننسى في غمرة الحياة أهميتها إلى أن تستولي في لحظة معينة على ساحة الشعور، وتصر على أن تبدو في العالم سردية تقارع مثيلاتها من السرديات المختلفة، بل لعلها تكون فارقة. حدث وأنا أفكر في هذا الموضوع أن طفت عدة وقائع ظننتها في مرحلة سابقة عادية، لكنها بدت لي وأنا أسترجعها من الذاكرة حكاية تختزن بعدا سحريا تتدفق منه غمامة أسطورية، ومن ذلك أن أحد أصدقائي الكتّاب، توفي منذ مدة، أهدى إليّ كتابا، وبعد حين من صدوره، أراد أن يعيد طبعه، وبعد مراجعته على مستوى دار النشر، استلم إشعارا بتصحيح بعض المقاطع والتهميشات، صديقي رحمه الله لم يكن يحوز نسخة من كتابه، يحدث هذا مع الكتّاب لأن هناك من يستعير ولا يعيد، فاحتار وطلب مني نسختي التي أهدانيها، استلمها ولم أستعيدها مرة أخرى، رغم أن الطبعة الثانية صدرت، خجلت أن أطلبها منه، ونسي هو الآخر، إلى أن كانت فاجعة رحيله، لكن، لم تنته الحكاية هنا، طلبت مني عائلته أن أختار عناوين من مكتبته كتذكار لصداقتنا، وفعلا وصلتني مجموعة من الكتب من ضمنها نسخة الكتاب المُهدى إليّ منه ذات مرة، أحسست أن الخطاب لم يكن عاديا على مستوى الحياة، بل كان منبعثا من عالم آخر وبمفردات سحرية تشملها دراما تستعصي على الذهن تخييل مفردات أحداثها الأشد ألما والمؤثرة في المتلقي.

من الموت إلى الموت تجيئني «الخبز الحافي»

قرأت «الخبز الحافي» لمحمد شكري في نسختها الإلكترونية، وكم تحسرت لأنني لا أملك نسخة ورقية، حتى أنني عزفت عن قراءة جزءيها المتبقيين «الشطار» و«السوق الداخلي» المتوفرتين إلكترونيا، لأن هناك أعمالا تفرض معايشتها حتى نستأنسها، والورق هو الموصل الوحيد الذي يحقق ذلك حسب رأيي.
هل يعود «الكتاب» من الموت، ربما يكون ذلك حقيقة واقعة، فقد أخبرني أحد أصدقائي الراحلين أنه استلم «الخبز الحافي» هدية من صديقنا المشترك جلبها له من العاصمة، والهدية هنا تقوم مقام الحضور المستمر للشخص، ولو في غيابه، فقلت له: أغبطك، وكم تمنيت حينها لو أنني أتحصل على نسخة، لأن القارئ قد يستعير بعض الكتب، لكنه دوما يتمنى بعضها على رف مكتبته، ولهذا لما تُصادفنا في المكتبات بعض العناوين التي قرأناها، نبتاعها لأن صورتها تستمر فينا كذكرى نتمنى إعادة تحققها لأهميتها وعلاقتنا الوجدانية والثقافية بها. توفي صديقي واستلمتها من عائلته كهدية بإهدائها الأول إليه: «من فلان إلى الفاضل الدكتور فلان ويسرني جدا أن أفعل ذلك» لم أستطع أن أعتذر للعائلة لأنهم ربما ارتأوا في ذلك الصنيع استمرارا لصورة فقيدهم في أصدقائه عبر ما كان يحبه أكثر، وهي الكتب. تيسر بعد ذلك أن التقينا كثيرا أنا ومُهدي رواية محمد شكري، دون أن يعلم أن الرواية آلت إليّ، وجدت إنه ليس من اللائق إخباره بذلك، ويشاء الله أن يتوفى هو الآخر وتبقى «الخبز الحافي» رابطة عالقة بين الورق المبصوم بلمسيهما ووجهيهما المختومين في الصفحات كلما ورقتها وتتالت رفرفتها بين أصابعي.

كاتب جزائري

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية