لندن ـ «القدس العربي»: مع نهاية الموسم الماضي، لفتت كلمات المدرب الإنكليزي العريق سام ألاردايس الانتباه، والذي قال عن كرة القدم: «إنها لعبة بسيطة. تم تعقيدها بشكلٍ كبير من قبل الكثيرين». إذ تحدث في مقابلته مع «سكاي سبورتس» عن خشيته من تحول الدوري الإنكليزي إلى بطولة «مملة» من خلال إجبار الفرق والمدربين واللاعبين على اتباع طريقة لعبٍ معينة.
حديث ألارديس قاد إلى استرجاع أسلوب لعب الفرق الإنكليزية مقارنة بالفرق الإيطالية والإسبانية والألمانية في دورياتهم المحلية. ومع تقارب مستويات أندية الدوري تزداد الندية وحدّة المنافسة تلقائياً، ما يزيد عدد المتابعين وشركات التغطية الإعلامية. فعند مشاهدة الدوري الإنكليزي يصل المشاهد والمتابع إلى أعلى درجات الاستمتاع نظراً لحدة المباريات ولتقارب معايير اللعب بين الأندية.
وللحفاظ على هذا المستوى من الحدّة في اللعب تعمل الأندية على توجيه لاعبيها بشكلٍ مفصل ودقيق، كما ويؤدي إلى تشابه كبير في أساليب اللعب. فعند مشاهدة الدوريات الأوروبية الأخرى تشعر وأن لكل فريق هوية وطريقة لعب مختلفة، فريال مدريد لا يملك أسلوب برشلونة على سبيل المثال. لكن ما نقصده هنا لا يتوقف على أسلوب لعب فريقٍ معينٍ فحسب، بل على الأساليب المتبعة من الأندية لتقييد لاعبيها للالتزام بطريقة تنفيذ اللعبة بشكلٍ معين، ما يجعل اللاعبين يظهرون على شاكلة الروبوتات أو آلات على هيئةٍ بشرية يتحكم فيهم أناسٌ آخرون. وبالعودة إلى كلام ألارديس، يقول المدرب الإنكليزي انه «يجب على كل فريق في الدوري الأفضل في العالم أن يحتوي على أسلوب لعبٍ خاص به». كلام مدرب وست بروميتش ألبيون السابق لا غبار عليه، فكرة القدم التي نشاهدها في ملاعب الدوري الإنكليزي بعيدة كل البعد عن كرة القدم التي لعبها لاعبو الدوري ذاته في أزقة حاراتهم كأطفال. لكن الجدير بالذكر أيضاً أن الجيل الذي بدأ يظهر اليوم على المسارح الإنكليزية هم لاعبون تم تطويرهم وتربيتهم لخدمة المنظومة التي وصل إليها الدوري الإنكليزي اليوم، فهم اللاعبون الذين نشعر بأنهم «روبوتات». فأسماء كمايسون ماونت وريس جيمس (كلاهما تشلسي) وبوكايو ساكا (أرسنال) ومايسون غرينوود (مانشستر يونايتد) هم أبناء الأندية التي يلعبون فيها الآن، وعند متابعتهم تشعر أن أسلوب ممارستهم للعبة تم تفصيله لخدمة المنظومة التي ينتمون إليها. وعند البحث عن الأسباب التي جعلت الدوري الإنكليزي يصل إلى ما هو عليه اليوم نرى أن التغطية الإعلامية الزائدة لدوري أبطال أوروبا خلال العقدين الأخيرين جعل العديد من المدربين والمشجعين في جميع أنحاء إنكلترا يدركون أن اللعبة الحديثة تتطلب لاعبين ذوي إيقاع لعب وفعالية أسرع من الناحية الفنية، إضافةً إلى نسب الذكاء المطلوبة لتوزيع الكرة بشكل فعال خلال الثلث الدفاعي والثلث الأوسط والثلث الهجومي من الملعب. اليوم، تكافئ اللعبة الفرق التي تحتفظ بالكرة لفترات طويلة، حتى لو كان ذلك يعني اللعب من الخلف. وهذا شيء لم يتمكن الإنكليز من فهمه إلا مع بداية العقد الأخير أو ما يزيد.
اليوم، نرى أيضاً اهتمام الأندية الزائد في التعاقد مع خبراء الداتا والأرقام. فمع بداية العام المنصرم أعلن نادي مانشستر سيتي عن التعاقد مع لوري شو عالم الفيزياء الفلكية ومستشار السياسات المالية. فبينما أصبح محللو البيانات أكثر شيوعا خارج الملعب، أصبح شو من أشهر التعاقدات على الساحة الكروية. إذ سيرأس فريقا من محللي البيانات الذين يستخدمون الملايين من الإحصائيات حول أداء اللاعبين والمنافسة القادمة لمساعدة النادي على مضاعفة فرصهم في الفوز في المباراة المقبلة. وبما أن استخدام البيانات الفنية والإحصائيات في عالم كرة القدم أصبح ضروريا للعديد من أندية العالم الكبرى اليوم، إلا أنه أصبح متاحاً لأندية ذي امكانياتٍ مادية أقل، إذ أصبحت تكاليف تبني هذه التكنولوجيا في متناول الجميع. وإحدى أبرز هذه الأدوات هو نظام التتبع البصري الذي يمكن استخدامه لتحديد موقع اللاعبين على أرض الملعب 25 مرة في الثانية في ما يتعلق بالكرة وتفاصيل المنافس وزملاء اللاعب في الفريق. وذلك على غرار بيانات متعلقة بالكرة مثل التمريرات والتسديدات والانعطافات، بينما يمكن للأدوات الأكثر تقدما تحليل الاستقرار الدفاعي والتحكم في الملعب وفرص التسجيل من دون امتلاك الاستحواذ. كل هذا التطور التكنولوجي نرى تأثيره اليوم على الملاعب الأوروبية وبالأخص الدوري الإنكليزي، ما قد يسبب عائقاً في المستقبل القريب أكثر مما هو أسلوب لتطوير اللعبة التي نحب.