أسلوب: أعيش من موسيقاي وفرقة «الآخرين» لها الاهتمام الأكبر وأتابع الدرس والاكتساب

زهرة مرعي
حجم الخط
0

من برج البراجنة إلى باريس رابر من فلسطين يؤكد ذاته كملحن وموزع موسيقي

بيروت ـ «القدس العربي»: ين انتظرني الفنان أسلوب من «كتيبة 5» لغناء الراب في مخيم برج البراجنة تحت جسر صفير في الضاحية الجنوبية لنترافق نحو الأستوديو الذي يحمل الإسم نفسه، لم يخطر ببالي أن لقاء سيجمعنا في مقهى رصيف باريسي. اللقاء الأول كان بعد عدوان تموز 2006 ومع خماسي «الكتيبة» حيث توزعت الأسئلة والإجابات على الجميع. تكررت اللقاءات مع كل جديد للـ»كتيبة 5» وتراجعت حدّة التوجسّات من غريب يدخل إلى عمق المخيم. الصدفة أعلمتني بأن «كتيبة» تشتت بين لندن وباريس، وهذا حق لهم ففي لبنان نظام يصادر وينتهك حقوق مواطنيه فكيف باللاجئ من فلسطين؟

في باريس كان اللقاء حارا ومشوقا. فأسلوب الفنان جدّ واجتهد في إقامته الفرنسية ولا يزال. هو الموهوب في كتابة الراب وتلحينه وتوزيعه، أضاف إلى ذاته مزيداً من العلم والتبحُّر في عالم الفن. ذهب بعيداً في الإستماع والدرس والتعمُّق، ليصل فيما بعد إلى ما يصبو إليه، ولا يزال الطموح شاغله. هو موسيقي وموزع معروف، وأول اعترافاته التي أرضته ذاتياً ونفسياً «نعم أعيش من موسيقاي».
هنا حوار مع أسلوب قد يفيض منه حب أكنه له، وتقديراً للتحديات التي واجهها، والأهم أن فلسطين لا تزال هدف يومه وغده. التفاصيل:
○ غبت ولم تغب بعض أخبارك. ماذا تبدّل بين اللقاء الأول تحت جسر صفير والآن في هذا الحي الباريسي الذي يضج بالحياة والشباب؟
•أمور كثيرة. أهمها أني أعيش من موسيقاي، وهذا لم يكن حتى حُلماً يستطيع أن يخطر لي في لبنان. وهناك كنت أقوم بأشغال عدّة لتأمين العيش. في فرنسا عالم الموسيقى واسع جداً، وقد أمدني بخبرة كبيرة. وهنا سمعت وشاهدت معظم الفنانين الذين كنت أتوق للتواصل مع موسيقاهم وأنا في بيروت. وهذا ما شكّل عاملاً مهماً على صعيد توسيع معارفي الموسيقية وتنوع مصادر الإستماع عندي.
○ حملت من بيروت تجربتك الخام التي نمت بفعل إصرارك في استوديو «كتيبة 5». كيف سارت خطوات تطوير معارفك الموسيقية هنا؟
•يمكنني القول إني حملت معي تجربة أعتزّ بها، وفي باريس كنت بمواجهة الأمر الواقع. لم أكن أملك ترف التجريب، بل كان يجب أن أحقق مكانة لموسيقاي وأن أفرض نفسي على المسرح. ولأتمكن من هذا ثابرت على تنمية وتغذية ثقافتي الموسيقية ورحت أتابع كل ما تيسر لي من حفلات موسيقية. وعندما اكتشفت أسلوب عمل الموسيقيين قررت أن تكون لي فرقتي الخاصة. وهي تتكون من ستة عازفين صبية تعزف البيس من أصل فيتنامي، ومهدي من أصل مغربي، ودي جي من أصل مالي، ولاعب الدرامز فرنسي، وأنا. والفريق يُعرف بالآخرين.
○ الآخرون اختيار مقصود للتصويب على الإنتماء أليس كذلك؟
•بالتأكيد. الهوية مسألة قائمة في فرنسا كما لاحظت. فالآخر يتواجد على الدوام. ولاحقاً اكتشفت بأني كنت أيضاً الآخر الفلسطيني في لبنان، وفي فرنسا بت الآخر العربي. جذبني تسليط الضوء على حواديت وقصص الآخرين.
○ وواصلت تعبيرك الفني بأسلوب الراب؟
•صحيح. لكن في فرنسا اكتشفت ضرورة رفع منسوب نوعية الموسيقى التي أكتبها والتي يجب تقديمها للجمهور العريض. لهذا قررت البدء بدراسة الغناء الشرقي، ليس لإحترافه بقدر ما رغبت بتوسيع معارفي مما يضيف إلى فن الراب الذي أقدمه. التعَلُّم والبحث يشغلاني ويرافقاني على الدوام، وذلك لصالح تطوير الموسيقى التي أقدمها.
○ في لبنان بنيت نفسك بجهدك. وفي فرنسا هل درست على يد أحدهم؟
•لأني لم أسجل بدايات أكاديمية فلن أستطيع السير في هذا الدرب الطويل الآن. فهو يستغرق الكثير من الوقت. أعتمد على السماع وأتعلّم الكثير. لهذا درست مؤخراً المقامات الشرقية على يد عازف ناي. عزف وكررت من خلفه. حفظت المقامات سماعاً بدون نوطة.
○ جئتَ من غناء الراب إلى دراسة الغناء الشرقي والفرق شاسع. كيف وجدت قدراتك؟
•الفرق كبير جداً. استغرقت الدراسة وقتاً، لكني توصلت للتحكم بصوتي.
○ هل أتوقع أن تطرب سمعي في سهرة ما؟
•لا أظن ذلك. درست الغناء الشرقي ليس بهدف التوصل للإطراب. هدفي تَمَثَل بإضافة جديد إلى أدائي وموسيقاي. فنياً دخلت في مرحلة مختلفة، ولم أعد فقط بصدد جمهور يتابعني مرّة كل شهر. بتُ حيال جمهور واسع جداً. جمهور يتميز بالفضول العالي حتى وإن لم يفقه الكلام الذي يسمعه. جمهور يبحث عن معنى الكلمة التي تجذب انتباهه.
○ في لبنان شغلك التعبير عن ناس المخيم وشبابه. أين يتوجه اهتمامك الآن؟
•في الألبوم الأول لفرقة الآخرين حكيت قصتي كفلسطيني وصل من لبنان وكعربي يعيش في فرنسا. برأي هي حكايات لا تنتهي، هناك دائماً ما نحتاج للتعبير عنه. الآن أحاول التعبير عن نفسي كفرد في هذا العالم الكبير. أعبر عن رؤيتي السابقة للأمور والحالية. لم تتبدل جذرياً، إنما هناك تبدل.
○ هل تجد ذاتك مقبولاً في فرنسا كفنان أكثر منك في لبنان كلاجئ فلسطيني؟
•الموضوع مختلف. في لبنان عشت في الغيتو الخاص بالفلسطينيين حيث الجمهور موجود بالأساس من جيران، ووالدتي، وعائلتي وأصدقائي. حتى الرابرز الذين عملت معهم لسنوات هم أصدقائي حيث نشأت وكبرت معهم. هنا الأمور تسير باحتراف كبير، وليس للصداقة دور، وليس للصدفة دور. «كتيبة 5» تكونت بفعل الصدفة. عند تكوين «الآخرين» في باريس تابعت عمل كل موسيقي بمفرده. ولدى اختيار أحدهم أبلغته عن الهدف من هذا الاختيار. كما سبق القول عالم الموسيقى هنا محترف لدرجة عالية، وهي تستدعي مني رفع وتيرة عملي. كل من لديه مشروع، ويحمل فكرة، ويقدم موسيقى غير موجودة من قبل، بالتأكيد سيجد القبول.
○ أينما نكون نبحث عن ذاتنا. هل وجدت نفسك بما يرضيك؟
•في الجانب الموسيقي نعم. استفدت وتعلمت كثيراً من خصوبة الموسيقى في فرنسا. كسبت خبرة كبيرة، وبتّ أتعامل مع العمل الموسيقي بإحتراف شديد. في الجانب الإنساني والعاطفي حققت استقراراً. يبقى أننا كعرب نفيض حميمة، نحب التزاور والجلسات المشتركة، والحياة هنا مختلفة. يتسم مسار الأيام البارسية بالركض، والوحدة، وبالعلاقات الإنسانية الباردة والجمود في التواصل. هذا ما لم اعتاده، ولا أظنني سأنجح بقبوله. نعم تأقلمت بعد 6 سنوات من الإقامة في فرنسا، لكني داخلياً غير قابل بتلك المعادلات السائدة إنسانياً واجتماعياً، قد أترك فرنسا عندما أمكِّن نفسي موسيقياً، وعندما لا أعود بحاجة لمكان عمل ثابت.
○ وهل تشتاق لبرج البراجنة؟
•أشتاق لناسه، ولجموعه. عدت إلى لبنان منذ ثلاث سنوات ونصف بدعوة من جمعية السبيل لإحياء حفل. شعرت بشوق لناس المخيم وليس للمكان. اكتشفت استحالة العودة للعيش فيه، ومع ضغوط الحياة من انعدام الماء والكهرباء. آسف لهذه المشاعر وهذا التعبير المباشر، لكن وظيفة المخيم أن يُشكّل مكاناً لقمع الناس. نرى هذا ونتأكد منه لدى مغادرتنا للمخيم.
○ ست سنوات في فرنسا ما هو النتاج الفني إلى جانب سي دي «دواير»؟
•يتوزع عملي في فرنسا باتجاه مشاريع عدة. منها الآخرين، كما كونت فريقاً مع الفنانة الفرنسية باسيو المعروفة بعزف الدرامز. وكذلك كونت تريو مع نيسم جلال ودي جي. إلى مشروع آخر مع مغني صوفي «أبو غابي» حيث نضيف الموسيقى الإلكترونية إلى الغناء الصوفي. وتبقى الآخرين هي المشروع الرئيسي.
○ وماذا عن سي دي «دواير» الجديد نسبياً؟
•هو ألبوم صولو يضم عدداً من المؤدين والعازفين. حاولت من خلاله تقديم عمل يشبه إلى حد ما أعمالي في بيروت. الحنين الذي أشعر به حملني للعمل مع كل من تعاونت معهم قبل مغادرتي لبنان. بحثت عنهم وقدمت عملاً يتميز بالاحتراف ومع موسيقيين من فرنسا. وكل رابر كتب أغنيته، فيما كتبت أغنيتين.
○ جعفر الطفّار من أعز الفنانين إلى قلبك في بيروت فماذا عن أفراد «الكتيبة5»؟ أين هم؟
•وزعتنا الحياة. واحد من أربعة لا يزال يعمل في الموسيقى وهو «جزّار» ويتابع عمله في لندن. نادر يتابع إعداد الدكتوراه في علم النفس. مولوتوف أنهى دراسته الجامعية ويتابع عمله. وشاهد كذلك يستقر في لندن ويتابع حياته.
○ لنعد إلى دراستك للغناء الشرقي والمقامات. هل وضّحت لك طريقاً كنت تبحث عنه؟
•أعرف ما أريده وأعرف طريقي بوضوح. أسعى لمزيج بين ثقافتنا الموسيقية، وموسيقى الراب التي أصنعها، وهو ما سيكوِّن موسيقاي الشخصية والخاصة. هدف يستغرق وقتاً لأنه يتطلب تجميع خبرات. تفاؤلي واعتقادي كبيرين بأني بعد سنوات سأصل لما أصبو إليه فنياً وبدقة.
○ كم استغرق هذا الطموح من وقتك حتى الآن؟
•هو مشروع اشتغل عليه منذ أربع سنوات ولا يزال البحث عنه في أوجه.
○ في بيروت أسمع إشادات بالتوزيع الموسيقي الرائد للفنان أسلوب. ما هي أسباب هذا الصيت الحسن؟ وبماذا يختلف توزيع الراب عن غيره من الأغنيات؟
•الإختلاف ليس كبيراً. عندما أوزع الموسيقي لمغني أو رابر أهدف لأن يكون عمله بأفضل صورة. فيما يهدف بعض الموزعين ليكون حضورهم طاغياً. معادلتي تقول أن ظهور المغني أو الرابر بشكل جميل، يعني أن الموسيقى ستحقق الحضور نفسه وتلقائياً. دكتور دري الموزع الموسيقي المشهور والأهم في عالم الراب يقول إذا الرابر موهوب، يعني أن الموسيقى ستضرب. وإذا كان العكس ستهبط الموسيقى. المساحة الخاصة بموسيقاي أنها ليست إلكترونية بالكامل. فأنا أبحث للعمل مع مجموعة موسيقيين. عندما يكون العمل فردياً ستتراجع نوعيته الفنية. الجماعة تغني كلّ عمل، وألبوم دواير يجمع 12 موسيقياً. سعيت لوجود إثنين من الموسيقيين في كل «تراك» كي يمدوه بروحهم وخبرتهم الموسيقية، وبالتالي إغناءه. الموسيقيون هم عصب أساس وثراء لأي عمل فني.
○ تعطي الموسيقيين مساحة واسعة؟
•وأساسية. اركب الميلودي وأترك للموسيقيين حرية الإضافة إليها. وهذه الميلودي تكون في الغالب من المخزون الفني الذي يختبئ في داخل كل منا. أو حتى حصيلة إعجاب بموسيقى ما. فللفنان حق الإستعانة بمازورة أو اثنتين من موسيقى وضعها سواه. كمثال على ذلك أذكر أني حصلت مؤخراً على أسطوانة غنّاها أطفال في إحدى المدارس الهندية. لدى الاستماع إليها وقعت أذني على جملة رائعة تقع بين مقام البيات ومقام الكرد، اشتغلت على المقطوعة وأحتفظت بصوت الأطفال كي لا أظهر سارقاً للحن. لقد استوحيت عملاً جديداً من صوت هؤلاء الأطفال.
○ الإستعارة والإستلهام والتأثُر متاح في الفنون المكتوبة والمسموعة؟
•طبعاً. وبشكل خاص في الموسيقى حيث نحن حيال نوتات سبع فقط.
○ ماذا حلّ في استوديو الكتيبة5 في برج البراجنة؟
•تحول إلى نادي للرياضة.
○ وماذا عن الأستوديو الذي تعمل به في باريس؟
•قبل سنتين تمكنت من امتلاك منزل أتاح لي اقتطاع جزء منه ليكون استديو خاص بي.
○ وأين فلسطين من مشروعك الفني الذي تتابعه في فرنسا؟
•حاضرة ولا تغادرني. بالمناسبة هذه اللوحة على سي دي «دواير» للفنان اسماعيل شموط وهو من أشهر الرسامين الفلسطينيين. قصدت استعمال هذه اللوحة، لكني وضعت صورتي مكان صورة السيدة الفلسطينية. عدت إلى التراث ليس فقط على صعيد الأغنيات بل كذلك في التعبير والرسم التشكيلي. أنا في فرنسا فنان فلسطيني، أصرّ على هذا التعريف لتأكيد وجودنا كشعب متطور ومتفاعل مع الحياة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية